تقسيم السودان يمهّد لـ «بلقان» إفريقي

تداعيات استفتاء الجنوب تتخطى السودان لتزيد من احتمالات تقسيم بلدان إفريقية. رويترز

إن تداعيات الاستفتاء الذي يبدأ اليوم في جنوب السودان، يتخطى حدود هذا البلد، ليزيد من احتمالات تقسيم عدد من البلدان الإفريقية، وإذا انفصل الجنوب السوداني فما المانع من أن يتم فصل جنوب نيجيريا أو شمال ساحل العاج، وإنشاء دويلات داخل الكونغو؟

وتساور بعض المراقبين مخاوف من أن نشهد سيناريو تقسيم جديد مثل ما حدث في البلقان، ويقول رئيس التجمع من أجل حقوق الإنسان في نيجيريا، شيهو ساني، «يمكن أن يكون لاستفتاء السودان مفعول الدومينو، إذ إنه من المرجح أن تصيب عدوى الانقسام مناطق أخرى في إفريقيا، حيث إن معظم الدول، خصوصاً الواقعة غرب القارة، يتقاسمها المسلمون والمسيحيون».

وعلى الرغم من أن الحدود التي رسمتها بين البلدان الإفريقية القوى الاستعمارية، لم تبنَ على أسس منطقية، إلا أنه بعد استقلال تلك الدول قبل نحو 50 عاماً، اعتبرت منظمة الوحدة الإفريقية تلك الحدود «غير قابلة للتغيير».

وقد انفصلت ارتيريا عن اثيوبيا في ،1993 بعد نحو 30 سنة من الحرب، مع أنهما كانتا تشكلان كيانين منفصلين خلال فترة الاستعمار، وبالتأكيد سيشكل تقسيم السودان، أكبر دولة في القارة السمراء، تحدياً غير مسبوق للموروث الاستعماري. ويمكن أن نلاحظ ذلك في النزاع بين المسلمين شمال نيجيريا والمسيحيين في الجنوب الغني بالنفط، وفي ذلك يقول ساني، «ما يحدث في السودان يثير مخاوف كثيرة، خصوصاً في نيجيريا، البلد الذي أنشأه الاستعمار».

ويضيف أن «السودان سيصبح الآن مرجعاً للانفصال والانقسام في إفريقيا، وسيدعم قضايا الشعوب التي ترى أنها لا تستطيع العيش معاً، مفضلة الانفصال».

ويؤكد ساني أن تقسيم السودان سيشجع الانفصاليين في نيجيريا للمطالبة بالاستقلال.

وفي ساحل العاج، حيث يرفض الرئيس المنهزم لوران غباغبو التنحي، تجددت المخاوف بعودة شبح الحرب الأهلية، بين المسلمين في الشمال والمسيحيين جنوباً، ويرى البعض أن الانفصال النهائي يمثل حلاً دائماً للنزاع الداخلي، إلا أن الانقسامات في ساحل العاج أعقد من أن تكون مقتصرة على الاختلاف الديني، والأمر ينطبق على السودان ونيجيريا، التي يوجد فيها أكثر من 250 مجموعة عرقية، ويستخدم الساسة في تلك البلدان النزعات القبلية والاختلاف الثقافي واللغوي ووسائل أخرى لتأجيج الصراعات وزيادة التوتر بين أبناء البلد الواحد.

أمام هذه الاختلافات يمكن أن يكون مفهوم «الدولة الوطن» مركز الثقل الذي تنصهر فيه الهوية المحلية، أما فيما إذا اختار الجنوبيون في السودان الاستقلال، الأمر الذي يرجحه الكثير، فإن مناطق عديدة في القارة السمراء ستبدأ في طرح الانفصال على طاولة المفاوضات.

ففي القرن الإفريقي، تسعى «أرض الصومال» إلى نيل الاعتراف الدولي بانفصالها عن الصومال، وفي أنغولا يطالب متمردو كابينغا بالاستقلال عن كمبالا، وعلى الساحل الغربي، يرفض المغرب إجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية.

ومن جانب آخر، يرى رئيس مؤسسة «برنثيرست» للدراسات، غريغ ميلز، ان مسألة الحدود وغياب الحوار بشأن ترسيمها عززا سوء إدارة الأمور في إفريقيا، ويقول الباحث الذي ألّف كتاباً بعنوان «لماذا تقبع إفريقيا في الفقر؟»، أن «هذا يعني أنه لا تتوافر لدى الأفارقة وسيلة أخرى للمقاومة سوى التمرد المسلح، يفتح السودان الباب أمام بعض الدول في القارة، ولكن ليس كلها». توجد في إفريقيا تشكيلة من الدول الفتية، يتحلى سكانها بالوطنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بكرة القدم، ويقول مؤسس أكاديمية القيادة الإفريقية، فريد سوانيكا، «لا أعتقد أن الاستفتاء في السودان صندوق باندورا (صندوق يحتوي أشرار البشر، حسب الأسطورة الإغريقية)، على الرغم من أن الحدود في القارة لم ترسم بشكل منطقي، أعتقد أنه بعد 50 عاماً، قبلت شعوب أغلب البلدان بالعيش معاً»، مضيفاً، «في المقابل، هناك حاجة ملحة لإزالة تلك الحدود وإنشاء تجمعات جهوية لبلوغ مستويات اقتصادية يمكنها منافسة الصين والبرازيل والهند».

طباعة