«منبـــوذو الهنـــد» يكسرون الحصار عبر قنوات السياسة

    المنبوذون يتقبلون البؤس طاعة لأوامر الآلهة. أ.ب

    طبقة المنبوذين في الهند التي كانت تسمى «داليت»، والآن «هاريجان»، هي تصنيف اجتماعي لطبقة من المجتمع الهندي، طبقاً لديانة الهندوس وثقافتهم، وتشمل شريحة كبيرة في أدنى السلم الاجتماعي تعمل في مهن متدنية، كانت لعقود طويلة ممنوعة من المعابد الهندوسية.

    ويعتقد المنبوذون أن الأرواح الشريرة التي اقترفت الآثام في حياتها الأولى تتناسخ في أجساد المنبوذين، ونتج عن الاعتقاد استمرار توارث هذه الفئة الفقر والتعاسة وسوء الأحوال، إلى جانب الاحتقار والإزدراء من الفئات الأخرى التي تتجنبها اتقاء اللعنة التي يمثلونها. وكان الاعتقاد السائد لدى الهندوس، خصوصاً في مناطق واسعة من جنوب الهند، حيث إن رؤية أحد المنبوذين كانت كافية لتلويث من يراه من الطبقات الأعلى.

    ويبلغ عدد المنبوذين 165 مليون نسمة من مجمل 1.17 مليار نسمة سكان الهند، ويشكون عقبات تعترضهم في سوق العمل والسكن والتعليم، وتشهد الهند باستمرار أعمال عنف ضد الهندوس من الطبقات الدنيا، مع أن النصوص تحرم أي تمييز مبني على أساس طبقي.

    وقد ألغى الدستور الهندي رسمياً طبقة المنبوذين منذ 26 يناير ،1950 لكن الأمم المتحدة اعتبرت في 2007 أن التمييز الطبقي لايزال قائماً. وفي ،1949 وبعد اغتيال رائد استقلال الهند وزعيمها المهاتما غاندي الذي لعب دوراً كبيراً في إلغاء الفوارق الاجتماعية وتذويب الفوارق بين الطبقات، حظرت الحكومة الهندية استخدام مصطلح «المنبوذين»، واعتبرت التمييز ضدهم أمرا مخالفا للدستور، ويعاقب عليه القانون، لكن هذه الطبقة مازالت باقية في أسفل الهرم الاجتماعي، وكان تعدادها في أواخر الستينات من القرن الماضي يناهز 65 مليوناً.

    ولا يثور «المنبوذون» في الهند على أوضاعهم المعيشية والاقتصادية المزرية، حيث إنهم، في اعتقادهم الهندوسي، يستحقون المعاناة التي فرضتها عليهم «الآلهة»، ولا يتحرك صاحب فضل من فئات المجتمع الأخرى ليرفع عنهم معاناتهم، بل يعاملهم بقسوة تقرباً إلى «الآلهة»، وهم يقبلون تلك القسوة خضوعاً لأمر «الآلهة» لارتباط هذا الظلم الواقع على «المنبوذين»، باعتقاد ديني راسخ، حيث أثبتت الدراسات أن الهندوس الأكثر تمسكاً بعقيدتهم بعد المسلمين.

    ولدى طبقة المنبوذين في الهند كيان سياسي يعبر عنهم، هو «حزب مجتمع الداليت»، وتتزعمه ماياواتي كوماري الطامحة إلى رئاسة الهند، وهي حالياً رئيسة حكومة أوتار برادش، الولاية التي يبلغ تعدادها 182 مليون نسمة، حيث فاز الحزب المذكور بـ21 مقعداً في البرلمان الاتحادي في الانتخابات التي جرت أواخر مايو الماضي، وتعهدت كوماري بدعم حكومة ائتلافية يقودها حزب المؤتمر الحاكم.

    مناصب رفيعة

    استناداً إلى اعتقاد المنبوذين أنهم يستحقون الحياة البائسة، ومعاناتهم أمر طبيعي لا يجب عليهم تغييره إرضاء للآلهة، فهم يرضون بالفتات يلقى إليهم في المواسم الدينية وغيرها، ولا يسخطون، لكنهم في العقود الأخيرة عملوا باجتهاد لتغيير أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، وتابعوا سلك التعليم بأعداد كبيرة، وحصلوا على الشهادات العلمية وتبوأوا الوظائف الرفيعة والمناصب القيادية في الجامعات والحكومة والبرلمان، بل ورئاسة الجمهورية. 

