2008 عام النكسات والفشل في دارفور

البشير دعا إلى نزع أسلحة الميليشيات. أ.ف.ب ـ أرشيفية

شهدت بدايات ونهايات عام 2008 سلسلة نكسات وتراجعات في ملف السلام السوداني، خصوصاً في دارفور مما جعل الوضع في الإقليم أخطر من اي وقت مضى في ظل التناحر والخلافات بين الحكومة السودانية وحركات التمرد، اضافة الى عجز قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام التي تفتقد  الى العدة والعتاد اللازمين عن حماية المدنيين، وأخيراً طالب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو  باصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم بحق الإنسانية في دارفور، وهو الاتهام الذي أثار ردود فعل متباينة وواسعة النطاق داخلياً وخارجياً. وشهد العام المنصرم توتراً بين شريكي الحكم حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية. هدد اتفاق السلام الشامل الموقع بينهما الذي وضع حداً للحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، ووقعت اشتباكات بين قوات الجانبين أحدثها في مايو الماضي بسبب بلدة ابيي الغنية بالنفط التي يطالب كلاهما بأحقيته بها. وكان الحدث الأكبر الذي تميز به عام 2008 هو محاولة غزو الخرطوم التي قامت بها حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور، واستطاعت لأول مرة في تاريخ الصراع المسلح من دخول العاصمة واشتباكها مع القوات الحكومية قبل ان تهزم وتتراجع مخلفة العديد من القتلى والجرحى والكثير من علامات الاستفهام والأسئلة حول محاولتها غير المسبوقة ووصولها الى قلب العاصمة القومية.

على صعيد حفظ السلام في دارفور تبدد الأمل بأن تتمكن الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي من خلال نشر قوة مشتركة من احلال قدر من الاستقرار في هذه المنطقة الواقعة غرب السودان، والتي تشهد حربا اهلية مستمرة منذ عام .2003 وبعدما كان من المفترض ان تصبح هذه القوة المشتركة اكبر بعثة سلام للأمم المتحدة في العالم وأن يصل عديدها الى 26 الفاً، لم تكن تعد في نهاية نوفمبر سوى 12 الفاً و163 جندياً وشرطياً على الأرض.

وفي تقريره الأخير اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ان القوة الدولية لحفظ السلام لاتزال تواجه «تحديات هائلة». وقال إن «اعمال العنف وعمليات ترحيل السكان متواصلة والنشاطات الانسانية تواجه خطراً والمواجهات بين الأطراف متواصلة بشكل متواتر والأطراف لم تتوصل بعد الى اتفاق سلام بالتفاوض». وجدد «دعوته الى الجهات القادرة على توفير الإمكانات الأساسية للبعثة من اجل ان تقوم بذلك من دون ابطاء»، مبدياً اسفه لعدم توافر مروحيات للقيام بدوريات في هذه المنطقة الشاسعة. وكان تشكيل القوة المشتركة التي اقرها مجلس الأمن قد بدأ مطلع يناير الماضي، وتضم 26 الف جندي وشرطي. ويصطدم انتشارها بصعوبات كبيرة تُعزى الى نقص التعاون من الحكومة السودانية، وتعرضها لهجمات دامية.

يتعرض الناشطون الانسانيون يومياً لهجمات المتمردين واللصوص. وقد ارغمهم انعدام الأمن على الطرقات وكلفة النقل الجوي الباهظة على خفض المساعدات الغذائية. وقتل 11 ناشطاً انسانياً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2008، وتقول الأمم المتحدة إنها لم تتمكن من الوصول الى اكثر من 65% من أراضي دارفور.

أما القوة المشتركة الدولية الإفريقية، فقد فقدت 11 من جنودها منذ بدء عملياتها في ديسمبر 2007، بينهم سبعة سقطوا في كمين في يوليو. غير أن الأمل مازال قائماً بتشكيل قوة مشتركة مجهزة بمزيد من الوسائل والموارد خلال عام .2009

وكان السودان في بادئ الأمر متحفظاً على هذه القوة، لكنه تراجع وأصبح يتعاون معها تمهيداً لانتشارها الكامل، وسيرت دوريات بشكل منتظم في بعض المناطق ساعدت على احلال الأمن وساعدت المدنيين على الوصول الى العاملين الإنسانيين.

