تصاعد نفوذ «لوبي الماسونية» في الإعلام الفرنسي

ساركوزي مع وزير العمل والشؤون الاجتماعية زافييه برتراند. أرشيفية

أثير في الآونة الأخيرة جدل حول تزايد عدد الصحافيين المنتمين للحركة الماسونية العالمية ومدى تأثيرهم في الإعلام الفرنسي. ورغم غياب بيانات دقيقة فإن عددا كبيرا من أتباع الماسونية، ضمن الصحافيين، تمكنوا من اختراق أغلب الصحف والقنوات التلفزيونية ومحطات الراديو المعروفة. واللافت في المسألة أن هؤلاء يحاولون تعزيز وجودهم من خلال توظيف أصدقائهم الموالين لأيديولوجيتهم على حساب الكفاءة والخبرة المهنية. وقد أصبح «اللوبي الماسوني» في الصحافة الفرنسية واقعاً تجسده روح التآمر والمكائد. وتتساءل مجلة «ميديا» في مقال مطول حول الموضوع «تي اف،1 التلفزيونات الفرنسية، لوبوان، أ.ف.ب، لوفيغارو، لوباريزيان.. أين يختبئ صحافيو الماسونية؟».

 
السرّية والغموض

تناول كتاب «الرمز الضائع» لمؤلفه دان براون، عالم الماسونية داخل الولايات المتحدة وتأثير تلك الجمعية السرية في صناع القرار والقضاة ورجال الشرطة والأكاديميين في أميركا. واعتبر مؤرخون أن طرح الكتاب الذي نشر في سبتمبر الماضي صحيح وأن بعض الآباء المؤسسين كانوا ماسونيين أقوياء. وأوضحت صحيفة «صن» البريطانية أن جماعة الماسونية عادة ما تُوصف بـ«الجمعية السرية»، حيث تعمل في الخفاء بعيداً عن الأعين وتمارس عادات وطقوساً غريبة وتزاول عبادة الشيطان، في الوقت الذي يرفض الماسونيون تلك الاتهامات.


والماسونية ومعناها الحرفي باللغة العربية «البناؤون الأحرار»، هي عبارة عن منظمة عالمية نشأت بداية القرن الثامن عشر، ويتشارك أفرادها عقائد وأفكاراً واحدة في ما يخص الأخلاق وتفسير الكون والحياة والإيمان. وتوصف هذه المنظمة بالسرية والغموض، ما جعلها محط كثير من الأخبار والشائعات بأنها بسعة انتشارها وتمكنها من الوصول إلى معظم الحكومات العالمية القوية، هي من تملك زمام قيادة العالم، وتتهم الماسونية بأنها تحارب الأديان وتنشر الفكر العلماني.

تضاعف العدد

تقول المجلة ان الماسونية أصبحت ظاهرة تستفحل يوماً بعد يوم في الصحافة الفرنسية. وفي ذلك يقول المتخصص في الماسونية، فرانسوا غوك، إن «عدد الماسونيين في الصحافة الفرنسية تضاعف أربع مرات منذ 40 عاماً». ويضيف غوك«إذا أرادت الماسونية التأثير فمن الأولى تجنيد الصحافيين وليس عمال البناء». مشيراً إلى أهمية وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام. وقد كشفت مجلة «ليكسبرس» عن هوية أحد قادة الايديولوجية الماسونية في فرنسا وهو وزير العمل والشؤون الاجتماعية زافييه برتراند المقرب من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وقد اعترف برتراند بانتمائه للماسونية، الأمر الذي أثار جدلا واسعا وتساؤلات حول حجم هذا التيار في البلاد.

يذكر أن برتراند، العضو البارز في الحزب الحاكم، من أقوى المدافعين عن العلمانية في البلاد ومن المتنفذين في قصر الاليزيه. وكشف تحقيق نشرته مجلة «ليكسبريس» ان المدير العام لصحيفة «لوفيغارو» فرانسيس مورال من الأعضاء النشطين في حركة الماسونية.

