تونس.. شرعيات متـآكلة وقوى محظورة تعـــــود

جميع القوى السياسية ستشارك في عملية التغيير السلمي والتحول الديمقراطي في تونس. إي.بي.أيه

بعد احتجاجات الشارع التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي، وأدت إلى هروبه مع اسرته وعدد من أقاربه وحاشيته تحت جنح الظلام، تقف تونس على اعتاب مرحلة جديدة من التغيير الذي طال انتظاره نحو 52 عاما.

«حاكمة قرطاج» كتاب عن دور الطرابلسي في تونس

ليلى الطرابلسي     أ.ف.ب

تحول كتاب «حاكمة قرطاج» للكاتبين نيكولا بو وكاترين جراسييه، إلى الكتاب المفضل عند كثيرين في العالم العربي، بعد أحداث تونس الأخيرة، ويركز الكتاب على الدور الذي لعبته ليلى الطرابلسى زوجة الرئيس التونسى زين العابدين بن علي في البلاد، وتدخلها، بحسب الكتاب، فى الشؤون العامة للبلاد، ومنها تعيينها أفرادا من عائلتها فى مناصب حساسة، فضلا عن استحواذ أسرتها على ثروات اقتصادية وامتيازات متعددة.

وأشار الكتاب ايضا إلى ما فعلته الطرابلسي في الحياة العامة في تونس، والفساد في معظم مؤسسات الدولة، خلال سنوات حكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، إذ أتاح لمجموعات وعائلات الصعود والسيطرة على ثروات البلاد.

وقالت الكاتبة كاترين جراسييه، في حديثها لقناة «الجزيرة» القطرية إن «وسائل الإعلام الغربية لم تكن تنشر حقائق حول موضوع النفوذ الكبير للعائلات المقربة من الرئيس بن علي، على الصعيدين السياسى والاقتصادى، ومن هنا جاءت فكرة الكتاب لكشف حقائق هذا النظام».

وأشارت جراسييه إلى صعوبة التواصل مع مصادرها، قائلة «لقد صدمنا بحجم الفساد الذى يقوم به نظام بن علي، وتأليف الكتاب تم بجهود تونسيين زودونا ـ رغم الإجراءات القمعية ـ بالمعطيات والبيانات».

وفسرت جراسييه الصمت الغربي تجاه تونس بأسباب ذاتية «من قبيل أن شخصيات فرنسية تقضي عطلتها في تونس». وكانت وثائق عرضها موقع ويكيليكس الشهير، شبه موضوع الفساد في تونس في محيط بن علي، بأنه «أقرب إلى المافيا».

وأوضحت هذه الوثائق أن «عائلة زوجة الرئيس تورطت في عمليات اعتداء على أملاك الآخرين، وحيازة شركات مشبوهة التمويل، بالإضافة إلى اغتصاب شركات من أصحابها». عواصم ــ وكالات


 الجــنرال عمار.. رجل قوي يقف خلف الأحداث

رشيد عمار .      أرشيفية

يؤكد معارضون وصحافيون في تونس، أن قائد الجيش البري التونسي الفريق أول رشيد عمار، هو الذي أسهم في عملية خروج الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي إلى خارج البلاد. وبالرغم من عدم المعرفة الدقيقة للدور الذي قام به الجيش التونسي في الثورة الشعبية التي حدثت في تونس، إلا أن المعلومة التي أكدتها وسائل إعلام محلية أن الجنرال القوي تعرض، يوم التاسع من يناير الجاري، لضغوط من الرئيس المخلوع. وقال رئيس تحرير صحيفة «الملاحظ» التونسية أبوبكر الصغير، إن بن علي خيّر رئيس هيئة أركان الجيش رشيد عمار، بين إطلاق الرصاص على المتظاهرين أو الإقالة فاختار الاستقالة.

وأثار موقف الفريق عمار غضب الرئيس بن علي، عندما اكتفت قوات الجيش بحراسة المقار الحكومية والأماكن المهمة وتجنب الاحتكاك مع المتظاهرين، الأمر الذي جعل بن علي يقيل عمار، ويعين بدلا منه ضابطا آخر. واعتبر الأهالي وأبناء الشعب التونسي أن موقف الفريق عمار يعني أن قرر الوقوف في صفهم.

