مكفوفون في تونس اضطهدوا على يد بن علي

مكفوفو تونس ضمن ضحايا نظام بن علي. الإمارات اليوم

كشف الناطق الرسمي باسم الاتحاد التونسي للمكفوفين، علي بن عمر، عن الممارسات اللا إنسانية، التي كان يمارسها نظام بن علي، والمحسوبين عليه، بحق المكفوفين، تلك الممارسات التي كانت تبدأ من الحرمان من الاعانات الاجتماعية مروراً بتزوير الانتخابات، وصولاً الى قمع المعارضين حتى سجنهم وتعذيبهم والتنكيل بهم داخل السجون.

كما كشف بن عمر ان المكفوفين تعرضوا إلى الاضطهاد والسيطرة الامنية، وتعرض المعارضون منهم لسياسة رئيس الاتحاد الى الإقصاء التام من عضوية الاتحاد، والقمع من قبل اجهزة الأمن، كما تم التعامل معهم بخصوص الرواتب والتعيينات بناء على مبدأ المحسوبية.

وكشف بن عمر في حديث خاص مع «الإمارات اليوم » عن وجود شبهات بفساد مالي وإداري وأخلاقي في صلب الهيئة التنفيذية للاتحاد، موضحاً ان كثيراً من الكفيفات تعرضن لمساومات جنسية مقابل حصولهن على إعانات.

ويستهل السيد علي بن عمر، وهو مختص في علاج طبيعي في مستشفى سهلول الجامعي في مدينة سوسة (التي تبعد عن تونس العاصمة نحو 170 كم) «هذا الرجل الكفيف وإن حرم نعمة البصر فإن الله قد حباه نعمة الفصاحة والبلاغة». يستهل كلامه بالقول تفافمت معاناة المكفوفين في عام ،1991 عندما قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بفرض السيد عماد الدين شاكر رئيساً للاتحاد دون انتخابات، لأنه كان ينتمي الى الحزب الحاكم آنذاك، ولأنه يتمتع بعلاقات خصوصاً ببعض المسؤولين في الوزارة.

وقام المكفوفون منذ سنة ،1991 حتى اليوم، بعدد من الانتفاضات ضد الظلم الواقع عليهم من قبل رئيس الاتحاد،إلا انهم كانوا يقمعون بشدة من قبل أجهزة الأمن، لما يتمتع به الرئيس عماد شاكر من نفوذ بعد ان أصبح عضوا في مجلس مستشاري الرئيس المخلوع بن علي.

وفي استعراضه المظالم والتجاوزات التي تعرض لها المكفوفون يقول «هي مظالم ذات طابع سياسي، نقابي، اخلاقي، حيث إنه تم تزوير الانتخابات عامي 1994 و1997 حتى يبقى عماد شاكر رئيساً للاتحاد، كما ان النظام الاساسي الذي كان ينص على ان الفترة الرئاسية لرئيس الاتحاد هي ثلاث سنوات، يمكن تجديدها مرة واحدة فقط، عدلت على مقاس عماد شاكر، ليصبح بإمكانه ان يبقى رئيسا للاتحاد طالما زكاه المؤتمر العام للاتحاد، ومعظم اعضائه من المحسوبين على النظام ولو مدى الحياة، ومنذ ان تسلم عماد شاكر رئاسة الاتحاد، اخذ يمارس الفساد السياسي والنقابي، حيث استبعد من اتحاد المكفوفين كل الاعضاء الذين يناهضون سياسته التي تمثل سياسة نظام بن علي، لدرجة انه ارتبط ببن علي فكراً وممارسة، فكان النموذج الذي يتعامل به بن علي مع الشعب التونسي، هو ذاته الذي يتعامل به عماد شاكر مع المكفوفين.

ويوضح بن عمر ان عضوية الاتحاد تقوم بالدرجة الاولى على الاشتراكات النقدية التي سيطر عليها عماد شاكر، فكان يمنع كل من هو غير منتمٍ لحزب التجمع الحاكم، وغير مرضي عنه من قبل وزارة الداخلية، من دفع الاشتراكات التي تخول للعضو حق الانتخاب والترشح، والأمر نفسه ينطبق على توزيع المنح التي هي حق للكفيف.