تقول الصحافية صوفي كوانيار، صاحبة كتاب «دولة داخل دولة »، ان «بعض الأشخاص يحصلون على مناصب مهمة في هيئات التحرير بالاعتماد على ما يسميه بعض الزملاء «توقيع وثلاث نقاط، والتفسير الوحيد لذلك هو الانتماء للماسونية». مشيرة إلى الترقيات التي يستفيد منها «مفتقدو الخبرة». ويتساءل غوك عن صمت الصحف الفرنسية إزاء النشاط الماسوني الذي تجسده التجمعات والحفلات الدورية حيث «لا تحرك أي صحيفة ساكناً ولايكتب ولو سطراً واحداً». مضيفاً ان «تجاهل تنظيم يضم 16 ألف عضو في فرنسا وتأثيره في المستويين الشعبي والرسمي، أمر مثير للشكوك». ويرى غوك أن سبب إحجام هيئات التحرير في فرنسا عن الكتابة في موضوع الماسونية يعود إلى «الفيتو الذي يتمتع به أتباعها في تلك الهيئات». وتعتقد كوانيار أن هناك تواطؤاً كبيراً يهدف إلى التكتم على الماسونية وعدم تسليط الأضواء على نشاطاتها. وتعتقد المؤلفة أن الماسونيين يتمتعون بسلطة حقيقية في هذه السنوات الأخيرة، بل ولا تتردد أيضاً في تأكيد أن سلطتهم مرشحة للتعاظم في الفترة المقبلة على المستويين السياسي والاقتصادي. وتشرح مؤلفة الكتاب أن الرؤساء الفرنسيين الثلاثة قبل ساركوزي كان لدى كل منهم أحد «مسؤولي» الماسونية الفرنسية، وتؤكد أنه ليس معسكر اليمين الفرنسي فقط الذي يمتلك بعض العلاقات مع الماسونية، ولكن اليسار أيضاً.

صنع القرار

إن بقاء الماسونية ضمن المحظورات التي يمنع التطرق إليها في الإعلام الفرنسي يدل على مدى تغلغل أعضائها في الصحافة الوطنية وتحكمها في دوائر صنع القرار فيها.

ولا يعقل ألايجذب تنظيم يضم آلاف الأعضاء اهتمام الصحافيين الذين يتسابقون لنشر الأخبار والتحقيقات المثيرة وتحقيق سبق صحافي وزيادة المردود المادي. ويكرر مؤرخون ان الماسونيين بدأوا يصنعون القرار في الستينات من خلال التأثير في التصويت على حق الإجهاض ثم أثبت اللوبي وجوده بالوقوف إلى جانب انتخاب الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران في الثمانينات. ويقول أحد أكبر منظري الماسونية والمسؤول السابق في التنظيم ألان بوير، إن نسبة البنائين الأحرار في الجمعية العمومية - البرلمان، لا تقل عن 10٪ من مجموع البرلمانيين. يذكر أن بوير يشغل منصب مستشار الأمن والشرطة في قصر الاليزيه. ورغم جرأة بعض الشخصيات البارزة في التنظيم بالإعلان عن انتمائهم إليه إلا أن السرية تبقى السمة الغالبة على الماسونية.

والغريب أن التنظيم لا يقبل بين صفوفه النساء ويقتصر على الرجال فقط، وقد صوت أعضاء محفل «الشرق الكبير» الماسونية الفرنسية، العام الماضي ضد ضم النساء للمنظمة التي تعتبر أكبر منظمة ماسونية في فرنسا. يأتي ذلك بعد 237 عاماً من تأسيس المنظمة. وصوت 56٪ من ممثلي المنظمة البالغ عددهم 1200 مندوب في مدينة ليون الفرنسية ضد تغيير الدستور الداخلي للمنظمة لمصلحة قبول نساء في صفوفها. غير أن ذلك لا يعني عدم وجود ماسونيات في فرنسا، حيث تنتمي الكثير منهن للمحفل الفرنسي النسوي الكبير. وقد سمح للنساء خارج فرنسا بدخول المحافل الماسونية في ،1952 واشترط آنذاك أن يكون لدى العضوة الجديدة قريب في التنظيم.
طباعة