واشنطن أكدت استقرار النظام.. وطالبت بانتقال سلمي للسلطة

السياسة الأميركية تجاه مصر مرتبكة

أوباما سارع إلى إدانة العنف وطالب بإصلاحات فورية. إي.بي.إيه

بعد أيام من المساعي الدبلوماسية الشاقة، ظهر بوضوح تخبط إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مع النظام المصري، من خلال إدانة العنف ضد المتظاهرين في العاصمة المصرية، والدعوة إلى انتقال سلمي وسريع للسلطة، واعتبرت الخارجية المصرية النداء الأميركي غير مقبول، وإهانة للحكومة المصرية، وباتت الإدارة الأميركية عازمة على حسم الموقف في غير مصلحة حليفها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ولوحت بقطع المساعدات عليه، وطالب المتحدث باسم البيت الأبيض، روبرت غيبس، بتطبيق إصلاحات فورية، وحوار يشمل مختلف الأطياف السياسية، كما تفضل واشنطن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، المقررة في سبتمبر المقبل، في أقرب وقت ممكن.

وتدل المواقف المتبادلة والعلنية بين الولايات المتحدة ومصر، على ان التغييرات الحاسمة والسريعة الجارية ستعيد ترتيب الأوراق بالنسبة للمنطقة برمتها، وكذلك الأجندة الأميركية في الشرق الأوسط.

تغير الموقف في أمريكا

تسبب التجاوب الحذر الذي أبدته الإدارة الأميركية في موجة عارمة من الغضب، وكانت مشاعر العداء للسياسة الأميركية تكاد تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، بسبب الدعم الكامل لتل أبيب، وتأججت تلك المشاعر في أعقاب الغزو الأميركي للعراق في .2003

ويرى مراقبون أن مستوى الكراهية التي يكنها المصريين للولايات المتحدة لايزال منخفضاً نسبياً، في الوقت الذي تتصاعد الأصوات برحيل مبارك، الذي حكم البلاد لمدة ثلاثة عقود.

وفي هذا السياق يقول المسؤول في حزب الكرامة المعارض، أمين اسكندر، «إنهم (الأميركيون) ينتظرون من سيكون الغالب في هذه المعركة، وسيزعمون أنهم ساندوا الفريق المنتصر». ويقول أحد المتظاهرين في ميدان التحرير، ويدعى سعيد سمير، 26 عاماً، «لماذا لا تساندنا أميركا إذا كانت مهتمة بالديمقراطية فعلاً؟». ويرى محللون أن تردد البيت الأبيض في التخلي النهائي على الرئيس المصري، يرجع إلى أهميته الاستراتيجية بالنسبة للسياسة الأميركية الخارجية، إذ تعتبره واشنطن لاعباً أساسياً في المنطقة. ويعتقد المحلل والصحافي المصري، هشام قاسم، أن التناقض الذي شاب الموقف الأميركي من الأزمة، في اعتبار واشنطن الحكم في مصر مستقراً، مع مطالبتها بانتقال منظم للسلطة، أعطى الانطباع بأن الإدارة الأميركية «متقلبة وغير جادة».

ويقول مراقبون إن الانسحاب المفاجئ للرئيس المصري حسني مبارك، سيعرض اتفاقية السلام التي وقعت بين مصر وإسرائيل في 1979 للخطر، وتحاول المؤسسات الأميركية، بما في ذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، ووزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات (سي آي إيه)، رسم السيناريوهات المحتملة لنتائج تنحي الرئيس المصري، وتبعاته على المنطقة. ويتساءل البعض عن مصير الحرب السرية التي تخوضها أميركا ضد تنظيم القاعدة في اليمن، في حال خروج الرئيس عبدالله صالح من الحكم، كما يتساءل آخرون عن مدى قابلية خليفة مبارك لدعم عملية السلام في الشرق الأوسط، ويتخوف كثيرون في الغرب، كما في الدول العربية، من صعود التيارات المتشددة ووصولها إلى الحكم.

انتقد مسؤول مصري تصريحات أوباما بشدة، التي دعا فيها إلى انتقال السلطة «فوراً»، وقال المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه، إن السلطة في القاهرة لا تفهم طرح واشنطن في هذا المسألة.

وفي المقابل، صرح مسؤول رفيع المستوى عمل مع الإدارة الأميركية السابقة، بأن لا أحد يريد فراغاً في السلطة يمكن أن يحدث في حال غادر مبارك في وقت أبكر.

وتتطلع الولايات المتحدة إلى إشراك القوى السياسية الفاعلة في المحادثات مع النظام المصري، لإعادة هيكلة هرم السلطة دون تهميش مطالب الجماهير الغاضبة، وفي هذا السياق لن تقبل واشنطن وعود الحكومة المصرية بإجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية، لأنها سبق أن أغلقت الباب في وجه معارضيها، ويقول خبير العلاقات الخارجية في مركز التقدم الأميركي، براين كاتوليس، «إنهم (الإدارة الأميركية) يريدون شيئاً أقل مما قاله مبارك، في ما يتعلق بتعديل مواد الدستور الخاصة بالانتخابات الرئاسية»، مضيفا، أن «المعارضة تعتقد أن هذا البرلمان، الذي سيجري التعديلات، تشكل بعد انتخابات مزيفة».

أما مبعوث البيت الأبيض إلى القاهرة، فرانك وزنر، فقد غادر القاهرة بسرعة، بعد لقاءين مع المسؤولين المصريين، قائلاً، «لقد شعرنا بأنه (مبارك) قام بما يستطيع فعله»، مضيفاً، لقد كانت هناك محادثات، وشعرنا بأن الأمور وصلت إلى ما أمكن التوصل إليه. وبالنسبة للإدارة الاميركية، فإن الأزمة السياسية في مصر، التي تتضح معالمها يوماً بعد يوم، هي أكبر من مجرد انشقاق بين حليفين.

وفي الوقت الذي تشهد فيه مصر واليمن، بعد إزاحة الرئيس التونسي (زين العابدين بن علي) من السلطة، يخشى المسؤولون الأميركيون في مجال مكافحة ما يسمى الإرهاب، من سطوة الجماعات المتشددة، وعودتها إلى الساحة السياسية، مستغلة حالة الفوضى التي تعيشها المنطقة.

وتعتمد الإدارة الأميركية بشدة على حلفائها في الشرق الأوسط، بما في ذلك الرئيسين المصري واليمني، ويرى الخبراء أن خسارتهما ستكون ضربة للجهود الأميركية على المدى القصير، وربما لن يطرأ أي تغيير. وفي ذلك يقول الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، خوان زارات، «هناك جزء من التهديدات يرتبط بـ(القاعدة)»، ويضيف زارات الذي كان مسؤولاً رفيعاً في إدارة الرئيس السابق جورج بوش، «إذا انتهت التظاهرات إلى انتقال متعدد للسلطة، فمن شأنه أن يلحق ضرراً جسيماً بالخطاب الذي يتبناه التنظيم».

طباعة