وفيما ترددت أنباء متضاربة عن استقالة عمار، أكد ناشطون لقنوات فضائية، أن رشيد عمار لم يستقل، وأنه ظل محل احترام وقبول شعبي، لموقفه الرافض لإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وأنه جرى توافق بين المؤسسة العسكرية على بقائه، معتبراً أن من يمسك الآن بزمام الأمور، هو قائد الجيوش رشيد عمار.

إلا أن تصاعد وتيرة الأحداث لم تتح لوسائل الإعلام التأكد من حقيقة موقف الرجل القوي في الجيش التونسي، وما إذا كان الجيش قد قرر الوقوف موقف الحياد، وإن بدت لذلك شواهد، منها حماية بعض التشكيلات العسكرية للمتظاهرين في مدينة الرقاب في محافظة بوزيد، إذ أشهر بعض الجنود سلاحهم فى وجه قوات مكافحة الشغب التابعة للداخلية، التي حاولت إلقاء القبض على المتظاهرين.

يذكر أن الموقع الرسمى لقصر قرطاج على «الإنترنت»، كان قد أورد أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد كرم الفريق أول رشيد عمار قبل اندلاع الأحداث، ومنحه وساماً من الطبقة الأولى، وذلك في ذكرى الانطلاقة الـ20 لـ«ثورة التصحيح» التي قادها بن علي، وأزاح فيها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة من منصبه رئيساً للبلاد. إعداد: حسن عبده حسن

فقد واصل رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي مشاوراته، بعد تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة بقرار من الرئيس المؤقت للجمهورية فؤاد المبزع، مع الأحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني حول الإجراءات الواجب اتخاذها، لوضع أسس ديمقراطية وتشكيل حكومة وحدة وطنية في البلاد، تمهيدا لانتخابات رئاسية في غضون 60 يوما. غير أن محللين سياسيين يقولون إن الوطأة الثقيلة للممارسات الاستبدادية للنظام السابق، التي عاناها الشعب التونسي طويلا تجعل القوى والأحزاب السياسية ومنظمات وفعاليات المجتمع المدني تبدي قدرا كبيرا من التوجس، إزاء كل ما تم ويتم اتخاذه من إجراءات لإعادة الحياة الى طبيعتها، وترفض منح ثقتها بكلمة وبسهولة لأي مسؤول جديد. وكشفت الأحداث المتسارعة الأخيرة، التي أدت الى إسقاط النظام عن وجود عدد كبير من القوى والأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، على خريطة العمل الوطني التونسي، إذ يطمح كل منها إلى لعب دور في رسم الصورة المستقبلية المشرقة لتونس الديمقراطية الجديدة، ويمكن تصنيف أبرز هذه الأحزاب والقوى الموجودة على الساحة إلى أربع فئات، هي:

أحزاب برلمانية ومرخّصة

حزب التجمع الدستوري الديمقراطي: ويسيطر على جميع خطوط الحياة السياسية ومحركاتها في تونس منذ الاستقلال ،1956 حين كان يحمل اسم الحزب الاشتراكي الدستوري، وكان بقيادة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وتغير إلى اسمه الحالي في ،1988 وينتمي اليه ويقوده الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ويعود تأسيسه الى يونيو ،1920 على يد الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، تحت اسم الحزب الحر الدستوري التونسي، وفي عام 1934 وعلى أثر انشقاق في الحزب، اتخذ اسم الحزب الدستوري الجديد. وفي مؤتمر بنزرت المنعقد في أكتوبر ،1964 أصبح يسمى الحزب الاشتراكي الدستوري، قبل أن يتحول يوم 27 فبراير من 1988 إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، ويعتمد الحزب منذ عام 1964 الاشتراكية إيديولوجية له.

ويتولى محمد الغرياني منصب الأمين العام، ويقول حزب التجمع الدستوري الديمقراطي إنه يعمل للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للتونسيين، وعلى دعم الأبعاد: المغاربي والعربي والمتوسطي والإفريقي لتونس. ويعتقد مراقبون أنه رغم العمق التاريخي لهذا الحزب، إلا ان دوره قد انحسر كثيرا على ما يبدو في ظل تسارع الأحداث والتطورات الأخيرة التي أطاحت بزعيمه بن علي، الذي هز صورته وأساء إليها كثيرا بممارساته.

