قدّم إلى الآلاف منهم دروساً في استخدام الاتصالات الحديثة وتنظيم التظاهرات وصنع السياسة

الغرب يحفز بالمال والخبرة شباب الثورات العربية

شبان تدربوا على خدمة المجتمع المدني وتنظيم التظاهرات في الغرب قدموا خبراتهم للمتظاهرين في ميدان التحرير. أ.ف.ب

يمكن ارجاع محنة حسني مبارك الى انتخابات مصر لعام 2005 عندما اظهر جيش من المراقبين الذين ساعدهم عدد من الاصدقاء الاجانب، ان الفوز الكاسح للرئيس كان عملاً خادعاً لنظام شمولي. وفي الاردن القريبة ايضا اشار تقييم الى ان انتخابات 2007 ساعدت على تسليط الاضواء على هذه المملكة غير الديمقراطية، ووضعت الملك في وضع حرج.

وعندما انفجرت اعمال الاحتجاج والسخط في شتاء ،2011 وتحولت الى عاصفة تنادي بالديمقراطية في كل من تونس ومصر ترك بلال دياب الناشط المعارض «مدرسة القادة الشبان» التي امضى فيها فترة امتدت ستة اشهر، وابتعد عن معلميه القادمين من الخارج، ووضع مهاراته الجديدة قيد الاستخدام بين خيم المحتجين في ساحة التحرير في القاهرة.

مكافحة الظلم والاستبداد هي القاسم المشترك الذي جمع بين الثورات في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن.  وكالات

تنظيم الثورة

وقال دياب (23 عاما) في وصف فائدة تدريبه الاميركي الصنع «ساعدنا على تنظيم الثورة». وأضاف «كان الناس متفرقين، لكننا كنا قد تعلمنا كيف نجمعهم معا وفعلنا ذلك، وعندما فتحنا خيمتنا اعلنا عن تشكيل اتحاد شباب الثورة».

وأدى هدير الثوار في الشوارع العربية الى اهتزاز قصور المستفيدين والمتنفعين، و الاطاحة بالرؤساء، الامر الذي تردد صداه في جميع انحاء العالم، وسيطر على عناوين الصحف ونشرات الاخبار لأسابيع عدة. ولكن وراء قصة هذا الاضطراب تكمن حكاية اخرى، هي قصة اكثر هدوء لمنظمات خارجية، قامت بمساعدة الولايات المتحدة وأموال الاخرين، بتدريب جيل عربي شاب حول طرق الفوز في عالم السياسة.

ويركز جميع المنخرطين في هذه الحكاية على ان ما حدث ناجم عن ظلم متجذر في العالم العربي المستبد، وليس من وحي إلهام خارجي، لكنهم يقولون ان بناء الثقة، هو عمل مدربين قادتهم الولايات المتحدة واطراف اوروبية، كان بمثابة الدافع او المحفز لما حدث، لكن ذلك النجاح ينطوي على تناقض في الوقت نفسه، فكيف تقوم الولايات المتحدة التي لطالما وقفت الى جانب القادة العرب ومبارك تحديدا، بتمويل برامج اسهمت في نهاية المطاف في سقوط اخرين.

100 مليون

تقدم المنح القومية الاميركية 100 مليون دولار سنويا، وتصل الى اكثر من 90 بلدا في العالم. ولكن منح «وكالة التنمية الديمقراطية»، وهي من ميزانية اجمالية تبلغ 800 مليون دولار، من اجل تطوير ما يعرف بـ«التنافس السياسي» و«المجتمع المدني» في 67 بلدا، اثبتت حيويتها للناشطين في نحو ست دول عربية، من المغرب الى اليمن. وتم تحديد 104 ملايين دولار لهذه الدول في ميزانية 2011 المقترحة. ومن المقرر ان تزداد المساعدة لمصر في مرحلة ما بعد مبارك.

ومن ضمن 150 مليون دولار أعلنتها واشنطن على شكل «تمويل انتقالي» ستخصص 50 مليون دولار للديمقراطية وبرامج الحكم، كالتي مولت المئات من ناشطي الديمقراطية الصاعدين في مصر، حسب ما علمت وكالة «أسوشيتد برس»، الامر الذي سيؤدي الى مضاعفة تمويل 2011 ثلاث مرات عن ما كان مقررا في السابق.


10 آلاف مصري

تشير التقديرات الى أن اكثر من 10 الاف مصري شاركوا في برامج مولتها اميركا من اجل الديمقراطية وبرامج الحكم الجيد منذ عام ،2005 والتي قام بها «المعهد الدولي الديمقراطي للقضايا الدولية»، و«المعهد الدولي الجمهوري»، اضافة الى 28 منظمة دولية ومصرية اخرى، ولم تقتصر فقط على التدريب السياسي، وإنما مشروعات لإعداد القضاة وبناء المجتمع المدني.