كذلك مارس عماد شاكر التمييز في دفع الرواتب والتعيين بين مؤيديه ونظام بن علي، وبين المناوئين له وللنظام، حيث كان اعضاء الحزب الحاكم يتم تعيينهم بسرعة ويتقاضون أجراً شهرياً كاملاً 500 دينار (400 دولار)، بينما غير المنتمين للحزب من العمال والموظفين في الاتحاد فكانوا يتقاضون نصف الاجر، ويعملون لمدة 15 عاما دون تعيين في المؤسسات الصناعية والتربوية والفلاحية والتجارية ومراكز التدريب التي يملكها الاتحاد رغم ان لهم السلم الوظيفي نفسه.

والمفارقة ان عملية الاقتراع في الانتخابات كانت تتم، بحيث يقوم اعضاء الاتحاد المبصرون بقراءة أسماء المترشحين للهيئة التنفيذية للاتحاد ولرئاسته على المكفوفين، وكان بعضهم متواطئ مع رئيس الاتحاد، بحيث لا يقرأ للكفيف سوى الاسماء التي يريدها رئيس الاتحاد، وإذا رفض الكفيف سياسة الإملاء وطلب معرفة بقية الاسماء، كانت تتم الوشاية به للرئيس ويحرم من الاشتراك، وبالتالي حق الانتخاب وكثير من الحقوق الاخرى.

ويقول السيد علي «الاتحاد الذي من المفروض ان يحل مشكلات المكفوفين أصبح هو بحد ذاته مشكلة، حتى وصلنا الى مرحلة أصبح فيها من يبسمل في افتتاح مداخلة في المؤتمر أو يختم مداخلته بالسلام، يعتبر ان له توجهات اسلامية (إخونجية) معارضة، وهذا التصنيف لم يكن معلناً عنه، ولكنه كان مفهوماً ضمنياً ويتعامل مع العضو بناء عليه».

وللدلالة على ذلك فقد كان أستاذ الفلسفة والتفكير الاسلامي، علي مسعود، كفيفاً واعتقل عام ،1987 وحوكم بتهمة الانتماء لحزب التحرير الاسلامي، فحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وفي الاستئناف خفض الحكم لخمسة اشهر، وبعد قضاء الحكم بقي الاستاذ مسعود عاطلاً عن العمل لمدة 11 عاماً، بسبب آرائه السياسية، واضطر أخيرا إلى الانتماء إلى الحزب الحاكم حتى يعود إلى عمله، وبالفعل أعيد الى عمله بقرار رئاسي.

ويكشف السيد علي ان هناك شبهة فساد مالي، ضد عماد الدين شاكر، واعضاء هيئته، التنفيذية، لأن هناك تقارير المالية تثير الشبهات بهذا الخصوص، اذ تحتوي على مصروفات مبالغ بها، وغير منطقية، ويقول انه حتى نتأكد من ذلك، سنستعين بخبير حسابات لعمل جرد حساب لكل املاك الاتحاد، ولمراجعة التقارير المالية للاتحاد، لكن المؤكد ان هناك سوء تصرف مالي وإداري.

ويضيف ان «هناك شبهة تجاوزات أخلاقية وهي الاخطر، حيث كانت هناك عمليات مساومة وابتزاز جنسي قام بها رئيس الاتحاد وبعض موظفيه، مع العديد من اعضاء الاتحاد من النساء، من طالبات الإعانة الاجتماعية، ولكننا لا نستطيع الحديث عن تفاصيل الآن، لأن الموضوع سيحال الى القضاء، خصوصاً ان هناك بعض النسوة اللائي يرفضن الحديث بهذا الموضوع، خوفا من الفضيحة، بالمقابل هناك نسوة عبرن عن استعدادهن للشهادة امام المحكمة».

كذلك كان رئيس الاتحاد يسخر مطبعة بريل (نظام طباعة نافرة خاص بالمكفوفين) الوطنية للمكفوفين، لطباعة بيانات بن علي السياسية والانتخابية ومنشورات حزب التجمع على نفقة الاتحاد، بينما يرفض طبع الكتب المدرسية للمكفوفين، بحجة عدم توافر الميزانيات اللازمة.

في النهاية يلخص السيد بن عمر مطالب المكفوفين من الاتحاد بأن تكون العلاقة بين الاتحاد والكفيف علاقة صحية، بحيث يقدم الاتحاد الكفيف للمجتمع بصورة حسنة. وألا يتم التعامل معهم وفق ثنائية اما ان نكون مساكين ونستحق الشفقة، أو ان يعتبروننا وقحين ولا نستحق الاحسان عندما نطالب بحقوقنا، فلا احد مطالب بأن يصنع جميلاً مع الكفيف، ولكن في الوقت نفسه على الآخرين احترامنا والتعامل معنا كبشر.

طباعة