وسائل لزيادة أو خفض معدّلات الخـصوبة في العالم

سياسة الطفل الواحد منعت الصين من زيادة كبيرة في عدد السكان.  أرشيفية

يعاني الكثير من دول العالم انخفاضاً مريعاً في مستويات الخصوبة، وبالتالي تدنّياً ملحوظاً في أعداد المواليد، ولهذا السبب ابتكر الكثير منها وسائل مختلفة لزيادة أعداد المواليد، بينما لجأ البعض الاخر الذي يعاني من زيادات مطّردة إلى سَنّ قوانين للحد من الزيادة السكانية. وقد تبنت كل من كوريا الجنوبية واليابان، أساليب تشجيعية لزيادة السكان، بينما اتبعت الصين أساليب ترهيبية للحد من الزيادة السكانية.

التجربة الكورية الجنوبية
أصدرت وزارة الصحة في كوريا الجنوبية تعليمات لموظفيها في الـ20 من الشهر الماضي، بإطفاء الانوار عند الساعة السابعة مساء في مبنى الوزارة والذهاب الى منازلهم «والعمل مع زوجاتهم من اجل مزيد من المواليد». وتأتي هذه التعليمات على خلفية معدلات المواليد المتدهورة في البلاد التي تعتبر الادنى من بين دول العالم قاطبة، وسيتم تطبيق هذه التجربة كل شهر. وتأتي هذه التعليمات على اثر عدم اهتمام العاملين ولسنوات عدة بنداءات الحكومة المتكررة لهم بترك العمل في وقت مبكر والذهاب الى المنزل لهذا الغرض.

وتقول وزيرة الصحة، جيون جاي هي، إن «كوريا قد تخسر المنافسة العالمية في مجال الاقتصاد بسبب ندرة الايدي العاملة، حيث إن هذا الامر يعتبر من ألحّ وأهم القضايا التي تواجهها البلاد». وتعتقد الصحافة ان الموضوع يعتبر محرجاً بالنسبة للوزيرة، حيث إن معدل مواليد موظفيها (1.16) يقل عن متوسط مواليد الموظفين العاملين في وزارات أخرى (1.82).

وتولي حكومة كوريا الجنوبية زيادة معدلات المواليد اهمية قصوى وتجعلها من ضمن اهم اولوياتها، ولهذا تشجع موظفيها على إنجاب الاطفال، وتأمل أن تحذو حذوها القطاعات الاخرى. وتجزل الحكومة العطاء لموظفيها الذين يتمكنون من انجاب أكثر من طفل واحد، وفي الوقت ذاته تأمل وزارة الصحة تدعيم أواصر الحب بين موظفيها وتشجع على التجمعات الاجتماعية.

التجربة اليابانية
أذِنت إحدى المجموعات المصرفية في اليابان لموظفيها الخروج قبل ساعتين من انتهاء الدوام الرسمي «للحاق بزوجاتهم في المنزل من أجل زيادة عدد المواليد»، وفقاً للرسالة التي ارسلتها الشركة الى عامليها في بريدهم الالكتروني، كما حصل أيضاً العاملون في شركة ميتسوبيشي على إذن بالخروج المبكر من الدوام للغرض نفسه عند الساعة الخامسة مساء بدلاً من السابعة، حسب التوقيت المحلي.

وتقول إحدى النساء اللاتي يعملن في القسم التجاري للمجموعة المصرفية، إن المجموعة تشجع دائماً موظفيها على القيام بأمور اخرى، «لكنها المرة الاولى التي تشجع فيها الموظفين على العمل على إنجاب المزيد من المواليد». وفي الوقت ذاته اجبرت مدينة اوتا موظفيها الذكور الذين لم يأخذوا إجازة أبوة في حياتهم، على اخذ 40 يوماً في العام الاول لاطفالهم الوليدين.

وتعاني اليابان هبوطاً حاداً في عدد المواليد وتدنياً في معدلات الخصوبة، ويغلب على سكانها كبار السن الذين تزيد اعمارهم على 65 عاماً.

