تسيطر على الآبار والينابيع عن طريق إقامة قواعد عسكرية ومستوطنات

إسرائيل تحرم الأغوار الفلسطينية من المــياه

الاحتلال يسرق مياه الفلسطينيين لمصلحة المستوطنات. الإمارات اليوم

تعاني منطقة الأغوار الفلسطينية الموجودة في مدن أريحا ونابلس وطوباس، أزمة مياه حادة، على الرغم من أنها تعد أحد أقطاب مثلث المياه في فلسطين، ويحتوي جوفها على واحد من أهم خزانات الضفة الغربية، إذ تسيطر إسرائيل على جميع مصادر المياه فيها، من آبار وينابيع، من خلال قواعد عسكرية ومستوطنات، فيما يمنع الاحتلال سكان الأغوار من حفر آبار مياه جديدة، ويحرمهم من استغلال ثرواتهم والحصول على حقوقهم المائية، بينما يضطر السكان لشراء المياه من شركة المياه الإسرائيلية «مكوروت»، وهذا يكلفهم مبالغ كبيرة، أو نقلها بوساطة صهاريج من مناطق بعيدة.

وقامت قوات الاحتلال قبل أيام عدة، بحسب المستشار القانوني في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، محمود المالح، بمنع فريق من المستثمرين الفلسطينيين كانوا يحاولون نقل مياه من منطقة «البقيعة» في الأغوار الشمالية لري المحاصيل الزراعية، وصادرت المعدات الخاصة بتركيب خطوط المياه على الرغم من أن البئر مرخصة والأرض تعود ملكيتها للفلسطينيين.

معاناة وحرمان

أغوار أريحا

لا تختلف صورة المعاناة في منطقة الأغوار في أريحا والقريبة من نهر الأردن، عن الأغوار في نابلس وطوباس، فقد عزل الاحتلال ودمر ما يقارب الـ162 مشروعاً للري، بحجج أمنية، وبالتالي حرم آلاف الفلسطينيين من مصدر عيشهم الوحيد المعتمد على الزراعة، ومنع تحديث وتطوير هذه الآبار في ما بعد.

وقال مدير عام التخطيط في محافظة أريحا والأغوار، خالد حمد، إن الاحتلال حرم الفلسطينيين من حصتهم في نهر الأردن البالغة نحو 250 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى الضخ الجائر من النهر لمصلحة المستوطنات، ومنع مياه الأودية في موسم الشتاء من الوصول إلى نهر الأردن، وبالتالي إلى البحر الميت، وحجزها في برك ضخمة بمحاذاة النهر، وأضاف أن قوات الاحتلال تقوم بحفر آبار ضخمة على بؤر الأحواض المائية، ما أدى إلى إحداث أضرار مباشرة وخطرة على كمية المياه المتدفقة من هذه الآبار، وبالتالي جفافها وتدمير آلاف الدونمات الزراعية التي كانت ترويها، وخصوصا في مناطق بردلة وعين البيضا والجفتلك والعوجا.

وأضاف، أن الاحتلال يغلق معظم المناطق ذات الكفاءة في تخزين المياه، بإدراجها ضمن مناطق عسكرية مغلقة، أو مخيمات طبيعية أو لحجج أمنية، أو لكونها قريبة من المستوطنات.

ولا تقتصر معاناة سكان الأغوار في أريحا، بحسب حمد، على حرمانهم من المياه، إذ تتسرب المياه العادمة من المستوطنات القائمة على أراضي الأغوار إلى أحواض المياه ومصادرها، وذلك كما حصل في تلوث مياه «عين واد القلط» في أريحا، وتلوث مياه «عرب الزبيدات» في قرية الزبيدات، بسبب انخفاض مستوى الحوض الجوفي.

من جهة أخرى، أشار معهد الدراسات التطبيقية في القدس(أريج) في دراسات أجراها، إلى وجود مصدرين أساسيين لمياه مدينة أريحا والأغوار، الأول مياه سطحية والآخر جوفية، وبحسب معهد أريج، فإن المستوطنات والمعسكرات الإسرائيلية في الأغوار تقام في مناطق تتوافر فيها مقومات الحياة وأهمها المياه، وقد تكون على آبار فلسطينية أو مجاورة لها.

https://media.emaratalyoum.com/inline-images/340996.jpg

قال المالح لـ«الإمارات اليوم»، إن إسـرائيل تمنع الفلسطينيين في الأغوار الشمالية من حفر أي بئر مهما كان عمقها، سواء ارتوازية أو سطحية، في منطقة يوجد فيها مخزون كبير من المياه، بينما يتم حفر آبار عميقة تخدم المستوطنين، كما عمدت إلى تخريب وتجفيف ما يقارب الـ10 آبار، وهذا تسبب في تحويل الأراضي الزراعية إلى صحراء قاحلة قلما نجد مناطق خضراء فيها.

