50 ألف متشرد تعرضوا للقهر والاغتصاب في حقبته

نظام مبارك استخدم «أطفال الشوارع» ضــــدّ المتظاهرين

الشرطة المصرية استخــــدمت كل السبل لقمع المتظاهرين. أ.ب

أصابت الشرطة المصرية بالرصاص فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً، في 28 يناير الماضي، أطلقت عليها النار من على سقف مبنى شرطة «السيدة زينب» في الأحياء الفقيرة بالقاهرة القديمة، في ذروة العنف الحكومي الرامي لإخماد الثورة.

العمالة المؤقتة موجة ثورية جديدة

اندلعت في مصر موجة جديدة من الثورة في جميع المصالح والهيئات والوزارات المصرية، رفعت جميعها شعاراً واحداً «ياللي بتكلوها والعه عايزين نأكل عيالنا»، ويقود الموجة الثانية من الثورة العمال المؤقتون الذين يعملون في تلك الهيئات لمدد تراوح بين خمس و15 سنة، بأجور رمزية لا تتعدى الـ150جنيهاً مصرياً، وترفض الحكومة تثبتهم في وظائفهم، وأكد عضو منظمة حماية العامل، والناشط ابراهيم مرسي، ان العمالة المؤقتة هي خدعة كبرى مارسها النظام السابق على الشعب المصري. وأوضح مرسي لـ«الإمارات اليوم» ان النظام السابق استغل عشرات الآلاف من ابناء الشعب المصري في اعمال السخرة تحت خدعة العمالة المؤقتة، وان أكثر من 70٪ من العمل داخل المصالح الحكومية يديره عمال بعقود لا تتجاوز 150 جنيهاً، أي اقل من 30 دولاراً شهرياً، وهذا المبلغ لشراء الخبز فقط للأسرة المصرية. خالد محمد علي ــ القاهرة

ذهبت مريم للشرطة ضمن 100 طفل من الشحاذين، للمطالبة بإطلاق سراح صديقها إسماعيل ياسين، فتى في مثل سنها سحبته الشرطة سحباً إلى داخل المخفر، بعض هؤلاء الصبية أبناء تسعة أعوام فقط، وسبق ذلك إطلاق رصاصات تحذيرية في الهواء من فوق المبنى لتخويف الاطفال في بادئ الأمر، تلاها اطلاق شرطي النار على مريم اثناء تصويرها الشرطة على هاتفها المتحرك، حيث سقطت على الارض من طلقة أصابتها في الظهر، وحملها الاطفال الآخرون الى مستشفى المنيرة المجاور، ورفض طاقم المستشفى، فيما يبدو، السماح بإدخالها، فذهبوا بها الى مستشفى أحمد ماهر، حيث تمت إزالة الرصاصة.

فيما بعد تم إطلاق سراح اسماعيل ليأخذ طريقه نحو ميدان التحرير، حيث يواجه المتظاهرون هجوماً شرساً من قبل الرجال المدججين بالسلاح، وتجول اسماعيل في شارع الخيرات ليستقطبه هذا التجمع الكبير مثله بقية الأطفال المشردين، ولم يلبث ان أصابته رصاصة في رأسه لترديه قتيلاً.

ينتشر المشردون في كل مكان من العاصمة، ويصل عددهم الى 50 ألف طفل تقريباً، انها أحد مخازي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، تلك السيرة المسكوت عنها، إنهم حطام المجتمع، الفقراء الضعفاء، الايتام والمنبوذين، جلهم مدمنو مخدرات، أطفال يبلغون في بعض الاحيان الخامسة من أعمارهم، تتعرض الفتيات في معظم الأحيان للاعتقال والاغتصاب من قبل الشرطة، وفقاً للأطفال والجهات الخيرية.

تؤكد إحصاءات الحكومة المصرية ان 50 ألف طفل شحاذ يعيشون في الطرقات، وهو رقم تقول المنظمات غير الحكومية المحلية والغربية عنه، انه يعكس أحد مخازي مبارك، الذي يحاول تغطية فضيحة أكبر من هذا الحجم بـ10 مرات.