وقد سعت الحكومة اليابانية ، جاهدة الى إنهاء «جفاف المواليد» الذي ضرب البلاد، حيث اقترحت «بدل مواليد» شهرياً يبلغ 26 ألف ين (260 دولار)، وعينت ميزوهو فوكوشيما، احدى اشهر المدافعات عن حقوق المرأة، وزيرة دولة مسؤولة عن ازمة تراجع معدلات المواليد في البلاد. وتريد فوكوشيما مزيداً من التمويل بشأن رعاية الطفل ومعالجة الخصوبة لدى النساء، وتشريعاً يحمي النساء الحوامل من التفرقة في العمل.

من جهة أخرى، تجد الحكومة صعوبة كبيرة في اقناع المرأة بإنجاب المزيد من الاطفال، فكلما زاد تعليم المرأة كلما تأخر زواجها وقلّ بالتالي إنجابها للاطفال، حيث إن اكثر من 30٪ من النساء اللاتي تزيد اعمارهن على 30 عاما يعشن من دون زواج، فالبعض منهن لا يجد زوجاً مناسباً والبعض الاخر لا يجد جاذبية في العيش ربّات منازل يربّين الاطفال مع أزواج نذروا حياتهم للمؤسسات.

وتواجه اليابان البالغ عدد سكانها 127.6 مليون نسمة، عقبات مستقبلية خطيرة، حيث إنه من المتوقع ان يشكل الذين تزيد اعمارهم على 65 عاماً اكثر من ربع السكان بحلول عام .2015 ومن المتوقع ايضاً ان ينحسر عدد السكان بما يصل الى الثلث خلال 50 عاماً اذا استمر الحال على ما هو عليه في المستقبل.

وتظل خصوبة النساء في اليابان من بين اقل معدلات الخصوبة في العالم المتقدم مقارنة بالولايات المتحدة (2.12) وبريطانيا (1.84). ويهدد انخفاض معدل المواليد، الاقتصاد بالانكماش بسبب انحسار أعداد القوى العاملة، التي ستؤثر بالتالي في اجمالي الناتج المحلي وتجعل القليل من العمال يدعمون أعداداً متزايدة من أرباب المعاشات.

سيطرة صينية
تقول التقارير الرسمية إن سياسة «الطفل الواحد» في الصين منعت البلاد من زيادة مقدارها 400 مليون نسمة منذ ان فرضتها السلطات عام 1978 ،واستطاعت الصين السيطرة على زيادة المواليد مستخدمة في ذلك الاغراء والترهيب والترغيب، فهل استطاعت تلك السياسة انجاز اهدافها؟

يرى فريق من الاكاديميين الصينيين المستقلين والاجانب ان الصين استطاعت من خلال هذه السياسة خفض نمو سكانها المتسارع، إلا ان قائد الفريق، وانغ فينغ الاستاذ في جامعة ايرفين، يعتقد بأن هذا الخفض يعود بشكل اساسي الى تدني معدلات الخصوبة في سبعينات القرن الماضي أكثر من كونه راجعاً لمبادرات حديثة في هذا الشأن. ففي سبعينات القرن الماضي بدأت الحكومة الصينية تشجيع الزواج المتأخر والفترات الطويلة بين كل ولادة واخرى.

وتواجه الصين مشكلة سكانية خطرة للغاية بسبب هذه السياسة، حيث يقول المسؤولون الصينيون إن معدل الخصوبة الحالي يرواح بين 1.7 الى 1.8 ولادة لكل امرأة، أي اقل من معدل 2.1 ولادة لكل امرأة التي من شأنها ان تجعل مستوى عدد السكان في وضع مستقر. بيد أن الخبراء الاجانب يجادلون بأن معدلات الخصوبة اقل من ذلك وتصل الى .1.5

وهذا من شأنه أن يزيد نسبة كبار السن في المجتمع ووجود اعداد قليلة من القوة العاملة الشابة التي يقع على كاهلها عبء دفع الرواتب التقاعدية لاعداد كبيرة من المتقاعدين، كما انه ايضاً يجعل عدد الذكور لا يتناسب مع عدد الإناث. ووفقاً للمركز الاميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية فإنه بحلول عام 2050 سيتوافر في الصين 1.6 مواطن فقط في سن العمل مقابل متقاعد واحد مقارنة بـ 7.7 لكل متقاعد عام 1975 .