    تراتبيات المجتمع الهندي

    تنقسم الهند منذ عهود قديمة إلى تراتبيات، أبرزها:

    • النخبة المعروفة باسم «البراهميين»، وتضم رجال الدين.
    • المرتبة الدنيا، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    • «الطبقة الملحقة» التي ينتمي إليها المنبوذون.
    • «القبائل الملحقة» وهي الجماعات والاشخاص الذين رفضوا النظام الطبقي الهندي، وفضلوا الحياة منعزلين في الغابات والمناطق الجبلية،بعيدا عن بقية السكان، ويطلق عليهم أيضا اسم «اديفاسي» وهو يعني السكان الأصليين.
    • «الطبقات المتأخرة»، وتشمل جماعات المنبوذين من الذين اعتنقوا عقائد أخرى، وكذلك قبائل الرحل.

    وطبقا لإحصاءات السكان، ينتمي 16٪ من سكان الهند إلى «الطبقات الملحقة»، بينما ينتمي 8 ٪ إلى «القبائل الملحقة». أما «الطبقات المتأخرة» فنسبتها تتراوح ما بين 28 إلى 30٪ من السكان.

    وتوجد أعراف وإجراءات وقواعد تحكم الطريقة التي يتعامل بها واحد من أبناء طبقة معينة مع شخص من طبقة أخرى، فيما يتعلق بالمسافة الاجتماعية والجسدية التي يجب الحفاظ عليها، وما إذا كان يمكن قبول طعام قام بطهيه أحد أبناء طبقة أخرى، وما إذا كان يمكن لشخص الزواج من طبقة أخرى أم لا. ويقول المتخصص في علم الاجتماع الهندي، م. سرينفاز، إن النظام الطبقي أكثر انتشاراً وقوة في مناطق الريف الهندي.

    ومن الأسباب وراء استمرار النظام الطبقي أن الطبقات المنبوذة نفسها تعترف وتقر بنظام التراتبية الاجتماعية.

    وبعد استقلال الهند، تم إلغاء نظام الطبقات في 1947 عندما ثار المهاتما غاندي ضد نظام الطبقات، وشجع أبناء الطبقات الدنيا على التعبير عن مظالمهم، والمشاركة في الحياة العامة، وذلك على طريق إلغاء النظام الطبقي تدريجياً.

    وينتمي القاضي كي. جي. بالاكريشنان إلى طبقة المنبوذين، وقد أصبح كبيراً للقضاة بالمحكمة العليا للمرة الأولى. وهو ينتمي إلى طبقة «داليت»، وهي من أدنى الطبقات الاجتماعية في منظومة العقيدة الهندوسية في الهند، وتكابد العناء والظلم والعنف أحيانا في المناطق الريفية، ونشأ بالاكريشنان في ولاية كيرلا الجنوبية التي توجد فيها أعلى نسبة أمية في الهند. وقال إن شغله الشاغل سيكون مساعدة الشرفاء على الالتحاق بسلك القضاء.

    ويُحرم المنبوذون من دخول المعابد الهندوسية، أو مخالطة أبناء هذه العقيدة، لكن حفنة من أبناء هذه الطبقة نجحت في اختراق الحصار المفروض عليهم، ومنهم الرئيس الهندي السابق كوتشيريل رامان نارايانان الذي شغل المنصب بين 1997 و.2002 كما أن مييرا كومار التي انتخبت رئيسة للبرلمان الهندي في مطلع يونيو الماضي لم ولن تكون الأخيرة من بنات المنبوذين التي تحتل منصباً مرموقاً، بل إنها أول امرأة فى تاريخ الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، تتبوأ هذا المنصب المهم، وهي الشخصية الثانية من طبقة «الداليت» التي تتولى رئاسة البرلمان، حيث سبقها السياسي « جي إم سي بالافوجي».

    وقبل ذلك، استقالت كومار من منصب وزيرة الموارد المائية، بعد أدائها اليمين القانونية في التشكيل الحكومي الجديد قبل ذلك بأسبوع، بعد أن عرضت عليها رئيسة حزب المؤتمر سونيا غاندي الترشيح لرئاسة البرلمان الجديد عن حزب الأغلبية. واكتسبت كومار صلابتها في كفاحها السياسي من أبيها المناضل الراحل في حزب المؤتمر جاجيفان رام، المشهور باسم بابوجي، وهو مدافع عن الحريات ومصلح اجتماعي حظي بدعم الطبقات الدنيا في ولاية بيهار شرق الهند، وكانت كومار قد استقالت من حزب المؤتمر في 2002 بسبب خلافات مع قيادة الحزب، لكنها انضمت إليه مجدداً في ،2004 حيث تقلدت منصب وزيرة الشؤِون الاجتماعية والتمكين.

