معركة الدوحة

اكتفت معظم الصحف العربية بالتفرج على المعركة الدائرة بين مركز الدوحة لحرية الإعلام وصحيفتي «الشرق » و«الوطن» القطرتين بشأن استضافة المركز الموجود بالدوحة احتفالاً بذكرى يوم الصحافة العالمي حضره الإعلامي الدنماركي فيلمنغ روز المسؤول عن الرسوم المسيئة للرسول محمد (عليه السلام) بجريدة «جيلاندز بوستن».

المعركة ـ لو أحسن قراءة معطياتها واستغلالها كانت فرصة للجماعة الصحافية والثقافية العربية للمشاركة فيها لإطلاق حملة جديدة على قوة التعصب والفاشية الغربية في أزمة الرسوم لإدارة نقاش واسع مع الغرب حول قضيتين اصبحتا جزءاً من جدلنا اليومي، أولهما عن المدرستين الأميركية والأوروبية بشأن حرية التعبير، والثانية عن مساحة القبول بالمحلية والعالمية لمؤسسات صياغة الخطاب الثقافي في مجتمعاتنا الطرفية. فالمدرسة الأميركية بشأن حرية التعبير من أزمة الرسوم المسيئة ـ كما اتضح موقفها بجلاء في مقال هيئة تحرير واشنطن بوست الشهير «لماذا رفضنا نشر الرسوم المسيئة وفي إحجام معظم الصحف الأميركية عن تأييد «جيلانز بوستن» ـ تعتبر أن حرية التعبير تتوقف عند المساس باعتقادات الآخرين وهو الموقف الذي أصبح يؤيده مجمل العالم والأمم المتحدة، بينما ترى المدرسة الأوروبية التي انطلقت منها الصحيفة الدنماركية وأصرت على أرضيتها على رفض الاعتذار للمسلمين، بل وقادت الحملة العالمية الاستفزازية لإعادة نشرها أن النموذج الأوروبي اللاتديني هو عقيدة العالم وكل اعتقاد بغض النظر عن مشاعر المؤمنين به قابل الانتقاد حتى لو وصل للسخرية وأي قيود على ذلك ضرب لحرية التعبير. كانت «واقعة الدوحة» فرصة للنخبة الثقافية المشرقية لإعادة نقاش أزمة الرسوم المسيئة وإدارة نقاش راقٍ وقوي حولها وكسب الرأي العام العالمي بشأنه خصوصا ـ كما كشفت المعلومات ـ أن الاحتفال الذي تبناه مركز الدوحة رعته مع مؤسستين أخريين جريدة جيلاندز بوستن صاحبة المشكلة نفسها. أما المحور الثاني الذي فجرته المعركة وهو شديد الارتباط بالأولى -فهو القضية القديمة الجديدة: المحلية والعالمية.

فالمركز كما هو واضح ـ هابط بـ«البارشوت» على المنطقة، يخاطبها تحت اسم أن قضية الحرية عالمية وإنسانية بلغة لا تضع في اعتبارها البيئة المباشرة حوله، ويتأكد ذلك من موقفه من قضية المواقع الإباحية على الانترنت، وعليه فإن الأيام تثبت أن قضية الحرية مهما كانت كونيتها، لا يمكن أن يخوضها الغرب عن المجتمعات المحلية (العربية) بالوكالة، ولا يصلح لها ـ ككرة القدم مثلاً ـ استقدام خبراء أجانب، وأنه ما لم تقودها وتتوافق عليها النخب ـ العارفة بأشواك الأرض التي تقف عليها ورودها ـ فإنه لن يحرز أي تقدم في معركة الصحافة القطرية مع مركز الدوحة ـ الذي يترأسه الفرنسي روبرت مينار، النصر فيها رهن تبلور تيار ديمقراطي عربي ينجح في صد العدمية المتقنعة بالعولمة بتقديم صياغة ديمقراطية قابلة للحياة.


  alayak2005@yahoo.com

طباعة