وكانت السلطات المحلية في مدينة شانغهاي، حثت العام الماضي، الاسر على إنجاب طفل اضافي، وهي المرة الاولى التي تحث فيها السلطات الصينية الاسر على زيادة عدد مواليدها منذ عقود طويلة، وتم تشكيل حملات من اجل تنوير الشعب على الاستثناءات التي طرأت على سياسة البلاد في ما يتعلق بالمواليد. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي زاد فيه ثراء هذه المدينة الاكثر ازدحاماً بالسكان وارتفعت نسب المتقاعدين فيها.

ويقول المتحدث الرسمي باسم لجنة السكان وتخطيط الاسر، زانغ ميكسين: «يزيد عدد من يبلغون الـ60 واكثر في هذه المدينة على الثلاثة ملايين، أي بنسبة 21.6٪ من جملة سكان المدينة».

روسيا في خطر
ينكمش سكان روسيا إلى ما يصل إلى 700 ألف شخص كل عام، حيث يتوقع بعض الخبراء ان يصل عدد السكان الى 120 مليون نسمة بحلول 2050 ،اذا استمر الانخفاض بهذه الوتيرة. هذه المشكلة السكانية لا تنطوي فقط على مشكلات جغرافية سياسية، إذ ان روسيا، التي تشكل اراضيها 30٪ من قارة «أورآسيا»، قد لا تجد في المستقبل العدد الكافي من السكان للسيطرة على حدودها. وجاء في تقرير قدمه لمجلس الدوما وزير الصحة والتنمية الاجتماعية، ميخائيل زوابوف، ان «أعداد سكان روسيا بدأت في الانكماش منذ تسعينات القرن الماضي، فبين الاعوام 1993 - 2005 انخفض السكان بمعدل 4٪ او 5.8 ملايين نسمة، وفي عام 2005 وحدها انخفض سكان روسيا بمقدار 735 ألفاً و500 نسمة.

ويعود السبب في هذا الانكماش المريع لاعداد السكان الى المعدلات المنخفضة للمواليد، ومعدلات وفيات المواليد المرتفعة، وانخفاض العمر الافتراضي، والعدد المتزايد من الوفيات «لاسباب غير طبيعية»، حيث يبلغ مجمل معدلات الوفيات في روسيا (لكل 1000 شخص) الى ،16.0 وبالمقارنة فإن المعدل نفسه يصل الى خمسة لدى الاتحاد الاوروبي، و 6.5 في اميركا و3.4 في اليابان.

سكان روسيا مهدّدون بالانكماش. أرشيفية

جيل الطفل الواحد
تقول لي يون، التي تدرس في سيؤول بكوريا الجنوبية: «الذين ولدوا في ثمانينات القرن الماضي ليس لهم إخوة، وأنا نفسي لم يكن لدي أخ او أخت، وعندما كنت طفلة لم افكر ابدا في ان يكون لي اخوان او اخوات، وكنت اشعر بشعور واحد حيال جميع الاطفال، وكنا جميعا (أباطرة صغار)، وعندما كبرت ادركت بأنني وحيدة، ولا أعرف حتى الان كيف اشارك الاخرين افراحهم وأحزانهم. والان وقد رحلت بعيداً عن والدي فينبغي لي ان أتعلم كيف أشارك اصدقائي واطلب منهم المساعدة. وآمل ان انجب في المستقبل اكثر من طفل واحد».

بنغلاديش على خُطى الصين
تسعى بنغلاديش إلى تبني سياسة الطفل الواحد تأسياً بالصين، حيث إن هذه البلاد، يصل تعداد سكانها الى 150 مليون نسمة، ومعدل المواليد يصل الى 2.7 طفل لكل امراة، وتعتبر من اكثر بلدان العالم كثافة بالسكان.

ويقول المدير العام لدائرة تخطيط الاسرة، محمد عبدالقيوم إن «ازدياد عدد السكان يشكل عبئاً على البلاد، فاذا ما فشلنا في خفض معدل المواليد الحالي، فإننا بالتالي لن نستطيع ان نحقق اهداف القرن التنموية المستهدفة بحلول 2015»، ويضيف «استلهمنا هذه الفكرة من السياسة الصينية في هذا المجال للترويج لسياسة الطفل الواحد، ونسعى لخلق علاقة في هذا المجال مع سلطات تخطيط السكان في الصين لتدريب رجالنا على كيفية استخدام الموانع والامور الاخرى المتعلقة بهذا الشأن».
طباعة