    وتبنت كومار في ديسمبر 2007 قضية المسنين، ونجحت في انتزاع قرار من البرلمان الهندي لرعاية المسنين الذين يتجاوز عددهم 80 مليون مسن، ونص على الحكم بالسجن لمدة ثلاثة أشهر على كل من تثبت عليه تهمة إهمال والديه أو أحدهما بعد بلوغهما سن الـ.60

    وتعد مييرا كومار الحاصلة على ليسانس الحقوق ودرجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، والدبلوماسية السابقة، من الشخصيات النسائية النشطة في المنظمات الاجتماعية والثقافية، فهي رئيسة ومؤسسة حركة «سامات عموم الهند» الاجتماعية، وترأست مجلس إدارة المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، والمجلس الاستشاري للتعليم. ويؤكد كل من يعرفها أنها شديدة الإخلاص في عملها الدؤوب من أجل قضايا طبقتها وخدمة الفقراء والتخفيف مما يعانونه من مرض وجهل.

    أسطورة وحكايات

    ويبعث التقسيم الغريب للطبقات الهندية على الدهشة، إذ تخرج الطبقة الأولى أو تتولد من رأس الإله الهندوسي، بينما تخرج الطبقة الثانية من صدره، وتخرج الثالثة ـ وهي المتوسطة ـ من بطنه، في حين تخرج الطبقة المنبوذة من أسفل بطنه. وسألت ناشطة هندية قبل نحو 10 سنوات عن العلاقة بين ديمقراطية بلادها التي يتغنى بها الجميع وتلك الطبقات إحدى المسؤولات، فأجابتها مبتسمة: «إن الدستور الهندي ألغاها رسمياً، لكن العادات والتقاليد باقية».

    وقديماً، كان من حق ابن الطبقة الأولى في الهند أن يقتل أو يسجن ابن الطبقة المنبوذة، إذا مشى الثاني من دون عمد على ظل الأول، لكن هذه الممارسات انتهت من الناحية العملية، وباتت جزءاً من التراث القديم.

    تضامن في المرض

    وبما أن تفشي المرض نتيجة حتمية ومنطقية للفقر، فإن مرضى الإيدز من المنبوذين في الهند يجدون في الزواج عزاء يخفف من المعاناة المشتركة من هذا المرض الذي لايزال وصمة عار للجنسين في الهند.

    وتنتشر في مختلف المناطق الهندية مكاتب ترتيب الزواج الخاصة بالمصابين بالإيدز، حيث تنظم لقاءات التعارف وتساعد على الشؤون القانونية للأشخاص الذين يختارون الزواج.

    وتقول وكالة الأمم المتحدة التي تعنى بمرض الإيدز إن نحو 2.5 مليون هندي يتعايشون مع هذا المرض، وكثير منهم تنبذهم عائلاتهم، حيث يقول رافي (38 عاماً) وهو صاحب محل في ولاية غوجارات، أصبت بالمرض من امرأة تعمل في الدعارة والتقطت الفيروس من زوجها الأول الذي توفي عام ،2006 وقد نبذني أبي حينما علم بالأمر.

    وتطلب مكاتب ترتيب الزواج من المصابين بالإيدز من الراغبين الذين يسجلون أسماءهم، أن يكشفوا عن تفاصيل حياتهم كاملة بما يشمل أوضاع عائلاتهم وتاريخهم الطبي الكامل ووضعهم الاقتصادي. وبالنسبة للكثير ممن يسجلون أسماءهم، فإن الزواج من شريك مصاب بالمرض أيضاً يؤمّن، ليس فقط الرفقة، إنما قاعدة عملية للتعامل مع المرض بما يشمل المراقبة المتبادلة للادوية وتقاسم تكلفة العلاج.

    ويقول بعض منسقي تلك المكاتب إن عدد الزيجات الناجحة كاد يكون أعلى بكثير، لولا الخلل في التوازن بين أعداد النساء والرجال الذين يفوق عددهم عدد النساء بكثير، بسبب العار الذي لايزال يلاحق النساء اللاتي يصبن بمرض الإيدز.

    واستناداً الى الطبيب الذي يؤمن العلاج الطبي للمصابين بالإيدز في العاصمة التجارية للهند، مومباي، الدكتور راديكا سامانت، فإن الزواج بين المصابين بالمرض قد يسهم في منع انتشار الفيروس ويقول إن «على الحكومة أن تشجع هذا الأمر».

    طباعة