وظهرت بوادر تقدم ولو ضعيفة في الجهود المتعثرة من اجل تسوية النزاع مع تعيين وسيط دولي جديد لدارفور. وباشر في نهاية اعسطس الماضي المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي (وزير الشؤون الخارجية البوركيني السابق والضابط العسكرى البارز) جبريل باسولي مهمته الدبلوماسية كرئيس للبعثة المشتركة للتوسط لإيجاد حل سياسي في دارفور، وقاد الوسيط الجديد  الجهود للتعامل مع الأزمة بعد أن حل محل الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية السابق سالم أحمد سالم، ومبعوث الأمم المتحدة يان إلياسون.

وأعلن الرئيس السوداني وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار في دارفور، ودعا الى نزع اسلحة الميليشيات في المنطقة شرط وضع آلية إشراف فعالة مع مراقبة من كل الأطراف المعنية. وجاءت دعوة البشير بعدما استمع الى التوصيات النهائية لمبادرة اهل السودان للسلام في دارفور التي اطلقها النظام السوداني، ومن شأنها توفير اساس لمؤتمر مصالحة اقترحت استضافته قطر.

وأدى النزاع المستمر منذ 2003 في دارفور الى مقتل نحو 300 الف شخص ونزوح 2.7 مليون من المنطقة بحسب ارقام الأمم المتحدة. غير ان الخرطوم لا تقر سوى بسقوط 10 آلاف قتيل. كما تفيد الأمم المتحدة بأن 4.7 ملايين شخص يعتمدون على المساعدات الإنسانية في دارفور من اصل عدد سكاني قدره ستة ملايين.

اتهامات أوكامبو للبشير.. أزمة مفتوحة

في اخطر تطور وتصعيد شهده عام 2008 طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في يوليو الماضي من قضاة المحكمة اصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم بحق الانسانية في دارفور، حيث تقدر منظمة الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو 300 الف بسبب النزاع بين الحكومة وحركات التمرد والمجاعات وأعمال العنف الناجمة عنه. في حين تؤكد الخرطوم ان العدد لا يتجاوز الـ10 آلاف.

وتحولت قضية الرئيس البشير الى «أزمة» مفتوحة مع النظام الدولي مثلها مثل كثير من القضايا المتراكمة على أرفف مجلس الأمن الدولي، حيث كرر مدعي المحكمة الجنائية الدولية من داخله توجيه التهم الى الحكومة السودانية بمواصلة ارتكاب جرائم ضد الانسانية في دارفور، وعدم التعاون مع المحكمة. وقال اوكامبو في مداخلة امام  مجلس الأمن إن «الإبادة مستمرة. الاغتصابات داخل وحول مخيمات (اللاجئين) مستمرة. عرقلة ايصال المساعدات الانسانية مستمرة. اكثر من 5000 لاجئ يموتون كل شهر». وطلب أوكامبو من اعضاء مجلس الأمن الدولي الـ15 الاستعداد، كما قال احتمال ان يصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية قريباً مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير.

وقال اوكامبو لمجلس الأمن ان القضاة «سيتخذون قرارهم قريباً بشأن الطلب. حان الوقت للاستعداد لذلك». وأضاف لاحقاً امام الصحافيين انه «من الضروري ان يكون مجلس الأمن مستعداً لتطبيق القرار قريباً»، مبديا ثقته باستجابة القضاة لطلبه. وأعرب مورينو اوكامبو في طلبه ايضا عن الأسف لأن الخرطوم لم تسلم المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن سودانيين اثنين متهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في دارفور، هما وزير الشؤون الانسانية السابق احمد هارون وزعيم ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة علي كشيب حيث اصدرت المحكمة الجنائية في مايو 2007 مذكرات توقيف بحقهما. ويرفض الرئيس البشير تسليمهما لأن السودان ليس طرفاً في المحكمة الجنائية، وبالتالي لا يعترف بصلاحيتها.

وطالب أوكامبو فرنسا وبقية اعضاء مجلس الأمن بأن تكون مواقفها «منسجمة» مع قراراتها في ما يتعلق بالأزمة في دارفور، وإلى العمل بشكل يؤدي الى احالة الرئيس السوداني الى المحكمة. وقال «على الدول، خصوصاً الأعضاء في مجلس الأمن ابداء مزيد من الانسجام مع مواقفها. لابد من احالة البشير الى القضاء». وجاء النداء الصادر عن مدعي المحكمة الجنائية بعد دعوة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الرئيس السوداني الى القيام بـ«خياره» لأن «مستقبله بين يديه» وإلى تسليم الأشخاص المطلوبين الى المحكمة الدولية.

