حرب 2009 تعيد مشاهد نكبة 1948

طفلة فلسطينية قرب مخيّمها في غزة. الإمارات اليوم

يتذكر القادم إلى شمال قطاع غزة، وبالتحديد في المناطق الشرقية منها، مشهد نكبة عام ،1948 فالسكن في الخيام يعود ثانية إلى حياة الفلسطينيين، بعد أن ذاقوا الويلات في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، والتي قتلت أبناءهم وهدمت منازلهم وجرفت أراضيهم، ليعيد ذلك إلى ذاكرتهم مشاهد النكبة الأولى، حيث التشرد والسكن في الخيام والاحتفاظ في مفتاح الدار، فلا فرق بين الخيمتين سوى الزمان.

وأعادت مشاهد الخيام التي أقامتها المنظمات الدولية الإغاثية في محاول لإيواء نحو ستة آلاف عائلة باتت بلا مأوى، إلى ذهن الفلسطينيين مشاهد تهجير آبائهم وأجدادهم قسراً، ولجوئهم إلى مخيمات للاجئين التي أقامتها الأمم المتحدة.

وأفادت إحصائية لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني بأن 4100 مسكن في غزة تهدم بشكل كامل، إلى جانب 17 ألف مسكن آخر تهدم جزئيا، فضلاً عن أن معظم سكان القطاع يعيشون في منازل شبه مدمرة. وذكرت إحصائية لوزارة الأشغال العامة في الحكومة الفلسطينية المقالة أن نحو ستة آلاف عائلة باتت بلا مأوى جراء تهدم منازلها بشكل كامل.

مشاهد متكررة

«الإمارات اليوم» تجولت بين مناطق تحولت إلى أحياء خيام، فمنطقة القرم وحي السلام في بلدة جباليا شمالي قطاع غزة أكثر المناطق التي تشهد وجود الخيام، نتيجة هدم آلة الحرب جميع المنازل في تلك المنطقتين، حيث سكنت مئات العائلات التي فقدت منازلها في مخيم ضم عشرات الخيام أطلق عليه اسم «مخيم الصمود».

رفض الحاج أبو زياد خضر ( 70 عاما ) أن يترك منزله الذي حولته آلة الحرب إلى ركام، فقد نصب خيمة بيضاء فوق الأنقاض، ليعود بها التاريخ إلى ما قبل 61 عاماً، حيث مخيمات الإيواء للفلسطينيين الذين هجّروا قسراً من ديارهم.

وقال وهو يجلس في الخيمة التي أقامها على أنقاض منزله المدمر « إسرائيل مستمرة في تشريد الفلسطينيين وإذاقتهم الويلات، هدمت جميع المنازل في حي السلام ومنطقة القرم، وجرفت الأراضي الزراعية، لكننا لم نغادر، على الرغم مما لحق بها من دمار، فبقينا هنا، وسكنا الخيام على الرغم مما تذكرنا به من مآسي النكبة التي عشتها عندما كنت في العاشرة». وتابع «سوف نبقى داخل الخيام التي أقيمت إلى جانب منازلنا المدمرة وعلى أنقاضها، ولن نغادرها أبداً على الرغم من قسوة العيش فيها، ولن نرضى أن نعيش في مكان آخر إلا أن يعاد بناء ما تم تدميره».

وأضاف «نحن ثابتون في أرضنا، ولو أعطونا مال الدنيا، لا يساوي حفنة تراب من أرض فلسطين، وإن حصل ما حصل من إسرائيل من الطائرات أو المدفعية، وحتى لو قتلونا، فإن أبناءنا وأحفادنا سوف يبقون في تلك الأرض ولن يغادروها».

وأوضح الحاج خضر أن القوات الإسرائيلية هدمت منزلين يعودان له ولأبنائه بشكل كامل، وتحولا إلى أثر بعد عين، وكل منزل من ثلاثة طوابق، حيث يسكن هو وزوجته وأبناؤه الخمسة وزوجاتهم وأطفالهم المتفاوتة أعمارهم في خيمتين، الأولى أقيمت فوق أنقاض المنزل وتؤوي النساء، والثانية أقيمت بجواره وتؤوي الرجال.

وقال الحاج أبو زياد خضر الذي عمل أكثر من 30 عاماً مؤذناً وخادماً لمسجد السلام إلى جوار منزله، أن القوات الإسرائيلية داست المسجد، وحولته ثكنة عسكرية خلال الحرب، وقبل أن ينتهي العدوان أزالته عن الأرض.

وكانت حورية جنيد تداعب طفلتها خلود البالغة تسعة أشهر، في محاولة لإدخال الفرحة إلى قلبها، كونها لا تدرك ما يدور حولها، رغم أن الحرب قهرت براءتها، وأجبرتها هي وعائلتها أن تسكن في خيام لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.

