كشفت تفاصيل فساد النظام.. والتأييد الأميركي للتعذيب في تونس

ثورة الـ «ويكيليكس» مهّدت للإطاحة بنظـام بن علي

قدمت لقطات الفيديو الحية لمشاهد قمع الشرطة التونسية للمتظاهرين مساعدة كبيرة في تنظيم وتوجيه الحشود. أ.ف.ب

وصف خبراء في السياسة الخارجية الأميركية الأحداث الاخيرة في تونس، التي اطاحت بنظام زين العابدين بن علي بـ«ثورة الويكيليكس الأولى»، وقالوا إنها تظهر بقوة ما قدمته واشنطن على مضض من عون وخدمات للجهد الكبير والجريء الذي قام به مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانغ ورفاقه، الذين كشفوا عن آلاف الوثائق التي تفضح بشاعة «ممارسات الامبريالية الأميركية» وجرائمها وفساد الأنظمة الموالية لها في مختلف أنحاء العالم.

ومن بين ما كشفه هذا الموقع الالكتروني، مضمون 10 برقيات بعث بها السفير الأميركي في تونس روبرت غوديس، والتي دحضت في محتواها الأكذوبة التي تروج لها الحكومة الأميركية وآلتها الإعلامية باستمرار حول العالم، وهي أن الوثائق التي سربها لا تكشف عن «أي جديد ذي قيمة»، ولا تقدم أي فائدة انتقادية أو توجيهية للسياسة الخارجية الأميركية. غير أن تلك البرقيات تتضمن تفاصيل مهمة عن فساد النظام التونسي، وسياسة التأييد الصامت «الموافقة والغمز» الأميركية على عمليات التعذيب، التي تتم بشكل منهجي وعلى نطاق واسع في السجون التونسية، كما تكشف محتويات البرقيات عن زيف ما تدعيه واشنطن من التظاهر بدعم الديمقراطية وحقوق الانسان، والدفاع عنها في العالم.

ومن خلال محتوى سبع من هذه البرقيات، يمكن اجراء تقييم شامل لنظام بن علي وحالته الصحية كرئيس، وفساد أسرته وأسرة زوجته ليلى الطرابلسي، لاسيما 10 اشقاء للسيدة الأولى مع أبنائهم، والخيارات الأميركية الممكنة لتشكيل ملامح تونس ما بعد بن علي.

ومن بعض أبرز ما جاء في هذه البرقيات:

في 23 يونيو 2008: بعث السفير الأميركي في تونس إلى واشنطن ببرقية تحت عنوان «الفساد في تونس»، وتحدث فيها عن مبدأ «ما لديك هو لي»، الذي يعني اشتهاء أملاك الغير الذي تعتمده أسرة بن علي وزوجته وأصهاره، «كمنهاج عمل وحياة ثابت».

كما تضمنت تفاصيل ومعلومات كثيرة حول ممارساتهم وأفعالهم، وبكل بساطة ومباشرة فإن هؤلاء لابد أن يكونوا شركاء في أي مشروع تجاري أو نشاط اقتصادي تونسي سواء كان سيولة نقدية أو بنكا أو ممتلكات أو عقارات أو أراضي أو شركات أو خدمات. وتتحدث البرقية عن يخت فاخر كان يمتلكه لازارد فريري، واستولى عليه اثنان من أبناء عائلة الطرابلسي وأعيد طلاؤه.

في 17 يوليو 2009: حملت برقية السفير الأميركي الى واشنطن عنوان «تونس المضطربة»، ويتحدث فيها عن ما ينبغي على الأميركيين عمله، ويصف فيها النظام التونسي بالمتصلب والمستبد، في ظل غياب خليفة محتمل لابن علي، ويقول: «كثير من التونسيين يعانون الإحباط بسبب نقص الحريات السياسية، وغاضبون من فساد أفراد العائلة الأولى وممارساتهم وارتفاع معدلات البطالة وسياسات التمييز والظلم». ويضيف السفير: في عام 2009 وهو عام الانتخابات يبدو مؤكدا، بما لا يرقى اليه أدنى شك، أنه ستتم اعادة انتخاب بن علي بنسبة كبيرة من الأصوات من خلال انتخابات «ليست حرة ولا نزيهة ولا شفافة وغير عادلة، وتغيب عنها التعددية وتكافؤ الفرص».

