إسرائيل دولة عالم ثالث أكثر منها ديمقراطية

أظهرت مجريات محاكمة الرئيس الاسرائيلي السابق موشيه كاتساف وادانته بارتكاب جرائم الاغتصاب، أن اسرائيل اقرب ما تكون الى دولة من العالم الثالث وليست من الدول الديمقراطية، وأن ادانة كاتساف لا تعفي الديمقراطية الاسرائيلية من عيوبها وأخطائها.

يمكن لكل اسرائيلي ان يقول: إن هذا اليوم عيد ويوم مشهود للديمقراطية، وحان وقت السمو الروحي والارتقاء الاخلاقي، كما قال المدعي العام، على الرغم من الحزن والاسى لما حل برئيس اسرائيلي سابق.

ويمكن تلخيص الأمر: في ان مجرماً ومغتصباً وكاذباً جديداً تم تقديمه للمحاكمة بغض النظر عن كونه رئيساً أو حتى عاملاً اجنبياً، ولكن حينما تتم محاكمة رئيس فإن ذلك يوم مشهود وخالد للديمقراطية. وهنا تكمن السخرية، فقد قيل الكثير وسيُقال عن قرار الادانة وعن القضاء بشكل عام، وعن رفض الطعن والاستئناف، ورفض المساومة والصفقات، وعن الدور الرئيس الذي لعبه الاعلام في تمهيد الطريق امام صدور قرار الادانة. ولكن بالنسبة لي، فإن قرار المحكمة انتصار حقيقي للديمقراطية ويثير سؤالاً وهو: ماذا كان سيحدث لو أن المحكمة قبلت رواية كاتساف للأحداث وأخذت بها؟ فهل كان قرارها في ضوء ذلك سيبقى انتصاراً فعلياً للديمقراطية؟ هذا أمر موضع شكك كبير، فالابتهاج والتصفيق ليس لحقيقة المحاكمة في حد ذاتها، وإنما هو اكثر لمصلحة موقف الرأي العام الذي انعكس واضحاً على قرار الحكم. والأهم من هذا هو الاقتناع العام بالقرار في ضوء الشكوك القوية من عامة الاسرائيليين في قدرة محكمة ما وجرأتها على ادانة رئيس الدولة، فمازالت النظرة العامة للمحاكم هي انها تابعة للنخبة التي تعمل على حماية ذويها واصدقائها، وبالتالي فإن الصدمة تكون كبيرة وصاعقة، اذا ما صدر قرار بتجريم الرئيس وادانته.

ويبدو أن المشهد لا يجسد ديمقراطية حقيقية، وإنما يبدو كأنه القضاء في احدى دول العالم الثالث، فهو يجعلنا نستعيد الحيرة والاعجاب الى حد الدهشة، التي تماثل الدهشة الناجمة عن ادانة محكمة في بوليفيا لاحد تجار المخدرات، لأنه في الدول الديمقراطية والمتقدمة ليست هناك دهشة او صدمة من قرار اي محكمة تتوصل الى ان رئيس الدولة مذنب ومجرم، وفي تلك الدول فإن الرؤساء والقادة الذين تحوم حولهم الشكوك والشبهات بشأن ارتكابهم جرائم غالباً من يقدمون استقالاتهم قبل ادانتهم، لأن بقاءهم واستمرارهم في مناصبهم يسبب اذى وازعاجاً قويين للشعب. والمساواة امام القانون قيمة ونمط سلوكي معروفان وشائعان في الدول الديمقراطية، ولا يجب ان تنجم عنهما دهشة او صدمة، وما كان يجب على المدعي العام للمحكمة ان ينوه بقرار الادانة على أنه انتصار للديمقراطية، ولكنه كان يدرك جيداً على ما يبدو ماهية وطبيعة الدولة التي يعيش فيها.

ولا يقاس مبدأ المساواة امام القانون فقط برغبة المحكمة في محاكمة اي شخص يتم تقديمه اليها، غنياً كان او فقيراً ذكراً او انثى، مواطناً او اجنبياً، وإنما بكل المعايير التي تصب في معنى، ان هناك قانوناً واحداً يسري على الجميع، وأنه لو ميز القانون بين مواطن وآخر، فإن هذا التمييز يجب ولابد ان يكون للافضل، ومن اجل المصلحة العامة لخدمة حقوق الضعفاء الذين يعانون المرض او الاعاقة أو الفقر.

ولاتزال قوانين اسرائيل، ولا سيما تلك المناهضة للتمييز بعيدة عن ترجمة مبدأ المساواة بين الجميع امام القانون، وبالتالي فإن ادانة كاتساف لن تساعد على ترسيخ ثقافة المساواة وتعزيزها. وثمة مبدأ آخر حققه قرار المحكمة، وهو أن النساء ستعرف من الآن فصاعداً انه اصبح يمكن لأي منهن ان تتقدم ببلاغ، او شكوى بتعرضها للتحرش أو الابتزاز الجنسي من زملائها، أو رئيسها في العمل أو أي شخص مسؤول في منصب رفيع او موقع نفوذ وتأثير. وفي اسرائيل تتعرض 18 امرأة للاغتصاب من بين كل 100 الف، لكن الوضع في النرويج وايسلندا وبريطانيا والولايات المتحدة أسوأ بكثير، لكن هذه الدول اكثر ديمقراطية من اسرائيل، لماذا؟ لأن وضع المرأة فيها لا يقاس بعدد حالات الاغتصاب او حالات الادانة، وإنما بمعدل دخل المرأة وفرصها في العمل والترقيات والحصول على الزيادات في الرواتب والحوافز، والقوانين التي توفر ظروف المساواة والعدالة بين الرجال والنساء.

ويمكن لأي مسؤول اسرائيلي ولأسباب امنية أو سياسية ان يقدم طلب محاكمة او اتهام ضد اي عربي سجين، أو غير سجين مع حرمانه من الاستعانة بمحامٍ، بهدف منعه من العيش في أحياء وتجمعات يهودية. وما زال في امكان اي اسرائيلي رفع قضية لحرمان موظفة اسرائيلية من حقها في المساواة في المرتبات والحوافز أسوة بزميلها الاسرائيلي، هل هذا غير ديمقراطي؟ حسناً، ولكن لدينا تلك الشهادة بأن اسرائيل من الدول الديمقراطية «ألم تسمعوا عن ذلك المغتصب الذي تمت ادانته؟».

زفي باريل * كاتب ومحلل سياسي إسرائيلي

طباعة