حركة الديمقراطيين الاشتراكيين: وهو من الأحزاب الموالية للحزب الحاكم وللنظام وأمينه العام إسماعيل بولحية وتوجهاته ديمقراطية واشتراكية.

حزب الوحدة الشعبية: بقيادة محمد بوشيحة، وهو من أحزاب الموالاة، وتوجهاته اشتراكية.

حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي: بزعامة أحمد إينوبلي، وتقوم فلسفته وتوجهاته على الأفكار القومية والعربية.

حركة التجديد: وأمينها العام أحمد إبراهيم، وهي ذات توجهات ديمقراطية وراديكالية في بعض أفكارها، يقول زعيمها أحمد إبراهيم إنه لا ظلم بعد اليوم، وإن القوى الوطنية التونسية حريصة على إنقاذ البلاد وتجنيبها كل مظاهر الخراب. وقال «يجب أن يبقى الوطن فوق كل اعتبار»، مشيرا الى وجود توافق إيجابي على اقتراح حركته في إنشاء هيئة عليا للاصلاح السياسي، والانطلاق في عملية التحول الديمقراطي بمشاركة شخصيات وطنية، تمثل الأحزاب المؤمنة بضرورة التغيير السلمي والديمقراطي

الحزب الاجتماعي التحرري: ويقوده منذر ثابت، ويقوم على فلسفة وأفكار ليبرالية، كالحرية والتعددية السياسية والحوار الوطني.

حزب الخضر للتقدم: وأمينه العام المنجي الخماسي، ويقوم برنامجه على كل ما ينتصر للبيئة ويحافظ عليها، ويدافع عنها من تشجيع للزراعة والغابات والتقليل من الصناعات التي تسبب انبعاث الغازات السامة وغيرها، والعمل على دعم كل البرامج التي تتصدى للاحتباس الحراري.

أحزاب غير برلمانية

الحزب الديمقراطي التقدمي: وهو صاحب المواقف المعارضة والتاريخية ضد بن علي، والذي تحدى سياساته وقراراته مرات عدة، ومن المنتظر أن يلعب دورا كبيرا في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وتقول أمينته العامة مي الجريبي، إن الحزب مستعد للدفاع عن المنشآت العامة. محذرة من خطورة الوضع الأمني الراهن الذي يسمح بوجود مجموعات موازية، من مصلحتها أن تستمر عمليات النهب والسلب وتفاقم الأوضاع الأمنية. وشددت على ضرورة المضي قدما في الإصلاح السياسي بإطلاق الحريات، وتوجيه رسالة قوية إلى الشعب التونسي، مفادها أن مسيرة الإصلاح قد انطلقت فعلا.

التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات: الذي يترأسه مصطفى بن جعفر، ولعب دورا مهما إلى جانب أحزاب المعارضة الأخرى، خلال الفترة الماضية، وهو من المطالبين بقوة بضمانات بعدم عودة الديكتاتورية وقمع الحريات، والضرب بيد من حديد على يد كل من يحاول إعادة عقارب الساعة الى الوراء، وقال بن جعفر، إن «الهم الوحيد للجميع اليوم هو إخراج البلاد من الأزمة الخطيرة التي تمر بها، ووضع القطار على سكة البناء الديمقراطي الجديد».

أحزاب غير مرخّصة

حركة النهضة الإسلامية: بقيادة راشد الغنوشي، الذي أكد أن حركته مستعدة للتعايش مع الأحزاب الأخرى، على أساس المشاركة والقبول بالتعددية السياسية والتسامح وتقبل الاختلاف في الحوار.

وقال إن اعتماد الحركة الفلسفة والمبادئ الاسلامية لا يعني التطرف في تطبيق الشريعة الاسلامية.

وأضاف الغنوشي، الذي يعيش في منفاه في لندن منذ سنوات طويلة، إنه سيعود إلى تونس في وقت قريب، وإن حركة النهضة ستبدأ مجددا إعادة بناء جسمها السياسي وهيكلة صفوفها، للمشاركة في العملية السياسية.

حزب العمال الشيوعي التونسي: وأمينه العام حما الهمامي.

حزب التحرير.

حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

حزب تونس الخضراء.

حزب العمل الوطني الديمقراطي.