في 27 يوليو 2009: برقية جديدة تسرد حكاية عن تلبية السفير الأميركي لدعوة خاصة على العشاء مع زوجته في منزل محمد صخر الماطري وزوجته نسرين ابنة الرئيس بن علي، ويسهب السفير في وصف حياة الترف والرخاء التي تعيشها هذه الأسرة في منزل واسع فخم تحيط به حديقة تزينها نافورة وفيها نمر داخل قفصه الخاص، ويصف الماطري بأنه «كثير المطالب، ومغرور، ومتغطرس، وصعب المراس، وسيئ الخلق».

ويقول إن «زوجته ساذجة وليس بيدها حل أو عقد أو قرار»، ويؤكد النمط المعيشي المترف للماطري وزوجته وسلوكهما صحة الأسباب التي تدفع كثيرا من التونسيين الى كراهية أسرة بن علي وأصهاره والنفور الشديد منهم.

ونشرت وسائل الإعلام الأميركية مضمون البرقيات الواردة من تونس، لكنها التزمت الصمت، وامتنعت عن نشر مضمون ثلاث منها كشف عنها «ويكيليكس»، وتوثق التعاون المباشر من إدارتي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والحالي باراك أوباما مع تونس في عمليات التعذيب.

في الثالث من مارس 2008: تتحدث برقية جديدة للسفير الأميركي بإسهاب عن نتائج زيارة رسمية قام بها إلى تونس مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد وولش ومحادثاته مع بن علي، حول التعاون في محاربة الارهاب وقضايا اقليمية اخرى، وقال فيها إن «بن علي تعهد بالتعاون المباشر والوثيق مع الولايات المتحدة، بلا قيود أو تحفظات». وكان لهذه اللغة آثارها المرعبة على ارض الواقع، وتمت ترجمتها عمليا بتوسيع نطاق عمليات التعذيب التي تمت بالتنسيق والتعاون بين محققين تونسيين وأميركيين.

في 18 يونيو 2009: يسرد السفير الأميركي في برقيته الجديدة تفاصيل نقاش له مع أحد مسؤولي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كانت تقيده اتفاقية سرية مع الحكومة التونسية، مقابل السماح له بزيارة السجناء التونسيين ونسب إليه القول «لا أرغب في أن أكون في مكان السفير وموقفه، حينما يتعلق الأمر بالتوصية بنقل السجناء التونسيين من غوانتانامو الى تونس».

في 23 يونيو 2009: يبعث السفير ببرقية جديدة بعد ذلك بخمسة أيام يقول فيها إن الحكومة التونسية تضغط على دول الاتحاد الأوروبي، للتخلي عن قبول أو تسلم المعتقلين التونسيين في غوانتانامو قبل التأكد من تسليمهم الى السلطات التونسية، وتضمنت البرقية تعليقات وملاحظات للسفيرين البريطاني والكندي عن عمليات تعذيب منتظمة للسجناء التونسيين.

ويوضح محتوى تلك البرقيات اسباب غضب الإدارة الأميركية من تسريبات الوثائق التي قام بها «ويكيليكس»، وما دفعها الى السعي لمحاكمة أسانغ، إضافة الى ما تركته تلك الوثائق من أضرار سياسية كبيرة على نظام بن علي وتقويض سمعته، وإضعافه الى حد دفع بالتونسيين للخروج في تظاهرات حاشدة في الشوارع وأدت الى الإطاحة به.

وبعيدا عن كشف أسرار للدبلوماسية الأميركية، فإن تلك الوثائق لا تمثل تهديدا مباشرا لمصالح الامبريالية الأميركية، كما تبين الأحداث في تونس أنه وتحت ضغط الظروف السياسية والاجتماعية وتفاقم الأزمات، وتصاعد التوترات لتدفع بالأوضاع الى حافة الانفجار، يمكن ان تلحق أضراراً كبيرة وخطيرة بالموقف الجيوستراتيجي للولايات المتحدة.

ومما لا شك فيه أن تقنيات «الإنترنت» ومواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا حيويا ليس في خلق المناخ السياسي، بل في حشد وتنظيم التحركات الشعبية الضخمة في تونس، فقد قدمت لقطات الفيديو الحية لمشاهد ضرب الشرطة التونسية وقمعها الوحشي للمتظاهرين مساعدة كبيرة لهم، من خلال انتشارها ووضعها على الشبكة العنكبوتية، واستفاد التونسيون من خدمات مواقع الـ«فيس بوك» و«تويتر»، وغيرهما في تنظيم وتوجيه الحشود الكبيرة من المتظاهرين وتحركاتها ضد النظام.

