عانى أقسى أنواع التعذيب وشارف على الموت مرتين

بوكادي: تعرّضت للصعق بالكهربــاء والإغراق بماء ممزوج بالبول في سجون بــن علي

بوكادي: وضعوا 372 سجيناً في غرفة تتسع لـ100 فقط. الإمارات اليوم

كشف المعتقل السيــاسي التـونسي رضى بوكادي، عن بعض أساليب التعذيب المتبعة في سجون نظام بن علي، من خلال الصعق بالكهرباء والإغراق في الماء، والتعليق بوضعية الدجاجة المشوية، التي كانت من الإجراءات الروتينية في السجون التونسية، إضافة الى صعق الأعضاء التناسلية بالكهرباء، ويضيف رضى بوكادي، الذي اعتقل سنة 1996 بتهمة الانتماء إلى حركة النهضة الإسلامية، أن ظروف الاعتقال في سجون الداخلية التونسية هي ظروف قاهرة ومذلة، لا يمكن للحيوانات التعايش معها، مؤكداً أن الهدف من الممارسات داخل السجون كان كسر الإرادة والنفس معاً.

وقال بوكادي في حوار مع «الإمارات اليوم»، إن المعتقل المتهم بالانتماء لحركة النهضة الإسلامية التونسية، كان ممنوعاً من ممارسة شعائره الدينية بحرية، وكذلك كان محروماً من كل أنواع الكتب العربية والغربية.

وأضاف بوكادي، الذي أطلق سراحه قبل عامين، بموجب نظام إطلاق السراح المشروط، أن «أعوان السجن كانوا يتعمدون إهانة المصحف الشريف، في محاولة منهم لاستفزاز المعتقلين، من أجل تبرير قمعهم والتنكيل بهم».

وعن بداية مسلسل معاناته مع أجهزة أمن بن علي، قال بوكادي، بعد ان زفر بعمق، وكأنه يعيد شريط ذكرياته إلى أيام ولحظات لطالما جهد لتناسيها، «بعد ملاحقة لي من قبل أجهزة أمن النظام، وملاحقة زوجتي وتعذيبها، ودهم بيتي، وترويع أطفالي بشكل متكرر على مدى ست سنوات، تنقلت خلالها بين تونس وليبيا والجزائر وسورية وتركيا، قبضت السلطات الليبية عليّ عام ،1996 وبعد أربعة أشهر من السجن والتعذيب في ليبيا، سلمتني إلى السلطات التونسية، وهنا بدأ مسلسل المعاناة الحقيقي داخل أقبية وزنازين السجن».

مسلسل التعذيب

في سجون بن علي تعرض بوكادي إلى التعذيب الشديد، حتى انه شارف على الموت مرتين، ليس ليعترف بانتمائه للحركة، وليس لان له موقعاً قيادياً فيها، ولكنهم أرادوا منه ان يعترف على اخوة آخرين من الحركة، والاعتراف بأن الحركة كانت تحاول قلب نظام الدولة، وتجنيد أفراد من الامن لهذا الغرض، واغتيال رئيس الدولة.

وأكد بوكادي انه والحركة كانوا أبرياء تماماً من هذه التهم، وأضاف «كانوا يعرفون أننا أبرياء، ولكن كانوا يريدون اعترافاً لأسباب دعائية، ولتشويه صورة الحركة لدى الرأي العام، داخلياً وخارجياً، ولإعطاء المبرر لاستئصالها من الحياة السياسية التونسية تماماً، لأنها كانت تشكل منافساً قوياً للنظام».

وعن أساليب التعذيب، وكيفية انتزاع الاعترافات، قال بوكادي «من أجل انتزاع المعلومات استمر التعذيب الجسدي في وزارة الداخلية لمدة أربعة أيام، وتنوعت أساليبه، بداية بتعليقي على طريقة الدجاجة المشوية لمدة تزيد على الـ20 ساعة متواصلة، ما أدى إلى إصابتي بشلل في قدمي اليسرى لمدة عامين، إضافة الى كسور متعددة في ساقي اليمنى، كما أصبت بنزيف دموي حاد، خسرت فيه ثلاثة لترات من الدم، ولولا لطف الله لكنت الآن في عداد الشهداء، فقد ضغطوا عليّ بشدة أثناء التعذيب، إذ استعملوا معي أسلوب صعق الأعضاء التناسلية بالكهرباء، إضافة إلى أسلوب الإغراق في ماء ممزوج بالبول، من خلال تعليقي من قدمي ببكرة مثبتة في السقف، إذ كانوا ينزلون الحبل فيصل رأسي إلى برميل ماء ممزوج بالبول، وكانوا يضربونني على أعضائي التناسلية، حتى ابتلع اكبر كمية من الماء النجس، وكانوا يربطون خصيتي بحبل مطاطي، وفي الطرف الآخر من الحبل يربطون ملعقة طعام حديدية، ثم يشدون قطعة المطاط إلى آخرها، ويتركونها فجأة لتضرب الخصية، وقد مات أحد الأخوة السجناء عندما استعملوا معه هذه الطريقة، وكانوا يضربونني بشكل دائم، وحرموني النوم مدة أربعة أيام متواصلة، وكان التعذيب يستمر من الصباح الباكر إلى المساء، ونظراً لأنني لم أتمكن من تحمل التعذيب، فقد قمت بقطع شرياني بوساطة أظفاري وأسناني».