دهاء أميركي

يرى البعض ان هذا هو عمل الدهاء الاميركي، الذي يغطي العديد من الرهانات السياسية في مصر وغيرها من الاماكن الاخرى. ولكن اخرين يرون ان اميركا كبيرة جدا ومعقدة بشكل يحول دون تمكينها من الظهور بمظهر المتناغم بهذه الصورة. ويقول رئيس قسم الشرق الاوسط في المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية في الولايات المتحدة ليس كامبل، الشيء الجميل في نظام الولايات المتحدة «أنه يوجد العديد من المداخل الى مراكز السلطة، وهذه المداخل يمكن ان تمثل سياسات متناقضة».

وهذا المركز المرتبط بالحزب الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي التابع للحزب الجمهوري يرتبطان بموقع تغذية «المساعدة الديمقراطية»، وهي اقنية اساسية تهدف الى تقديم منح من «وكالة التنمية الدولية» التابعة لوزارة الخارجية، و«منظمة المنح القومية من اجل الديمقراطية»، وهي منظمة خاصة يقوم بتمويلها الكونغرس الاميركي.

وقال عبدالله حلمي (34 عاما)، وهو مشارك في انشاء حزب «الاصلاح والتنمية» المصري المنشق، وهو احد الذين استفادوا في السنوات الاخيرة من «مئات ومئات الساعات» من التدريب المدعوم من الولايات المتحدة في كل شيء، بدءا من ادارة الحملات والانتخابات وصولا الى استخدام «تويتير» و«فيس بوك» ووسائل الاعلام الاجتماعية التي تهدف الى بعث رسالة سياسية معلقا: «نحن بحاجة الى المزيد من الدعم، وبسرعة».

وترجع حملة الترويج للديمقراطية إلى ثمانينات القرن الماضي عندما كانت حركة بولاند للتضامن احد المستفيدين، ولكن بالنسبة لمصر كان عام 2005 هو عام الفصل عندما افتتح المعهد القومي الديمقراطي مكتبا له في القاهرة، وتمكن من خلال الجماعات المصرية من تدريب 5500 مراقب للانتخابات لمراقبة استفتاء يمنح مبارك فترة رئاسية خامسة مدتها ست سنوات.

ومن خلال اماكن الاستطلاع في مصر في شهر سبتمبر، قامت فرق دفع لها المعهد القومي بالابلاغ عن أي انتهاكات للانتخابات عن طريق رسائل نصية مشفرة مبتكرة، يتم تفكيك تشفيرها من قبل اجهزة كمبيوتر موجودة في المقار الرئيسة. وجاء التقرير آنياً ومفاده: ثمة تلاعب على نطاق واسع في الاستطلاعات، وكانت النتيجة 23٪، الامر الذي بدد اسطورة 90٪ التي حققها مبارك صاحب الشعبية. وقال كامبل «كان تاثير ذلك يظهر ان الامبراطور عار، والمصريون يمكنهم ان يصنعوا الفرق، ويمكنهم التغيير».

وكانت ردة فعل الحكومة تقضي بالتشديد على عمليات المعهد القومي، والمعهد الدولي الجمهوري في القاهرة، وإصدار أوامر الى الفنادق التي تستضيف اعمالهما بإلغاء دروس التدريب ووضع رجال الامن عند مكاتب المعهدين. ولكن مبارك لم يتمكن من أن يكون اكثر صلابة على الاميركيين المانحين لـ1.5 مليار دولار سنويا مساعدات عسكرية واقتصادية. ولذلك فقد استمر المروجون للديمقراطية عملهم، وغالبا عن طريق ارسال اشخاص يخضعون للحماية الى الدروس.

الناشط النموذج

ويعتبر باسم سمير مثالا على ذلك ففي عام 2005 سافر هذا الناشط في الاكاديمية المصرية للديمقراطية الى كل من واشنطن وهنغاريا ودبي، واماكن اخرى، ليتعلم ويتثقف حول طرق التنظيم السياسي، واستخدامات الاعلام الحديث، وحملات التظاهر والاحتجاج، وغير ذلك من المهارات.

وفي حلقة دراسية استمرت اسبوعين تم تنظيمها من جانب فريدوم هاوس (دار الحرية)، احدى الجهات المانحة للمساعدات التابعة للوكالة الاميركية للمساعدات «يو اس إيد» بذل سمير جهدا مكثفا للتعلم، حول وسائل وتقنيات الاعلام الاجتماعي بما في ذلك قيامه بزيارة مكاتب شركة «غوغل» والاستماع الى وسائل الاعلام الحديثة، ومشاهدتها، والاستماع الى خبير متخصص في حملة باراك اوباما لانتخابات الرئاسة في .2008 وحققت مشاركة سمير في فعاليات هذه الحلقة، فائدة كبيرة اذ اسهمت في تقديم النصيحة عن بعد للمتظاهرين المصريين الذين كانوا يسعون لمجابهة الهجوم القمعي للحكومة، لاحتواء الاضرار الناجمة عن إقدامها على قطع خدمات الاتصالات والانترنت.