 أحلام ومخاطر تطوف حول الديمقراطية التونسية

http://media.emaratalyoum.com/inline-images/343099.jpg

المخاوف حول الحلم الديمقراطي مازالت هاجساً في الشارع التونسي.

تفتح الاحتجاجات الشعبية في تونس ورحيل بن علي المفاجئ المجال أمام مرحلة فوضوية وغامضة، لكنها رغم ذلك تحمل في طياتها آمالا بمرحلة انتقالية سلسة نحو نظام ديمقراطي، كما يرى باحثون. وقال المحلل في معهد العلاقات الدولية الاستراتيجية كريم اميل بيتار «في هذه المرحلة هناك حماسة وقلق معا، إنها أول ثورة حقيقية في العالم العربي من دون تدخل خارجي». من جانبه يقول الباحث في مركز الدراسات الإفريقية بيار فرميرن إنها «صحفة بيضاء تفتح». ويرى أن امام الجيش الذي لم يتورط في قمع نظام زين العابدين بن علي، الذي كان يرتكز على الشرطة، دوراً أساسياً يلعبه على الفور، في استقرار الوضع.

وأوضح «قد نشاهد تصفية حسابات، وهناك أشخاص عديدون قد يفقدون مصالحهم، كل المتورطين في القمع ومفوضي الشرطة والقضاة الفاسدون».

ويرى كريم بيتار أن السؤال الأساسي، هو «هل سيستفيد من هذه الثورة صانعوها أم أنها ستصادر؟».

ويرى محللون ومعارضون أن بعض المقربين من بن علي، والذين مازالوا يمسكون ببعض مقاليد السلطة، قد يحاولون التشبث بالسلطة.

فإذا طبق الدستور قد تنظم انتخابات تشريعية في أقصر مهلة،أقصاها 60 يوما، الأمر الذي تراه المعارضة غير قابل للتحقيق، نظرا للوضع الحالي.

وأكد العضو في الحزب الديمقراطي التقدمي في فرنسا ياد دحماني، لـ«فرانس برس»، قائلا «نطالب بحكومة بإنقاذ وطني وتشكيل لجنة لمراجعة القوانين الانتخابية». واعتبر كريم بيتار أن اعضاء الحكومة «مقربون من بن علي، وسيحاولون التشبث بالسلطة، لكن سيصعب عليهم ذلك». وهو ما استبعده كثيرا بيار فرميرن، معتبرا ان «التجمع الدستوري الديمقراطي (حزب بن علي) فقد شرعيته». مؤكدا أن «نظام الحزب الواحد تقريبا هذا، قد ولى». وستحدد طبيعة الفترة الانتقالية، إن كانت منضبطة أو عنيفة، ايضا موقف المتظاهرين الذين يبدو حتى الساعة أنهم لا ينتمون الى حركة منظمة.

والسؤال المطروح، هو من يا ترى؟ ورجح الباحثون ان يلعب رئيس الوزراء محمد الغنوشي دورا انتقاليا حتى الانتخابات، لكن توليه الرئاسة لم يدم 24 ساعة، حتى اعلن المجلس الدستوري السبت رئيس البرلمان رئيسا للجمهورية مؤقتا بالوكالة. واعتبر كريم بيتار أنه «لا يمكن لأحد بمفرده ان يكون بديلا ذا صدقية، يجب ان يتم ذلك في إطار حكومة وحدة وطنية». ويرى الأستاذ المحاضر في جامعة باريس ،8 والمتخصص في الحركات الاجتماعية في المغرب العربي ديدييه لا ساوت: أن «الصعوبة في الواقع تكمن في أنه ليست هناك قوة سياسية معارضة جاهزة لتولي السلطة». من جهته، أعرب بيار فرميرن عن الأمل بأن تؤدي عملية الاقتراع «إلى انبثاق شخصيات جديدة، لأن قادة المعارضة في المنفى منهكون ومسنون».

ومن مزايا تونس أن لديها طبقة متوسطة متبلورة، تتمتع بدرجة جيدة من التأهيل والثقافة السياسية.

وقال فرميرن إن «المعارضة عانت كثيرا على قدر ما تتمتع بقناعات ديمقراطية، إن تونس بلد مثقفين (محامون وأطباء وجامعيون وصحافيون...)، هناك إجماع ديمقراطي».

