بديع.. حديدي يقود انفتاح «الإخوان»

لايمكن فهم اختيار الدكتور محمد بديع مرشداً عاماً لجماعة الإخوان المسلمين في مصر بالركون إلى التقسيم التبسيطي الذي اعتمده محللون متسرعون، باعتباره انتصاراً للجناح المتشدد على نظيره الإصلاحي، ليس فقط لأن الجناحين لم نشهد لهما ولادة شرعية ولا معارك ولا ترسيم حدود من قبل، بل أيضاً لأن المرشد الجديد خذل مريدي تشدده المزعوم في الـ42 ساعة التالية لاختياره، عبر «رش» حزمة تصريحات انفتاحية وإصلاحية تجاه المرأة والأقباط والديمقراطية والدولة والمجتمع، في مواقف يعجز ربما عتاة الليبراليين عن مجاراتها.

بديع البالغ 67 عاماً، والقادم من رحلة طويلة داخل التنظيم، هو ابن القطبية (مجموعة سيد قطب)، وتشكيل 1965 الذي ذاق الأمرين، وأذاقهما لجمال عبدالناصر، وهو، أي بديع، بلغة إخواننا الشوام «ذهب إلى الحج والناس راجعة»، حيث دخل جماعة الإخوان المسلمين عام 1959في لحظة كان إخوانيون عتاة يغادرونها إلى البيوت أو إلى زواريق نظام ناصر، لكن هذا لايعني- باستثناء تأكيد صلابة التكوين الشخصي- أي شيء، كون القطبية نفسها أصبحت جزءاً من التاريخ، وكونها جوبهت وقتها ولاحقاً وحتى اليوم بشراسة من العقل الجمعي الإخواني، لتدمج مضطرة فيه، وكون التحديات التي تواجهها جماعة اليوم هي تاريخ جديد مختلف من الألف إلى الياء.

حسناً.. فإذا كان الأمر ليس صراعاً بين إصلاحيين ومتشددين، كما يقول المدرسيون حفظة الأناشيد، وليس استدعاءً للقطبية وفزاعاتها، رداً على تحرش دولة الهامش الديمقراطي المصرية، فلماذا جاء الرجل؟ ولماذا تم استدعاء الأستاذ الجامعي النابه، والذي وضعته موسوعة ثقافية ضمن قائمة أهم 100 شخصية علمية عربية، وظل محجوباً عن الأضواء السياسية بالمعنى الفعلي أكثر من 17عاماً ليتبوأ الموقع؟

غالب الظن، كما تشير دلائل، أن محمد بديع جاء منشطاً ليعظم تفاعل الإخوان مع الهامش الديمقراطي المصري، لا للنكوص عنه. فقد ارتكب المرشد السابق محمد مهدي عاكف أخطاء رآها بعضهم خطايا في التعامل مع الإعلام والأحزاب والدولة المصرية، ربما كان الأبرز فيها حديثه الشهير مع الصحافي سعيد شعيب في أكتوبر ،2005 وقال فيه عبارته الوصمة «طز في مصر.. وأبو مصر...واللي في مصر».

وكشفت التجربة أن عاكف فوجئ، وهو ابن التربية التنظيمية السرية، بمستجدات لم تكن في الحسبان.

في الجهة المقابلة، لم تكن الجماعة التي تملك دقة لاتبارى في قراراتها، في وارد إلقاء مصيرها في أيدي قيادات أقرب لأن تكون شخصيات عامة تتبنى برنامجها منها إلى كوادر صارمة الانضباط، مثل الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح (راجع مناداته بفلسطين ديمقراطية علمانية)، أو الدكتور محمد حبيب. تكوينات بحكم عملها الجماهيري وتفاعلها مع الإعلام أقرب ما تكون لوزراء خارجية ظل للجماعة، بينما الأكثر أمنا والأضمن هو الاعتماد على تكوينات حديدية تنظيمية كبديع، تملك خبرات السيطرة والتحكم لتنظيم لايزال في مرحلة ما دون الحزب السياسي.

بديع على هذا النحو، ومن وجهة نظر مكتب الإرشاد، هو الأنسب لتمثيل برنامج 2004 الإصلاحي (بين مزدوجين) في سني 2010 و2011 ومعارك الانتخابات البرلمانية والرئاسية ودعاوى الحقوقيات المقبلة، أنسب لا لكون البرنامج ومساوماته الأقرب إلى شخصه، فلا أحد هنا في التنظيم الحديدي يتكلم باسم شخصه، بل لأنه الأقدر، من وجهة نظر الإرشاديين، على قيادة الإقناع المتبادل بين الداخل الإخواني والخارج المصري بقوة وسلاسة وسلام.
طباعة