فلسطيني يُحيي ذكرى ميلاد واستشهاد طفله

الشهيد الطفل إبراهيم عواجة.               الإمارات اليوم

كان الطفل إبراهيم عواجة (تسعة أعوام) يحلم بأن يقيم عيد ميلاده العاشر داخل منزله في منطقة العطاطرة شمال قطاع غزة، ويدعو فيه جميع أصدقائه وأحبته، لكن الاحتلال الإسرائيلي حرمه ذلك الحلم في يوم ذكرى ميلاده، فقد أعدمه وتلاعب بجثته على مرأى والديه وشقيقته، وذلك بعد أن هدم منزلهم بساعات خلال اليوم الأول من المرحلة الثانية لحربه على القطاع.

وبعد مُضي عام على استشهاد الطفل إبراهيم خلال الحرب الأخيرة، أحيا والده كمال عواجة داخل الخيمة التي باتت مأوى عائلته الوحيد ذكرى ميلاده واستشهاده في يوم واحد وهو الثالث من يناير، وحقق أمنية طفله التي خطفها الاحتلال، حيث دعا أصدقاءه ومدرسيه وأقاربه إلى ذكرى ميلاده الحادي عشر.

وقال كمال عواجة (45 عاما) لـ«الإمارات اليوم» والحزن يعتلي ملامحه «رغم الحزن الذي يسكن قلبي أنا وزوجتي وأبنائي على فراق إبراهيم الذي أعدم أمام أعيننا، إلا أنني أردت أن أحقق فرحته التي حرم منها وهو أن يدعو أصدقاءه إلى عيد ميلاده، فدعوت أصدقاءه ومدرسيه، وأحييت ذكرى يوم ميلاده في يوم استشهاده، كي أوصل رسالة لمن أعدم إبراهيم بأنه لم يمت ومازال حياً بين أهله وأحبابه، وأن الموت لن يقتل روح الحياة فينا».

وأضاف «حضر أصدقاء إبراهيم ومدرسوه، مؤكدين محبتهم له ومدى تأثرهم بفراقه، وأعددت لهم وليمة عشاء متواضعة، وقدمت كيك في ذكرى ميلاده، ووزعت هدايا على أصدقائه كي تبقى ذكراه محفورة في قلوبهم، فكم كان يتمنى أن تقام له حفلة عيد ميلاد ويدعو إليها كل من يحب». ووقف الوالد على باب الخيمة التي أقامها بجانب منزله المدمر، وأخذ يستذكر صور طفله التي علقت عليها في ذكرى ميلاده واستشهاده، وقال «هذه صور إبراهيم مع شقيقته أمسيات، وهذه مع شقيقه صبحي، عثرت عليها بصعوبة بعد أن وجدتها محفوظة في (موبايل) خال إبراهيم، لأن كل شيء كان لدينا تحطم أسفل أنقاض المنزل الذي دمره الاحتلال، ومنها صور إبراهيم صاحب الابتسامة الهادئة، والروح المرحة».

وكانت أمنية الطفل إبراهيم، بحسب والده، أن يصبح طبيبا في المستقبل، ومنذ صغره كان كل شيء يقوم به يدل على ذلك، فقد اشترك في لجنة الصحة بالمدرسة، وكان يشارك في الأعمال المسرحية بالمدرسة ويمثل دائما دور الطبيب، ولكن الاحتلال قتل هذا الحلم، ومنعه من أن يتحقق في الكبر، بينما اكتفى صاحبه الشهيد بأن حققه في الصغر كدور تمثيلي في مسرحية مدرسية.

وتستذكر والدة إبراهيم أقسى لحظات حياتها عندما دهم الجنود منزلهم في اليوم الأول من المرحلة الثانية للحرب، وأعدموا إبراهيم ونكلوا بجثته أمام عينيها، وقالت بعيون دامعة «تساقطت النيران والقذائف على منزلنا، وكنا جميعاً بداخله، وعلى الفور خرجنا منه مسرعين، وبعد ذلك بلحظات استهدف المنزل بقذيفة مدفعية تسببت في تدميره بشكل كامل، وبعد ذلك فتح الجنود النار بشكل مباشر علينا أنا وزوجي وأبنائي إبراهيم وصبحي وأمسيات».

وأضافت «أصيب إبراهيم في خاصرته، وهرع والده لإنقاذه فأصابه الجنود برصاصة في صدره طرحته أرضا بجانبه، وبعد لحظات أطلقوا الرصاص تجاه رأس إبراهيم ما تسبب في تهتك دماغه واستشهاده على الفور».

وتابعت الأم قولها بصوت مختنق «لم أتمكن من الحركة وابني يعدم أمام عيني، فقد أصبت بإصابة في قدمي منعتني من الحركة تجاه إبراهيم وزوجي، بينما كان بقية أبنائي يبكون غير قادرين على فعل شيء أمام الجنود الذين كانوا يقتربون منا على بعد أمتار قليلة».

ولم تنته الفجيعة التي ألمت بعائلة عواجة عند هذه المشاهد البشعة، فقد تقدم الجنود تجاه جسد إبراهيم المسجى، وأخذوا يقلبوه يمينا ويسارا، وترتفع ضحكاتهم وهم يصوبون أسلحتهم تجاه جسد إبراهيم، بينما تظاهر الوالد بالموت عندما قدم الجنود منه هو وطفله.

وهنا يغمض الأب عينيه ليتذكر صورة تفاصيلها مؤلمة، ويقول بوجع «سحب الجنود جسد إبراهيم إلى منطقة مرتفعة على ركام المنزل المدمر، وحولوه إلى لوحة لمرمى نيرانهم يتسابقون على قنصها وهم يضحكون، ومع كل رصاصة كانوا يتمتمون بكلمات لم أفهمها، وبعد أن مزقوا جسده ولم يعد له أي ملامح، ابتعدوا عنه معتقدين أنهم حققوا انتصارا». وأضاف «بقينا في العراء وفي البرد القارس لمدة أربعة أيام متواصلة دونما دواء أو طعام وشراب، وكدنا نفارق الحياة، فابني ممزق أمامنا وهو غارق في دمائه، وجراحنا تنزف ونحن بحاجة إلى من يسعفنا، إلا أن الجنود فرضوا طوقا على المنطقة، ومنعوا دخول سيارات الإسعاف لإنقاذنا».

وتابع الوالد قوله وهو ينظر إلى صور طفله «في صباح اليوم الخامس، سمعنا صوت عربة تجرها امرأة عجوز مقتربة من أنقاض منزلنا، أخذنا نصرخ مستغيثين بأعلى صوت إلى أن سمعت العجوز نداءنا، وعلى الفور ذهبت لنجدتنا وجلبت الإغاثة، وبعد ساعة كانت سيارة الإسعاف تنقلنا جميعا إلى مستشفى دار الشفاء».

طباعة