وأكد ان هذا الإجماع يشمل ايضا الاسلاميين المعتدلين من حركة النهضة، الذين «يتمتعون بسمعة حسنة، فهم أقرب إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا». وأضاف أن «الإسلاميين عانوا كثيرا القمع وقد نضجوا». عواصم ــ أ.ف.ب


 بوعزيزي.. مفجّر الانتفاضة

لم يكن الشاب محمد بوعزيزي الذي يعمل بائعا متجولا يعرف أنه سيفجر ثورة تطيح نظام زين العابدين بن علي القوي، عندما احرق نفسه احتجاجا على الأوضاع المعيشية السيئة التي يحياها. ففي السابع عشر من ديسمبر الماضي، صادرت البلدية عربة الخضراوات التي يعتاش منها وهي كل ما يملك. وعندما ذهب الى البلدية ليشكو أمره ويحاول استردادها لأنها كانت كل ثروته في هذا العالم، صفعته إحدى الموظفات على وجهه، ما فاقم حالة الغضب التي يشعر بها، الناجمة أصلا عن ممارسات السلطة ضده وإصرارها على إذلاله ولم يكن البوعزيزي شخصا فريدا، وإنما كغيره من آلاف خريجي الجامعات المحرومين فرصة عمل، إنه واحد من 12٪ من العاطلين عن العمل في تونس، حسب الحكومة، و25٪ حسب جهات مستقلة. وحدث الأمر في ولاية سيدي بوزيد التونسية وسط البلاد 265 كيلومتراً عن العاصمة. ولكن هذا الشاب (26 عاما)، هو خريج جامعي قذفته الأقدار التعيسة في بلاده أن أصبح بائعا متجولا، لم يتحمل كل هذه الإهانات فأضرم النار في جسده وأحرق نفسه. وبعد أسبوعين لفظ الرجل أنفاسه الأخيرة، متأثرا بالحروق الكبيرة التي أصيب بها. وكان الرئيس التونسي السابق قد زاره في المستشفى ليطمئن عليه، ووقف بن علي امام البوعزيزي، ينظر إلى حزمة من الشاش والأربطة، وهي كل ما آل إليه جسم البوعزيزي، ويسال الأطباء عن حالته، وهو شبه غائب عن الوعي ووجهه مغطى بالضمادات. أما بوعزيزي فقد ظل صامتا طيلة الزيارة، سواء كان ذلك بإرادته أو بسبب ضعفه، وكأنه يريد أن يقول له: لن أسامحك على آلت إليه حياتي. ولم يشعل بوعزيزي النار في جسده فقط عندما أحرق نفسه، بل أطلق شرارة ثورة شعب بكاملة، إذ تحول إلى موجات متتالية وعفوية من التظاهرات الشعبية الضخمة غير المسبوقة. وما شجع على هذا الانفجار أن معظم المحتجين ليس لديهم ما يخسرونه في ظل أوضاع معيشية صعبة لا تحتمل. إعداد: حسن عبده حسن

 

السعودية ملجأ القادة المعزولين

بعد أن أطاح به شعبه، في احتجاجات دامية عقب 23 عاما من الحكم، لم يجد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي ملجأ له إلا في السعودية التي تعرف بتاريخها في إيواء القادة المعزولين. وقال مدير الأبحاث في مركز الخليج للأبحاث مصطفى العاني إنه «بقبولها استضافة بن علي أرادت السعودية نزع فتيل التوترات في الشارع التونسي». وأضاف أن ذلك بكل تأكيد «لم يأت من قبيل التعاطف» مع بن علي.

وصرح العاني بأنه كان امام السعوديين خياران «إما الإسهام في حل المشكلة بتوفير الملجأ لبن علي، أو السماح له بالبقاء في بلاده، إذ كان من الممكن ان تتدهور الأمور من سيئ الى أسوأ»، واضطر بن علي الى التوجه الى السعودية، المملكة الإسلامية المحافظة، بعد ان رفضت فرنسا حليفته المقربة استقباله.