ويمكن التأكيد على أن الادارة الأميركية ستتصرف وتتحرك باتجاه تقييد دور «الإنترنت»، بعد أحداث تونس، وتزيد من تدخلها، وتشدد رقابتها، ما يزيد من الحاجة الى أولئك الذين يدافعون عن الحقوق الديمقراطية وحرية التعبير، ويعارضون جرائم الامبريالية، للتحرك للدفاع عن اسانغ وموقع ويكيليكس.

أميركا تتريث في استخلاصالعبر عقب أحداث تونس

قد تمد الاضطرابات السياسية في تونس واشنطن بذخيرة جديدة، لمطالبة الحكام العرب بتخفيف قبضتهم، لكن لم يتضح الى أي مدى ستصر على هذا المطلب، وما إذا كان هناك من سينصاع.

وقال مسؤولون أميركيون إنه من السابق لأوانه تحديد الدروس المستفادة من الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي فر من البلاد في 14 يناير الجاري، بعد تظاهرات في الشوارع، أججها قيام بائع فاكهة وخضراوات بإشعال النار في نفسه، احتجاجا على مصادرة الشرطة عربة اليد التي كان يبيع عليها بضاعته. وقاد احتمال ـ لم يتحقق بعد ـ بأن تمتد الاحتجاجات السياسية الواسعة في تونس لتشمل مناطق اخرى في الشرق الأوسط، لانخفاض العملات والأسهم والسندات في المنطقة.

وأكد مسؤولون أميركيون أن ادارة الرئيس الأميركي أوباما مازالت تراقب وتنتظر لمعرفة تطور الأحداث في تونس، وألمحوا إلى أنه ربما يكون من السابق لأوانه

استخلاص نتائج. وقال مسؤول «من قبيل العجلة استخلاص رسالة عامة من حالة تونس، باستثناء القول بأن ثمة قضايا وموضوعات تتردد أصداؤها في المنطقة بأسرها»، مشيرا إلى رغبة الشعوب في حق التظاهر والمشاركة السياسية والحياة الكريمة.

لكن مسؤولين أميركيين آخرين، قالوا إن الولايات المتحدة يمكن ان تستغل النموذج التونسي، لدعم مطالبتها الدول العربية بانفتاح أكبر لأنظمتها السياسية ومحاربة الفساد وإتاحة مزيد من الفرص الاقتصادية. وقال مسؤول ثانٍ «تمنحنا تونس مبررا (للمطالبة)، وتمنح النقاط التي نطرحها صدى أكبر».

وذكر المسؤول الأخير وآخرون، أنه من غير الواضح أن القادة العرب سيعتبرون الانتفاضة التونسية رسالة لتبني الحريات الديمقراطية، وهو ما تطالب به الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، على الرغم من استعدادها في الوقت نفسه للعمل مع أنظمة شمولية.

وقال مسؤول في الكونغرس «سيحاولون استغلالها (الانتفاضة التونسية) لكن لست أدري مدى قوة الضغط في هذا الشأن، إذ ينتابني شعور بأن الأنظمة في المنطقة ربما لن تستوعب الدرس بشأن حاجتها إلى انفتاح». وأضاف «ربما يستخلصون من هذا الدرس أنه تعوزهم مهارة أكبر في كيفية ممارسة سياساتهم الشمولية».

والخطر الأكبر الذي يشغل تفكير صناع السياسات في الولايات المتحدة، الذي نادرا ما يعبرون عنه في العلن هو أن يأتي مزيد من الديمقراطية في العالم العربي بحكومات إسلامية معادية للولايات المتحدة.

وأضاف المسؤول في الكونغرس «لايزال الخوف من النموذج الايراني كامناً، سيخفف من حدة رسالة الادارة نوعا ما، يريد الجميع رؤية مزيد من الانفتاح في هذه الدول، ولكن ليس هناك من يرغب في سيطرة اسلامية على السلطة». وفي قطر قبل يوم من فرار بن علي، قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، إنه ينبغي تغيير المؤسسات الفاسدة في المنطقة، وإعادة الحيوية للانظمة السياسية الجامدة، وإلا خاطرت بخسارة المستقبل لمصلحة اسلاميين متشددين. ودعت ادارة أوباما إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة في تونس، لكنها تجنبت اللهجة العنيفة التي استخدمتها كلينتون. واشنطن ــ رويترز

 

طباعة