الانتفاضتان لهما أبعاد اجــــــتماعية وثقافية وسياسية

مخاضات كـــــــثيرة تمرّ بالعالم الإسلامي مظهرها أحــــــداث مصر وتونس

أحداث مصر وتونس لها خلفيات أبعد من السياسة. أ.ف.ب

وحده الأحمق يسعى إلى التنبؤ بمسار الانتفاضتين التونسية والمصرية، لكن الغبي فقط ينكر ان ثمة شيئاً دراماتيكياً وعميقاً يجري على نطاق واسع في العالمين العربي والإسلامي، وهو أكثر من مجرد ظاهرة سياسية.

فأولاً، لابد من الإشارة إلى الفارق بين العالمين العربي والإسلامي، والقومية والقوى الدينية. وثمة تقليد ووجه وطني واضح للدراما المصرية، فمصر كانت لفترة طويلة دولة عربية حاسمة، بلداً قاد حروباً ضد إسرائيل في الأعوام 1948 و1956 و1967 و1973 وقاد عملية السلام في كمب ديفيد.

وتتميز مصر بخصوصيات عدة، إذ يبلغ عدد سكانها 84 مليون نسمة ولديها صحف كبرى مثل الأهرام، وفيها مغنون وفنانون ذاع صيتهم في مختلف أنحاء العالم العربي مثل أم كلثوم، كما انها كانت منذ فترة طويلة القلب الثقافي للعروبة الثقافية بطريقة لم يسبق لتونس أو الجزائر أو حتى سورية أن كانت عليه يوماً. كذلك فإن تونس بدأت هذه المرحلة من العملية السياسية، إلا ان مصر ستحدد زخمها وتحدد مدى انتشارها، ومن المرجح أن تحدد الأحداث في القاهرة هذا الأسبوع إذا كانت شعوب المغرب وسورية وشبه الجزيرة العربية ستنزل إلى الشوارع بدورها. لكن هذه مجرد سياسة، وحتى إذا بقيت الشوارع هادئة والجيوش في الثكنات، فإن التغييرات الصاخبة نفسها التي أدت إلى أحداث تونس ومصر تهز العالمين العربي والإسلامي. وصحيح أنه من الخطر دائماً أن تتم المقارنة بين الثقافات إلا انه لابد من الإشارة إلى أن هذين العالمين يعيشان نهضة متزامنة وإصلاحاً وتنويراً وثورة صناعية ومعلوماتية متزامنة.

لقد استغرق الغرب ستة قرون ليختبر ويستوعب كل هذه الأحداث الكبيرة ويختبر التغير الاجتماعي والاقتصادي والفطري المتمثل في كل منها. فقد غيرت النهضة تفكير الناس في العالم من حولهم، وغير الإصلاح طريقة تفكيرهم بشأن الدين والسلطة الدينية، كما غيّر التنوير طريقة نظرتهم إلى السلطة بشكل عام والتعليم والتفكير المستقل ودرجة تحديد الأفراد مسار حياتهم.

ويمكننا أن نرى هذه الدراما بطرق مختلفة ومتنوعة، وربما بصورة أكثر حدة في الثورة الديموغرافية التي حدثت في غالبية أنحاء العالم العربي، حيث لا يوجد الا في سلطنة عمان واليمن والأراضي الفلسطينية نوع من معدل ولادة يضاعف عدد السكان خلال جيل واحد. ويعتبر معدل الولادة في كل من تونس والجزائر والمغرب والإمارات والبحرين والكويت وتركيا وإيران أقل من المتوسط العالمي، أي 2.5 طفل لكل امرأة.

وبقيت نسبة الولادات في تونس دون المستوى العام طوال عقد من الزمن، أما معدل الخصوبة في مصر فوصل الآن إلى 2.8 وهو يتراجع، مع العلم ان هذا المعدل هو نصف ما كان عليه في سبعينات القرن الماضي (مع العلم أن إحدى نظريات علماء الاجتماع العرب تقول ان شعبية برامج أوبرا وينفري التلفزيونية الكبيرة، التي يمكن متابعتها عبر الأقمار الاصطناعية وتترجم إلى العربية، لعبت دوراً مهماً في زيادة ثوابت النقاش بشأن دور المرأة وحقوقها). لكن خوض هذه التحولات، التي تغير الحياة في الوقت نفسه الذي تغير فيه العولمة والتقدم الصناعي الحياة الاقتصادية وتجلب ثورة المعلومات تويتر وفيس بوك والإنترنت، لا يخلق مجرد تحديات دراماتيكية جديدة أمام الدولة البوليسية، بل يطرح صفوفاً اجتماعية جديدة ومصادر جديدة للثروة وسلطة بعيدة عن الدولة ونقاط ضعف اجتماعي جديدة تجد الأنظمة الاستبدادية صعوبة في إدارتها.

وقبل كل شيء، هذه التغييرات تنطبق على الشرطة والقوى الأمنية التي تعتمد عليها الأنظمة. وعادة لا يسقط الطغاة إلاّ عند فقدان عصبهم، أي عندما يشعرون بأنهم ما عادوا قادرين على التحكم بولاء عناصر الشرطة والجنود، وهذا هو سبب سقوط أنظمة ألمانيا الشرقية وتشيكيا وبولندا في الـ1989 وفشل الانقلاب المناهض (لرئيس الاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل) غورباتشيف عام 1991 في موسكو. يبدو ان شيئاً مماثلاً حصل في تونس حيث قرر الجيش انه لن يحافظ على حكومة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. ولابد ان بعض الحسابات من هذا النوع كانت تدور في ذهن كبار ضباط الشرطة والجيش في مصر خلال الأيام الماضية، فيما يطرح نظراءهم من المغرب حتى الخليج الآن على أنفسهم أسئلة مماثلة. وسيدور في عقولهم أيضاً سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة، بعد مرحلة ما بعد الركود والانتكاسات في العراق وأفغانستان لاتزال راغبة وقادرة على التأثير في أحداث الشرق الأوسط. وعلى رأس كل هذه الأمور تأتي مسألة الإسلام، التي تخضع حالياً لأشكال مختلفة من الجدل والحرب المدنية بين الأصوليين وطالبي الحداثة، وبين السنة والشيعة، وبين الصوفييين والوهابيين. هذه هي أوقات مثيرة وعصيبة لأنها مملوءة بالأمل والخطر، إذ يمتص مليار مسلم حول العالم هذه الصدمات التي رماهم بها التاريخ مرة واحدة.

طباعة