ولا يعتبر بوكادي ما أقدم عليه محاولة انتحار، بل نوعاً من المناورة حتى يتجنب البوح بأسماء زملائه من جهة، وليتخلص من جحيم التعذيب المتواصل من جهة أخرى.

وقال: «نقلت من سجن الداخلية إلى سجن (9 ابريل)، حيث سجنت في زنزانة انفرادية مساحتها مثل مساحة القبر تماماً، وتحتوي على صنبور ماء ودورة مياه فقط، وأرضيتها رطبة، بل مبللة على الدوام، لدرجة أنك بمجرد أن تضع عليها الفراش يتبلل فوراً، فلا تستطيع النوم عليها، خصوصاً مع عدم وجود سرير فيها، وطوال عام تقريباً لم أر شخصاً سوى المحققين».

وأضاف «في الزنزانة الانفرادية لم يكن لدي لباس جيد، وإنما بقايا ملابس السجناء السابقين. الطعام كان رديئاً خصوصاً من حيث النظافة، وكان الطعام غالباً عبارة عن معكرونة وحساء بارد، ويقدم في أواني بلاستيكية غير نظيفة، وأحياناً كانوا يجلبون الخضار ويقدمونها مسلوقة، وكان هناك وجبتان فقط يومياً، أما في السجن الجماعي فقد كان الطعام قليلاً جداً، وكان السجناء يعانون مجاعة حقيقية بشكل مقصود، أي كانوا يجوعونهم عمداً، وهو نوع أنواع التعذيب كان يمارس ضدنا».

إهانة القرآن

ومما يذهل له القارئ، أن صلاة الجماعة وصلاة السنة في سجون بن علي كانت ممنوعة، كما أوضح بوكادي، إذ كان هناك حارس يراقب المصلي، ويمنعه إن أراد أن يصلي صلاة السنة، أو يزيد على الركعات الأربع، خصوصاً في الزنازين الجماعية. وكان رفع الأيدي للدعاء ممنوعاً، والويل والثبور لمن يُلقى القبض عليه متلبساً بحمل ورقة فيها آية من القرآن، فقد كان يتعرض هذا السجين للإهانات والضرب والتعرية، لكن بداية من سنة ،1998 فقد سمحوا بإدخال القرآن الكريم.

وأشار إلى أن الكتب العادية بدورها كانت ممنوعة، وكذلك المجلات والصحف بمختلف أنواعها، إلا في مرحلة متأخرة أيضاً، «فنظام بن علي كان عدواً للثقافة»، وكانت الأوراق والأقلام أيضاً ممنوعة إلا لكتابة الاعترافات فقط.

بعد خمس سنوات قضاها بوكادي في السجن الانفرادي، نقل الى السجن الجماعي مع مساجين الحق العام، وليس مع زملائه من سجناء الانتماء، وذلك حتى يسلطوا عليه سجناء الحق العام الجنائيين.

وقال: «في السجن الجماعي كانت الغرف تتسع لـ100شخص، ولكن ادارة السجن ولمزيد من التنكيل بالمساجين، كانت تضع في هذه الغرف نحو 372 سجيناً، بينما كانت هناك غرف فارغة من السجناء، وكانت الغرف مؤثثة بطابقين من الاسرّة المبنية من الاسمنت، وكان السجناء ينامون على الطابقين، كما لجأ بعض السجناء الى النوم تحت السرير الأرضي لضيق المكان.

وأضاف «في السجن الجماعي تمكنا في مرحلة متأخرة من إقامة مساجد داخل السجن، لدرجة اننا أصبحنا نصلي جماعة على الرغم من أنف السجان.

وأشار إلى أنه أضرب عن الطعام مرات عدة حتى بلغ عدد الأيام التي أضرب فيها عن الطعام مجتمعة، نحو سنتين ونصف السنة، آخرها كان سنة ،2003 إذ أضرب عن الطعام لمدة 39 يوماً محتجاً على ممارسات ادارة السجن، التي تهدف من ورائها إلى التضييق على السجناء السياسيين مثل منع الكتب والصحف، ومنع الدراسة، ومنع الزيارات المباشرة.

وأكد أنه بسبب كثرة الاضرابات عن الطعام، أصيب بمرض الكلى عام ،2000 فطالب بالعلاج، ولكنهم ماطلوه الى سنة ،2006 فتفاقم خلالها المرض لدرجة انه شارف على الموت للمرة الثانية.

طباعة