وأضاف أن معظم السكان في هذه المناطق تعيش حياة تفتقر إلى مقومات الحياة وأهمها المياه، وهم يلجؤون إلى شراء المياه من الشركة الإسرائيلية، ليس لاستخدامها في الشرب، بل من أجل زراعة أرضهم «حتى يستمروا على قيد الحياة»، لأن الزراعة هي مصدر دخلهم الوحيد.

وأوضح أن الشركة الإسرائيلية تبيع السكان المياه بمبالغ كبيرة مقارنة مع الحياة القاسية والبدائية التي يعيشونها، إذ يبلغ ثمن الصهريج الواحد سعة ثلاثة أكواب 120 شيكلاً، (ما يقارب 30 دولاراً).

وبحسب المالح، فإن الاحتلال يقوم في أوقات كثيرة بملاحقة المواطنين الذين ينقلون المياه من أماكن نائية بوساطة الصهاريج، أو يشترونها من شركة المياه الإسرائيلية، وتصادر المياه منهم، ويفرض عليهم الحبس والغرامات.

وفي حادثة تدل على سوء الوضع الذي يمر به سكان الأغوار الشمالية جراء حرمانهم المياه، قال المالح «في منطقة وادي الحديدية، كان سكان المنطقة يضعون أواني لجمع قطرات المياه التي تتسرب من خطوط المياه الخارجة من البئر الموجدة في منطقتهم، التي سيطرت عليها إسرائيل لمصلحة المستوطنات، لكن الاحتلال قام بسد فتحات التهوية في خطوط المياه، حتى لا يتمكن السكان من جمع حتى القطرات القليلة منها لسد احتياجاتهم».

وأوضح أن الهدف من هذه الممارسات ليس السيطرة على المياه، بل هي سياسة نحو حرمان الناس من أي مقومات للحياة، وبالتالي إجبارهم على إخلاء أرضهم والرحيل منها، إذ اضطر عدد من سكان الأغوار إلى الانتقال إلى مناطق أخرى تتوافر فيها مصادر المياه بشكل أفضل.

وتبلغ مساحة الأغوار الشمالية 240 ألف دونم، أي ما يقارب 60٪ من مساحة محافظة طوباس.

سيطرة كاملة

من جهة أخرى، قال رئيس مجلس منطقة المالح، والمضارب في الأغوار الشمالية، عارف دراغمة لـ«الإمارات اليوم»، منذ أن احتلت إسرائيل المناطق الفلسطينية عام ،1967 وضعت نصب أعينها منطقة الأغوار، هذه المنطقة التي يقع تحتها حوض مائي كبير، فوضعت السياج الحدودي بعمق من ثلاثة إلى خمسة كيلومترات، ودمرت أكثر من 140 بئراً ومضخة مياه كان يستخدمها السكان لري أراضيهم.

وأضاف أن «الاحتلال سيطر على الآبار التي تعود ملكيتها للفلسطينيين، واعتبرها أملاك غائبين، وتحولت المياه لمصلحة المستوطنات، إذ يقدر استهلاك المستوطنين من المياه سنوياً بأكثر من 200 مليون متر مكعب من المياه، فيما يعطي الاحتلال الفلسطينيين المياه بالقطارة بنسبة لا تتجاوز 10٪ من مياههم».

وأوضح دراغمة أن سيطرة الاحتلال على مصادر المياه، دفعت المستوطنين للاستيلاء على آلاف الدونمات من الأغوار الشمالية وزراعتها بالأشجار المختلفة، بسبب توافر كميات من المياه لهم على حساب أصحاب الأرض والمياه.

كما قام الاحتلال بتجفيف مياه الينابيع الموجودة بالأغوار من خلال حفر آبار بأعماق كبيرة، ما أدى إلى تشتيت المياه، وأصبح أغلبها جافاً، وقدر عددها بأكثر من 20 نبعاً، بحسب دراغمة.

تدمير منظم

كانت مياه «خربة الفارسية» في منطقة وادي المالح تنساب بغزارة، وتغطي الأراضي الأكبر مساحة في منطقة المالح، لكنها اليوم أصبحت جافة بسبب تدمير آبارها وينابيعها، إذ صادر الاحتلال معظم أراضيها، وأقام المستوطنات على جزء منها، وأهم هذه المستوطنات مستوطنة «روتم»، التي سيطر مستعمروها على ارض السكان بالقوة.

وقال دراغمة إن الاحتلال يعتدي في هذه الفترة على خطوط المياه في منطقة الفارسية، كما يعاني السكان الذين يسكنون في بيوت «من الخيش والشعر والزينكو، شح المياه».

وشهدت قرية بردلة في الأغوار الشمالية تجفيف آبارها وينابيعها، إذ قامت شركة «مكوروت» بحفر بئرين ضخمتين تضخان نحو 1500 متر مكعب في الساعة، ما أدى إلى جفاف نحو 12 بئراً، و22 نبعاً فلسطينياً، في المنطقة، إذ كانت تلك الآبار والينابيع تروي الفلسطينيين بما يزيد على ستة ملايين متر مكعب سنويا

طباعة