كردفان وأبيي ولعنة الثروات

اثار نشر الحكومة السودانية قوات من الجيش في ولاية جنوب كردفان المجاورة لدارفور في الأشهر الأخيرة من العام المنصرم، بحجة وقف محاولات محمومة من متمردي حركة العدل والمساواة الدارفورية لنقل أنشطتهم الى الولاية  توترات في الولاية الغنية بمصادر الطاقة، حيث توجد فيها حقول نفط رئيسة وهي متاخمة لبعض من أكثر المناطق حساسية في السودان، بما في ذلك منطقة غرب دارفور وجنوب السودان وبلدة ابيي المتنازع عليها. وحركة العدل والمساواة وهي الحركة التي كانت  تحارب في ولاية جنوب كردفان قبل ذلك، وقالت مرارا انها تريد أن تتخطى بصراعها مع الحكومة منطقة دارفور الى المناطق التي تعتبرها مناطق أخرى مهمشة.

وجاء الإعلان عن نشر قوات بعد اتهام مسؤولين في جنوب السودان المتمتع بحكم شبه ذاتي الشمال بحشد قوة كبيرة في ولاية جنوب كردفان. واعتبر مسؤول من الجنوب ان نشر كتائب جديدة من قوات الشمال يمثل انتهاكاً لبنود الدستور واتفاق السلام الذي جرى التوصل اليه عام 2005، والذي أنهى نحو 20 عاماً من الحرب الأهلية.

وكردفان وهي واحدة بين ثلاث «مناطق انتقالية» تتاخم الجنوب، حيث أيدت قطاعات كبيرة من السكان متمردي الجنوب خلال الحرب. وقالت المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات في أكتوبر إن اتفاق سلام عام 2005 معرض للخطر في جنوب كردفان التي تحتوي على «الكثير من العناصر نفسها» التي أشعلت الصراع في منطقة دارفور المجاورة.

وشهد العام المنصرم ايضاً فرار آلاف المدنيين من مدينة ابيي الواقعة في منطقة نفطية متنازع عليها بعد  المواجهات الأخيرة بين عناصر من الشرطة، وجنود من الوحدات المشتركة. كلفت هذه الوحدات التي تضم قوات من الجيش السوداني ومتمردين جنوبيين سابقين في الحركة الشعبية، ارساء الأمن في هذه المنطقة، حيث أدت معارك عنيفة في مايو الماضي الى مخاوف من تجدد  الحرب الأهلية.

محاولة غزو الخرطوم  

في مايو الماضي شنت حركة العدل والمساواة هجوماً على مدينة ام درمان، وكانت هذه المرة الأولى التي يقترب فيها متمردون من مقعد السلطة في الخرطوم. وعلى الرغم من إعلان الحكومة السودانية دحر المتمردين الذين تسللوا ولأول مرة إلى العاصمة المثلثة، فإن التساؤلات التي طرحتها محاولة الغزو  تدور حول نوايا وخطط حركة العدل والمساواة من وراء نقل ساحة المعارك خارج دارفور لتصل إلى قلب العاصمة، وهل كانت مجرد مغامرة غير محسوبة العواقب، كما وصفها البعض ام اختراق احرج الحكومة المركزية. 

لقد كشفت  محاولة حركة العدل والمساواة  وجود نقاط ضعف سهلت حدوث اختراق لجدار أمن الخرطوم  وعجز استخباراتي داخل المؤسسة العسكرية السودانية، اذ كيف لمجموعة من الحافلات تصل إلى الـ100 بما تحمله من مقاتلين وأسلحة تنجح في عبور مسافة طويلة داخل السودان تمتد من كردفان ليصلوا في نهاية المطاف إلى الخرطوم التي كانت دائما بمنأى عن الصراعات والحروب الأهلية الطويلة التي عانت منها البلاد. 

وحسب التقديرات الحكومية فإن نحو 400 من قوات العدل والمساواة قتلوا في المعارك التي دارت رحاها في أم درمان، فضلاً عن اعتقال المئات منهم، وذلك مقابل 100 فرد قتلوا من بين صفوف القوات الحكومية. 
ولعل الملاحظة الأولى المرتبطة بنتائج الهجوم على العاصمة أوجدت تأييداً لحكومة البشير وخصما سلبيا من رصيد القضية الدارفورية. 

و حرصت جميع القوى السياسية الرئيسة وعلى رأسها حكومة الجنوب برئاسة نائب رئيس الجمهورية سلفا كير، وزعيم حزب الأمة الصادق المهدي وزعيم حزب الاتحاد الديمقراطي محمد عثمان الميرغني، وباستثناء حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي الذي أحجم عن إدانة هجوم حركة العدل والمساواة.

 

لمشاهدة المزيد من الصور يرجى الضغط على أيقونة معرض الصور معرض الصورالموجودة في الأعلى.

طباعة