معظم الأطفال الذين قابلتهم صحيفة «إندبندنت» كشفوا كيف ان مؤيدي مبارك كانوا يجلبونهم على أطراف ميدان التحرير لإلقاء الحجارة على المتظاهرين، وكيف انهم يستدرجون هؤلاء الاطفال للمشاركة في التظاهرات المؤيدة لمبارك، الكثير من هؤلاء الأطفال سلكوا طريقهم نحو ميدان التحرير، لأنهم اكتشفوا أن المتظاهرين أرفق بهم من رجال النظام، يطعمونهم السندويتش ويعطونهم السجائر والنقود.

ووفقاً لإحدى المنظمات الخيرية المصرية، حشد 12 ألف متشرد للتظاهرات المؤيدة للنظام في الاسابيع الثلاثة الماضية، وأخبرهم منظمو تلك التظاهرات أن عملهم يتمثل في إلقاء الحجارة على المتظاهرين، وان هذا العمل هو عمل وطني، وفقاً لما ذكرته إحدى الطبيبات بـ«السيدة زينب»، وتقول الطبيبة نفسها، «أصيب الكثير من الاطفال المشردين برصاص الشرطة المطاطي عندما انحازوا للمتظاهرين المطالبين بالديمقراطية، وان 12 منهم على الاقل في هذه المنطقة تم جلبهم إلى المستشفى جراء جروح اصيبوا بها من أسلحة الشرطة».

الصبي أحمد (لا يدري سواء كان في الـ18 أو الـ19)، يقول انه شاهد مريم عندما تم إطلاق النار عليها، كانت مرتدية قميص «تي شيرت» وجينز باهت اللون وصندلاً وقبعة بيسبول زرقاء، وكان احمد خائفا حتى عندما أحرق المتظاهرون مبنى شرطة السيدة زينب في ليلة 28 يناير وهرب الشرطة منه.

يقول أحمد «قبل صلاة الجمعة، سمعنا أن الشرطة تمارس الضرب على الناس في الشوارع»، ويضيف «خرجت للشارع فرأيت الكثير من الناس يقذفون الحجارة على الشرطة، ولهذا أخذت أرمي الشرطة بالحجارة أيضا، الجميع يرمي الشرطة بالحجارة، لانهم يكرهون الشرطة». ويضيف «أن مريم كانت تلتقط صوراً للشرطة من هاتفها المتحرك، وكانت الشرطة على سقف المبنى، وكان ظهرها مواجهاً لمبنى الشرطة، فأطلقوا عليها الرصاص، أخذها الناس إلى المستشفى وخرجت منه مغطاة بالضمادات، لكنها تقول ان الجروح لاتزال تؤلمها، وتعتقد ان أحداً سرق كليتها».

حاولت بيوت إيواء المشردين ـ تديرها منظمات مانحة بريطانية وأوروبية ـ البحث عن مريم، لكن من دون جدوى. كان احمد في شارع خيرات عندما تم إطلاق النار على اسماعيل ياسين «ضربتني الشرطة بكعب البندقية، وشاهدت الشوارع تكتظ بالناس الذين جاءوا ليسرقوا المنازل والاماكن الاخرى، وكانوا يضربون الناس في منازلهم ويأخذون ما يريدونه».

أحمد يغسل السيارات مقابل أجر، وينام في الشوارع، ويظل متيقظاً ليلاً خوفاً من الهجوم عليه من قبل اللصوص، ويختلس ساعات من النوم بعد شروق الشمس، والدا احمد مثل والدي كثيرين غيره على قيد الحياة، لكنه اختلف معهم قبل فترة طويلة ويرفض الذهاب إليهم.

بعض هؤلاء الأطفال يتفادون أسئلة تتعلق بسلوك الشرطة، اذ إنهم لايزالون يشعرون بالخوف، ويتحدث البعض الآخر عن نوم فتيات الشوارع مع الشرطة، حتى انهم يسرقون منهن ما يحصلن عليه من أموال من الشارع، ويقول الصبية ان معظم رفقائهم يتعاطون المخدرات.

معظم الأطفال الذين قابلتهم لا يستطيعون كتابة أسمائهم باللغة العربية، بعضهم أيتام، وآخرون تخلى عنهم والديهم، ويقول البعض ان بعض الآباء يجبرون ابناءهم وبناتهم على العمل في الشوارع من اجل شراء المخدرات.

ويظل جثمان شهيد الثورة المصرية إسماعيل ياسين في مشرحة المستشفى لا يأبه له أحد، ولن يطالب به أحد.

 

طباعة