لا صـواريـــخ لـولا الحصــار

يعتقد مبعوث اللجنة الرباعية إلى الشرق الاوسط توني بلير أن وقف الحرب الدائرة في قطاع غزة يمكن التوصل إليه قريباً عبر المفاوضات، بشرط ان يتم اغلاق الانفاق بين القطاع ومصر والتي يجري عبرها تهريب العديد من المواد ومن بينها السلاح. ومن العار على بلير انه لم يعبر عن طموحه هذا بطريقة مختلفة، حيث من الممكن أن يكون التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار سريع المنال لو أن الاقنية الشرعية لادخال جميع البضائع الى غزة، باستثناء السلاح، تم فتحها فوراً. ولكن مثل هذا الاقتراح يمكن ان يكون محرجاً بالنسبة لموقف اسرائيل الذي تصدره للعالم باعتبارها مكرهة على شن هذه الحرب، وانها تقصد منها الدفاع عن النفس فحسب. وقد تقبل المجتمع الدولي برمته تبريرات اسرائيل لهجومها على غزة لدرجة ان جميع الناطقين الرسميين كانوا حذرين لعدم الاشارة الى اي من الافعال الاسرائيلية باعتبارها استفزازية، مثل قيامها بخنق قطاع غزة المكتظ بالسكان لمدة وصلت الى 18 شهراً.

ويبدو المؤيدون لأفعال اسرائيل مولعين بتكرار تبريراتها لهذا الهجوم. فمن الذي يمكن ان يتحمل الهجمات الصاروخية من جيرانه، حسبما اعتادوا ترديده. ويشيرون الى انه ليس هناك أحد فعلاً. ومن المقبول ان اسرائيل لها الحق في حماية نفسها، غير ان قلة يعترفون بلا احتجاج انه ثمة حصار شديد تنفذه دولة على غزة أيضاً، رغم أنه ليس هناك قائد غربي يمكن أن يطرح هذا التساؤل الوثيق الصلة بهذه الحرب بصورة جدية.

ومن جهة أخرى، فإن بلير يوحي بأنه من أجل الحصول على وقف الحرب، يتعين على قيادة حركة حماس في غزة ان تثبت بأنها مستعدة لقبول الحصار، وفي الوقت ذاته تحجم عن اطلاق الصواريخ. وفي الحقيقة فإن حماس لا تستورد السلاح فقط عبر انفاق مصر. وانما تستورد كل شيء بدءاً من المواشي الى الامدادات الطبية، اي نحو 90% من البضائع التي تدخل الى القطاع.

ومن الناحية السياسية، فإن حماس تتمتع بالشعبية ليس بسبب رفضها ترك الكفاح المسلح والاعتراف باسرائيل فقط، وإنما لأنها تقدم دعماً اجتماعياً على نحو أكثر فاعلية من الجماعات الاخرى. وحتى اثناء الحصار كانت حماس تجد الطرق الكفيلة بتخفيف اثار السياسة الاسرائيلية على سكان غزة. ويرى البعض ان هذا الحصار يشكل عقوبة جماعية لأنه يضيق على حياة السكان العاديين في غزة، وبالتالي يقوض قدرة حماس على حكم القطاع.

ويشغل المجتمع الدولي نفسه، على نحو متزايد، بإدارة الازمة في الصراع بين الفلسطينيين واسرائيل، وتعتبر خطة بلير مثالاً واضحاً على ذلك. ويمكن القول إن النظر الى بلير باعتباره احد عرّابي وقف الصراع يعتبر امراً طيباً، لكن الاستعداد لقبول وصقل نظام من شأنه ان يجعل مليوناً ونصف المليون من البشر محبوسين لتحقيق هذا الوقف، ليس استراتيجية تضمن وجود استقرار على المدى البعيد. ومن الواضح ان حرب اسرائيل ضد حماس برمتها وليس ضد صواريخها فقط، والهجوم الاسرائيلي والحصار مرتبطان مع بعضهما.

ويدرك بلير ان الاعمال العسكرية الحالية والحصار البعيد الامد مرتبطان حتى وان كان حذراً في عدم اظهار مثل هذا الربط الذي يظهر اسرائيل عدوانية. ومع ذلك فإنه يوافق على هذا العدوان لأنه مهتم فقط في التعامل مع الحصار بطريقة تجلب الضرر لحماس. ومع ذلك فثمة طريقة سهلة لانجاز ذلك تتمثل في منح الحقوق ذاتها لحماس التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية في رام الله، طالما يجري احترام وقف إطلاق النار.

ولذلك يجب فك الحصار باستثناء ادخال الاسلحة. وليس من العقلانية مهاجمة غزة لأنها لم تحترم التهدئة التي لم تأتِ عليها بأي فائدة، وانما المزيد من الآلام. ومن غير العقلاني تقويض الخيارات الديمقراطية التي قام بها الشعب الفلسطيني لأننا لم نعجب بها. ومن غير العقلاني ان ندمر حماس واعمالها الاجتماعية باعتبارها المدير الذي تم انتخابه، لأننا نخشى ان هذا يمكن ان يزيد من شعبيتها كجماعة مناهضة للصهيونية. نعم يجب ان تتوقف الصواريخ، وكذلك الحصار أيضاً.

عن «الإندبندنت»

طباعة