الكاتب البريطاني روبرت فيسك:

العدل وحده يجلب السلام إلى الشرق الأوســــــط

روبرت فيسك. أرشيفية

كانت السرعة التي وقعت بها مجزرة كنيسة «سيدة النجاة» في بغداد من قبل تنظيم «القاعدة» قد أثارت الفزع في قلوب القاطنين في الشرق الأوسط، حيث كانت إشارة إلى مدى هشاشة الأرض التي يقفون عليها. وبخلاف محطات التلفزة الاخبارية الغربية، كشفت محطتا «الجزيرة» و«العربية» عن مدى الرعب الذي سببته هذه المجزرة، إذ إن الاذرع والسيقان المقطعة، وأشلاء الاجساد من دون رؤوس المتناثرة في كل مكان، لا تترك مجالاً للشك في مغزى هذه الرسالة، وأدرك كل مسيحي في المنطقة ما يعنيه هذا الهجوم. وفي الواقع، وبالنظر الى الطبيعة الطائفية للهجمات على شيعة العراق، بدأت أتساءل عما إذا كانت «القاعدة» نفسها، وبعيداً عن كونها مركز الارهاب في العالم، كما نتخيل نحن الغربيين، هي واحدة من المنظمات الاكثر طائفية، التي تم ابتكارها. وليس هناك، حسبما اعتقد، قاعدة واحدة وإنما قواعد عدة، تتغذى جميعها على الظلم الموجود في المنطقة، وهي عملية ضخ للدماء يعتاش منها الغرب (وأنا اضيف هنا إسرائيل أيضاً).

وفي حقيقة الامر، أتساءل عما إذا كانت حكوماتنا لا تحتاج إلى هذا الإرهاب كي تجعلنا نشعر بالرعب، والفزع الشديد، وكي نصبح مطيعين، ولكي تجلب المزيد من الامن لحياتنا القصيرة. وأتساءل ايضا عما إذا كانت تلك الحكومات ذاتها ستستيقظ على الحقيقة التي مفادها أن ما اقترفته ايدينا في الشرق الاوسط، هو ذاته الذي يعرّض امننا للخطر. ولكن توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني السابق)، كان ينكر ذلك دائماً، وحتى بعد تفجيرات السابع من يوليو الماضي في لندن، فإنه تحدث بحذر شديد عن أن الحرب في العراق من احد الاسباب التي ادت الى هذا التفجير. وجورج بوش (الرئيس الأميركي السابق) ينكر دائماً، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ينكر ايضاً، حتى تنفذ القاعدة تهديداتها الاخيرة بتوجيه هجماتها إلى فرنسا.

بات الآن جميع المسيحيين في الشرق الاوسط اهدافاً للقاعدة، حيث تتناثر هذه التهديدات مثل قنبلة عنقودية في المنطقة. وهناك نحو مليوني قبطي مصري توجب تأمين الحماية لهم خلال مهرجانهم الديني في مدينة الاقصر أخيراً، حيث انتشر المئات من رجال الامن الحكوميين حولهم، بعد أن هددت القاعدة بان هناك امرأتين مسلمتين محتجزتين رغم ارادتيهما في كنيسة قبطية. أما من يبرر ذلك برفض الكنسية رغبة المرأتين الطلاق من زوجيهما، فإنه واهم.

وانتشر هذا الوباء الى لبنان، بعد أن اشتد التوتر الطائفي، اثر مطالبة «حزب الله» برفض اتهام المحكمة الدولية له بمقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. ووقع حادث أخيراً كان يمكن ان يمر مرور الكرام، لولا انه اعتقد ان المسؤول عنه شخص مسلم، ففي منطقة الجية جنوب بيروت اقتحم احدهم كنيسة واخرج جثة من المدفن، وتركها محطمة الجمجمة، واتضح انها المرة الثالثة التي يحدث فيها مثل هذا العمل في البلدة خلال 10 سنوات.

وقال الاب سليم نمور من كنيسة القديس شربل، إن بلدته كانت مثلا يحتذى في التعايش. وقال كلمات يمكن أن تقال في صلاة المسجد أو في الكنيسة في جميع انحاء الشرق الاوسط. واضاف «لا يمكن ان نفكر بهذه الطريقة، فنحن ندفن اموات المسلمين وهم يدفنون امواتنا».

من جهته قال نائب رئيس المجلس الشيعي الاعلى الشيخ عبدالامير قبلان، إن هذا التصرف يعتبر «همجية» وعملاً «ليس له علاقة بأي دين أو إنسان، ولا يمكن قبوله منطقياً»، وكان الاساقفة المارونيون قد استنكروا التفجير الذي وقع في بغداد، واعتبروه «عملاً اجرامياً بلا طائل».

ويقف العالم الغربي عاجزاً عن تقديم المساعدة لهؤلاء المسيحيين. وكانت تصرفات السياسيين النابعة من اعتقاد ديني، وبالطبع الدين المسيحي، قد سببت كارثة جديدة للمسيحيين في الشرق الاوسط.

وفي حقيقة الامر، لا يمكن لاي شخص راجح العقل الاعتقاد أن القاعدة يمكن ان تبدد كل طاقاتها من اجل حادث في لبنان، وإن كان مثيراً للاضطراب. ولكن القاعدة موجودة في لبنان، وكان الرئيس السوري بشار الاسد قد تحدث عن هذا الامر.

وفي الواقع ان من المثير للاهتمام ان نسمع ما قاله الرئيس بشار الاسد عن هذا الموضوع في الاسبوع الماضي، في مقابلة مع صحيفة الحياة، عندما قال «نتحدث عن القاعدة وكأنها موجودة كمنظمة موحدة وجيدة التركيب. ولكن هذا يجانب الصواب، لأنها تعمل استناداً على افكار تقول عن نفسها بانها القاعدة. وهذه المنظمة تأتي نتيجة (وضع معين) وليس لقضية. وهي تأتي نتيجة الفوضى، والتنمية الضعيفة، ونتيجة الاخطاء السياسية ونوع من توجه سياسي معين».

وهنا لابد من تأكيد أن الانظمة العربية الدكتاتورية تسهم في ايجاد هذه الظروف السابقة، ولسوء الطالع فان مصلحة هذه الانظمة التقت مع تلك الخاصة بالعالم الغربي. وتبذل هذه الانظمة ما بوسعها لمنع قيام ثورة إسلامية في أي بلد عربي، وكذلك الغرب فانه يبذل الجهد ذاته لمنع حدوث مثل هذه الثورة. والمشكلة هنا ان القاعدة تحاول تقويض هذه الانظمة، والعالم الغربي من خلفها، ولذلك فانهم يضربون العراق اضافة الى المسيحيين الموجودين فيه، والشيعة.

ونواصل شن الهجمات بالطائرات بلا طيار على باكستان ونقتل الابرياء هناك وفي افغانستان، ونقيم التحالف مع الانظمة القمعية، ونسمح لإسرائيل بسرقة المزيد من الاراضي الفلسطينية. وأخشى ان تكرر القصة القديمة نفسها، لان العدل سيجلب السلام، وليس حرب المخابرات ضد «الارهاب العالمي». ولكن قادتنا سيواصلون انكارهم لذلك.

تويتر