وقالت جنيد «بعد أن انتهت الحرب عدنا إلى منزلنا في حي القرم، والذي خرجنا منه بعد أن بدأت تتساقط علينا القذائف في بداية التوغل البري، ولكننا فوجئنا بالمشهد، فجميع المنازل تحولت إلى أنقاض، ولم نجد أي منزل قائم . وعلى الرغم من ذلك أصر زوجي أن نفترش الأرض ونلتحف السماء على أنقاض منزلنا، وهذا ما حدث فعلاً».

وأضافت «وبعد أيام، قدمت إلينا المؤسسات الإغاثية، وأقامت عشرات الخيام لنا، ولكنا لا تكفينا، فعدد أسرتي 11 فرداً، ولدي ثلاث بنات بالغات، ولا يجوز أن يقمن فترة طويلة داخل خيمة يحيطها خيام يسكن بها عائلات كثيرة متعددة».

ولفتت جنيد إلى أن الخيام تفتقر إلى المستلزمات الضرورية من شبكات مياه وكهرباء، وحتى الطعام، حيث يقضي ساكنوها حياتهم على المواد الغذائية المعلبة التي توزعها المؤسسات الإغاثية، ويشعلون النيران ببقايا الأشجار التي جرفتها إسرائيل في أراضيهم، إذا لزمت الضرورة مثل تحضير الحليب للأطفال، والذي يتسلمونه من «الأونروا»، أو لتحضير طعام سريع مثل المعلبات أو الشاي.

الأطفال شاهدون

ويعد الأطفال الفلسطينيون حلقة وصل بين الحكايات التي سمعوها من أجدادهم عن مشاهد نكبة ،1948 والإقامة داخل الخيام بعد أن شردوا من ديارهم، وبين ما شاهدوه على أرض الواقع في ،2009 وذاقوا مرارة القتل والدمار والتشريد، وسيوثقون تلك المشاهد في ذاكرتهم لتبقى على امتداد الأجيال المتعاقبة.

وقالت الطفلة ريم خضر(10 أعوام) «روى لي جدي أنا وأشقائي وأبناء عمي حكايات النكبة قبل 61 عاماً، بكيت كثيراً لما عانوا منه، واشتقت كثيراً إلى أراضينا المحتلة، ولكن اليوم لم أجد من يبكي علي وأن أعيش ذات المشهد، تهدمت منازلنا، ودفنت تحت أنقاضها ملابسنا وحوائجنا، ولم نجد مكاناً نسكن فيه، حيث إن منازل أقاربنا تهدمت، ولم يبق أمامنا إلا الخيام».

وأضافت «وعلى الرغم من أن السكن في داخلها يختلف كثيراً عن منازلنا التي اعتدنا عليها، فإننا لن نخرج منها ولن نغادر منازلنا المدمرة حتى لو امتد ذلك عشرات السنين، حتى يعاد بناؤها ونعود لنسكن فيها».

وهذا ما شدد عليه الفتى هيثم دردونة(15 عاماً)، الذي أكد أنه سيواصل مشواره الدراسي على الرغم من فقدانه لكتبه وزيه المدرسي، جراء دفنها تحت أنقاض منزله، ورغم ما تعرضت له المدارس من قصف جوي ومدفعي.

وقال «قبل أن تهدم منزلنا، كنا نخرج إلى المدارس بعد أن أسرح شعري وأغسل وجهي، وأرتدي الزي المدرسي . اليوم لم أجد أي شيء، وأخرج إلى المدرسة بالملابس التي كنت أرتديها منذ الحرب، فقد طالبنا والدي أن نسكن في الخيمة، وأن نمارس حياتنا منها».

وأضاف أجواء الدراسة تختلف في الخيام تختلف عن المنزل، حيث لا توجد إنارة، وندرس على أضواء الشموع، أو نيران الحطب التي نشعلها من بقايا الأشجار المجرفة، وعلى الرغم من ذلك واصلت مشواري الدراسي».

مخيّم الصمود

وقال بشير خضر، مدير مخيم الصمود في منطقة القرم وحي السلام، والذي أمدته المؤسسات الدولية الإغاثية بالخيام والمساعدات « تهدمت جميع منازل المواطنين في تلك المنطقتين، ولم يجدوا مكاناً يؤويهم، وعلى الرغم من ذلك بقوا هنا، وسكنوا الخيام، إلى جانب منازلهم المدمرة وعلى أنقاضها، وتحول اسم المنطقة إلى مخيم الصمود».

وذكر أن المخيم يضم نحو 100 خيمة تؤوي أكثر من 500 عائلة، وأن هذا العدد لا يكفي الذين تهدمت منازلهم، ما يدفع بأن يبقى الرجال في خيام، والنساء والأطفال في خيام عددها يفوق عدد خيم الآخرين.

وأشار إلى أن المؤسسات الداعمة وفرت مولداً كهربائياً ينير ساحة المخيم من الخارج بالكهرباء لأربع ساعات في الليل، ووفرت خطوط مياه قليلة لا تكفي الجميع، بالإضافة إلى الخيم والفرش، والمواد الغذائية.

طباعة