فرنسا تسعى إلى العودة الكاملة إلى «الناتو»

اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» في مدينة كراكو البولندية في فبراير الجاري. أ.ف.ب

يواجه الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي معارضة شديدة بشأن قرار عودة فرنسا للقيادة الموحدة لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

قبل 43 عاما، تلقى الرئيس الأميركي السابق ليندون جونسون رسالة مهذبة من نظيره الفرنسي شارل ديغول يعرب فيها عن قرار بلاده الانسحاب من القيادة الموحدة للناتو، وذكر ديغول في رسالته أن بلاده «ترغب في استعادة ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها».

وعلى هذا الأساس، أغلق ديغول مقر قيادة الناتو في باريس، وطلب من القواعد العسكرية الأميركية مغادرة بلاده. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الفرنسيون ينظرون إلى وضعهم شبه المستقل عن الناتو بوصفه رمزاً لاستقلالهم الاستراتيجي، ودليلاً على رفضهم قبول السيادة الأميركية.

والآن، فإن خطة ساركوزي الرامية للنكوص عن قرار ديغول والاندماج بالكامل في القيادة الموحدة للحلف تعتبر قراراً جسورا، لكنها في الوقت نفسه مربكة للغاية. ففي الثالث والرابع من إبريل المقبل، يستضيف كل من ساركوزي والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قمة للاحتفال بالذكرى الستين للناتو، ومن المتوقع أن يستغل ساركوزي المناسبة للإعلان رسمياً عن عودة فرنسا بالكامل لحظيرة الناتو. لكنه في الوقت الراهن يريد أن يهيئ الجو في بلاده لقرار قد يواجه الرفض من المعارضة ومن كثيرين في حزبه. وقد يتطرق ساركوزي لهذا الموضوع في خطاب سيلقيه قريباً أمام شعبه، وسيناقش البرلمان الفرنسي الموضوع نفسه بعد وقت قصير.

ولعقود عديدة، تعلم الفرنسيون من الكتب المدرسية والمحاضرات الدبلوماسية أن قرار ديغول، وإنشاء القوة النووية الفرنسية، يشكلان حجر الزاوية في سياسة الدفاع الفرنسية المستقلة. وجاء الناتو لينظر إليه الفرنسيون بنوع من عدم الثقة وكمكان ينفرد فيه الأميركيون والانجليز بعقد الصفقات.

وينظر الأميركيون إلى الخطة الفرنسية الرامية لتشكيل دفاع أوروبي مستقل كمحاولة لتفتيت «الناتو» وإيجاد منافس لما يطلق عليه الفرنسيون «القوة الأميركية الطاغية». ووصل انعدام الثقة ذروته في عهد الرئيس السابق جاك شيراك الذي كثيراً ما دعا أوروبا لتصبح ذات ثقل إزاء أميركا.

أما ساركوزي، فعلى الرغم من كونه من العائلة الديغولية، فإنه يريد أن يحسن علاقة بلاده مع أميركا، وهو في ذلك يقلب هذا المنطق الديغولي رأساً على عقب. ففي أول خطاب له عن السياسة الخارجية لبلاده، أكد أن «التطور في الدفاع الأوروبي ينبغي عدم النظر إليه على أنه منافس للناتو»، وكثيراً ما ردد أن الاثنين يمكنهما أن يكملا بعضهما . ويضيف ساركوزي أن شرق أوروبا الحريصة على الانضمام للمظلة الأمنية للناتو لن تثق في الانضمام للدفاع الأوروبي طالما تشككت في أن المشروع الفرنسي يرمي لإضعاف الحلف.

ووضع ساركوزي ثلاثة شروط لتعود فرنسا من جديد للقيادة الموحدة للحلف، هي: أن تتخلى أميركا عن شكوكها إزاء الدفاع الأوروبي الموحد، وأن تسهم فيه بريطانيا بنصيب أكبر، وأن يكون لفرنسا نصيب محترم في الناتو.

ومن ناحية، حصل ساركوزي على كل ما يريده تقريباً في مؤتمر الأمن قبل أيام في ميونيخ. وأعلن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أن الولايات المتحدة «سترحب بعودة فرنسية كاملة لحلف الناتو»، وأضاف أن أميركا ستساعد أيضاً في تعزيز الدفاع الأوروبي.