كما شارك سمير، وهو احد المدونين على الانترنت، في مؤتمر عقده المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية في المغرب العام الماضي، بينما عمل المعهد في الوقت ذاته على تدشين موقع الكتروني متنقل يسمى «أصوات» لتجميع المشاركات والتعليقات والمساهمات من مختلف أرجاء العالم العربي، حيث قدم قسما منها مدونون قام المعهد بتدريبهم.

اليمن

وفي الوقت الذي كانت تزداد فيه شبكة التواصل الاجتماعي انتشارا واتساعا، يتجاوز حدود كل دولة عربية تحت مظلة ورعاية اميركية، قال الكاتب عريب الرنتاوي الناشط الاردني المدعوم من المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية لوكالة «اسوشيتدبرس»، انه طار الى اليمن مرتين لتقديم المشورة لزملائه هناك حول قضايا صياغة السياسات.

وبدعم من المعهد ايضا يقوم الرنتاوي، ومن خلال مركز القدس للدراسات السياسية، بمراقبة سير عمل البرلمان الاردني من خلال تقارير يضعها على الانترنت، ليكون بذلك أول آلية لمراقبة مؤسسة لا تعكس بنيتها تمثيلا شعبيا حقيقيا، وإنما هي قائمة على نظام انتخابي تم وضعه لدعم الطبيعة الملكية، لنظام الملك عبدالله الثاني في الاردن. وتخرج جموع المتظاهرين إلى شوارع العاصمة الاردنية عمان اسبوعيا مطالبة بإعادة النظر في أنظمة وقوانين انتخابات عفا عليها الزمن، وبتجريد الملك من جزء كبير من صلاحياته الواسعة، في تعيين رؤساء الحكومات، وفي الحقيقة فإن تلك المطالب وغيرها تنبع من عملية بدأت بمراقبة الانتخابات في الاردن في 2007 بدعم من المعهد القومي الديمقراطي للقضايا الدولية.

مساعدة كبيرة

ومن جانبه قال محيي الدين طوق مدير المركز الوطني لحقوق الانسان الذي يقود ائتلافا من 50 جماعة، شاركت في مراقبة الانتخابات البرلمانية الاردنية التي جرت العام الماضي «لقد قدمت لنا تلك الجماعات مساعدة كبيرة للغاية فلم يكن ايجاد اطراف محلية لمساعدتنا بالمهمة اليسيرة». مشيرا الى ان مراقبة الانتخابات كلفت 250 ألف دولار دفعتها الوكالة الأميركية للتنمية (يو اس إيد).

وبينما يعج الشرق الاوسط بالاحتجاجات، فإن اسئلة جديدة ربما تثار حول الدور الذي يلعبه الدعاة والمروجون للديمقراطية، الذين يشملون ايضا أناساً قدموا من احزاب سياسية المانية ومجموعات اخرى اوروبية وكندية.

ويرى الرنتاوي ان كل هذه الجهود التي قامت بها منظمات محلية ودولية قد مهدت الطريق لما يحدث اليوم، وأضاف «ان هؤلاء الشباب لم يهبطوا علينا من السماء ليفجروا ثورة». وفي القاهرة عبر عضو في الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه مبارك عن الملحوظة نفسها، فقد علق مروان يونس بالقول، إن نحو 80٪ من شباب الثورة قد تدربوا في المؤسسات الاميركية سالفة الذكر». بل ان يونس نفسه قد تلقى تدريبا قبل انضمامه الى الحزب الوطني. واستطرد: إن «الناس في الشوارع هم الذين خلقوا الثورة، وليس الدول الخارجية، وإن كانت هي المحفز على ذلك».

تساؤلات

وفي الديمقراطيات العربية الناشئة، فإن اسئلة ستثار حول الكيفية التي ستتعامل بها الولايات المتحدة والقوى الأخرى مع القوى السياسية الاسلامية التي هي في العادة مناهضة للولايات المتحدة.

يقول روحي غرايبة من جبهة العمل الاسلامي، وهي الذراع السياسية الاردنية لتنظيم الاخوان المسلمين، المنتشر على نطاق واسع في المنطقة العربية، إن «ما حدث في مصر ومن قبلها تونس ليست له علاقة بأي اموال انفقتها الولايات المتحدة وإن كل ما في الامر هو ان الامور بلغت نقطة الانفجار». غير ان جبهة العمل الاسلامي لا تنكر قيمة ما يقوم به الاميركيون، هز رأسه بالايجاب حينما سئل عما اذا كانت الجبهة قد استفادت من الدعم الذي يقدمه المعهد الديمقراطي للقضايا الدولية، وقال غرايبة «نعم لقد اوفدنا بعض شبابنا الى ذلك المعهد».

طباعة