وقال رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية رياض قهوجي «ربما يكون من سخرية القدر أن ينتهي الأمر بشخص حارب الحجاب باللجوء إلى دولة اسلامية». وأضاف «سيكون على زوجته من الآن فصاعد أن تعيش مرتدية الحجاب بموجب الشريعة في السعودية». وأوضح رئيس مجلس الخليج للأبحاث عبدالعزيز بن صقر، أن المملكة منحت عددا آخر من الزعماء اللجوء بالشروط نفسها، فالرئيس الأوغندي السابق عيدي امين، عاش في منفاه في السعودية لأكثر من عقدين حتى وفاته في عام ،2003 وبقي بعيدا عن السياسة والإعلام. كما منحت السعودية، التي يسمح قانونها باللجوء السياسي في الحالات التي ترى فيها مصلحة عامة، اللجوء لرئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف الذي أطاح به الرئيس السابق برويز مشرف ونفاه عام ،2000 إلى ان عاد الى باكستان عام .2007

وقال بن صقر إن المملكة «لم تسمح لشريف بالقيام بأي نشاط سياسي على أراضيها، وعندما قرر العودة الى السياسة، غادر السعودية». واتفق العاني وبن صقر على أنه من غير المرجح ان يبقى الرئيس المخلوع وعائلته في المملكة لفترة طويلة. وأضافا أن «أسلوب حياته لا ينسجم مع الحياة في المملكة». عواصم ــ رويترز

 

عرب يقارنون أوضاعهم بالحالة التونسية

جاء الصمت الذي التزم به الزعماء العرب تجاه الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي من السلطة معبراً للغاية. وقال الباحث في مؤسسة جانوسيان سيكيورتي الاستشارية هنري ويلكنسون، إن «الأمرالذي سيقلق حكومات كثيرة في المنطقة، هو أن الأزمة كانت عفوية ولم تكن منظمة، الأحداث في تونس اظهرت خطر تأثير الكبت إذا انتهج نظام القمعالعنيف دون معالجة أسباب السخط فيمكن أن يؤدي إلى شرخ في النظام الى انفجار». وفي مصر التي يحكمها الرئيس حسني مبارك منذ نحو 30 عاما، قالت وزارة الخارجية إنها تحترم خيارات الشعب التونسي «وتثق بحكمة الأخوة التونسيين على ضبط الوضع وتفادي سقوط تونس في الفوضى». وقال السودان إنه رحب بالتغيير السياسي في تونس، مستخدما لغة مماثلة بشأن احترام إرادة الشعب التونسي. وربما تكون إطاحة الجيش بالرئيس السوداني السابق جعفر نميري في عام ،1985 بعد موجة من الاحتجاجات الشعبية اقرب مثال في تاريخ العرب الحديث لإطاحة بن علي. وتولي الرئيس السوداني الحالي عمر البشير السلطة في انقلاب وقع عام .1989 وفي العراق تفادى المتحدث باسم الحكومة علي الدباغ التعليق على القلاقل في تونس. وقال ان هذه مسألة داخلية تخص الشعب التونسي والعراق لا يتدخل في شؤون الدول الأخرى، ويحترم خيار الشعوب في المنطقة. وربما يعكس تحفظ الزعماء العرب بشأن تونس تخوفهم مثلما قال المحلل كميل الطويل من أن ما حدث في تونس اثبت ان بإمكان الشعوب إسقاط نظام حكم في العالم العربي بالخروج الى الشوارع والتظاهر. وقال ريتشارد دالتون وهو سفير بريطاني سابق في ليبيا وإيران، إن«حكاما مستبدين آخرين لن يتورعوا عن قمع العنف الذي أظهره التونسيون». وأضاف ان البعض مثل الزعيم الليبي معمر القذافي «سيخلص الى أنه مازال على صواب في عدم تقديم شبر واحد، سواء للإسلاميين أو لمجرد الإصلاحيين، وإن أفضل ما يخدم بقاء النظام، هو مقاومة أي ضغوط غربية من اجل التغيير».

وقال المحلل جيوف بورتر، مشيرا إلى تحركات ليبيا والجزائر لخفض أسعار المواد الغذائية بالتخلي عن عائدات الضرائب، إن «تونس كانت ببساطة تملك أوراقاً أقل تلعب بها، هذا البلد لم يكن يملك الاستعانة بموارد الهيدروكروبون للقضاء على المشكلات». وحتى الدول ذات الموارد الضعيفة، مثل الأردن حاولت إحباط القلاقل، من خلالاتخاذ اجراءات مماثلة، يمكنها تحملها بصعوبة. بيروت ــ رويترز

طباعة