ومن ناحية ثانية، يجد ساركوزي صعوبة في التأكيد بوجود قدرات دفاعية أوروبية محسوسة، يرتكز عليها في مساوماته هذه، فبموجب الاتفاقية الرمزية الجديدة المزمع توقيعها ستتمركز كتيبة من الجنود الألمان في شرق فرنسا. ويشير المسؤولون الأوروبيون أيضاً إلى أن نحو 10 الاف جندي موجودون بالفعل تحت علم الاتحاد الأوروبي، منتشرين من كوسوفو إلى الكونغو، بيد أن ذلك ليس سوى ترتيبات أوروبية خاصة، وليس هناك قيادات عمليات أوروبية مستقلة بذاتها، لأن البريطانيين لا يريدون ذلك، ولأنه لا توجد أموال كافية لإنشاء المؤسسات العسكرية البذخية. وعليه، فإن الناتو على المدى المتوسط يوفر البنية الأمنية الوحيدة لأوروبا. وإذا نجح الفرنسيون في الحصول على صفقة عادلة في ما يتعلق بالشرط الثالث، فذلك سيساعدهم بالطبع في التخلص من بعض النفقات، لكنهم لن يكسبوا كثيراً بعودتهم الكاملة لحظيرة الناتو. ويبدو أن فرنسا ستضمن مركزين كبيرين في الناتو: أحدهما في القيادة التحالفية في نورثفولك في ولاية فرجينيا، والآخر في القيادة الإقليمية في لشبونة في إسبانيا. وسيركز ساركوزي على أن فرنسا ترأست من قبل مهام للناتو في كوسوفو وأفغانستان. وحتى عندما تعود فرنسا بالكامل إلى التركيبة العسكرية للناتو ستحتفظ باستقلالية قدراتها النووية والدفاعية، حيث صرح ساركوزي في ميونيخ بأن فرنسا «تستطيع استعادة علاقاتها العسكرية الكاملة مع الحلف، بينما تظل في الوقت نفسه حليفاً مستقلاً وشريكاً مستقلاً للولايات المتحدة».

ومن الناحية الأخرى، يواجه ساركوزي معارضة سياسية متزايدة، فقد اتهم عضو الوسط فرانسوا بايرو الرئيس الفرنسي بتجاهله عنصر الهوية القومية، ودعا إلى استفتاء في هذا الجانب، كما ادعى رئيس الوزراء السابق دومنيك دو فليبان أن «فرنسا ستجد نفسها منكمشة في المسرح الدبلوماسي الدولي» إذا عادت إلى حظيرة الناتو. وطالب الحزب الاشتراكي بالتصويت في البرلمان والتفاوض في هذا الخصوص، وأكد أن العودة الكاملة للناتو ستجعل فرنسا تفقد ثقلها في الدفاع الأوروبي المشترك». ويبدو الرأي العام أقل حدة من رأي الصفوة السياسية، لأن الناتو معروف على نطاق شعبي ضيق، ففي استفتاء للرأي العام الماضي عن عودة فرنسا إلى الناتو أبدى 38٪ رغبتهم في ذلك، وأبدى 34٪ ممن شملهم الاستفتاء رفضهم، بينما قال 28٪ منهم بأنهم غير متأكدين.

ويبدو أن المشكلات السياسية التي تواجه ساركوزي في الشهور المقبلة ليست استعادة دور فرنسا الكامل في القيادة العسكرية لحلف الناتو، وإنما الإلحاح الأميركي من أجل مزيد من الدعم للجهود العسكرية للحلف في أفغانستان، حيث يريد الأميركيون مضاعفة وجودهم هناك، وسيطلب الرئيس الأميركي باراك اوباما في القمة الأوروبية للناتو من الزعماء الأوروبيين حذو حذوهم.

وأرسلت فرنسا 700 جندي إضافي العام الماضي لأفغانستان، ويؤكد وزير الدفاع الفرنسي هيرفي مورين بعدم وجود خطط لإرسال المزيد من الجنود. وفي ما مضى يقول الفرنسيون إن قواتهم منتشرة في كل مكان من العالم وفقاً لالتزاماتها الدفاعية، لاسيما في إفريقيا، بيد أنها أعلنت الشهر الماضي استدعاء 1000 جندي من تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى و1100 آخرين من ساحل العاج.

طباعة