مسؤولون بريطانيون يبالغون في التحذير من حرب محتملة مع روسيا
قال وزير الدفاع البريطاني، ويس ستريتينغ، مؤخراً: «إن المملكة المتحدة أمامها 1000 يوم لتكون جاهزة مع حلفائنا للقتال والفوز».
والعدو واضح: روسيا. ولكن المشكلة هي أن لندن لا تملك المال اللازم للقتال، والناس العاديون غير مهتمين بالأمر.
هذا التذكير الأخير بأن الحرب مع أعدائنا وشيكة هو تذكير غامض وغير محدد، وبصراحة مُمل.
وكما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل نحو عام: «نادراً ما يمر أسبوع الآن دون أن يلقي رئيس حكومة أو قائد عسكري أو أمني أوروبي خطاباً قاتماً يحذر فيه الجمهور من أنهم يتجهون نحو حرب محتملة مع روسيا».
وستريتينغ، هو ببساطة أحدث من انضم إلى هذا المجموعة. وفي وقت سابق من شهر أكتوبر، نصح الوزير، الشعب البريطاني بتخزين الأطعمة المُعلبة والمياه المعبأة في زجاجات تحسباً لحالة طوارئ، وهو اقتراح كرره منذ ذلك الحين. ومع ذلك، هناك فجوة متزايدة بين خطاب الاستعداد للحرب هذا وواقع المالية العامة في بريطانيا. ومن الواضح أن الحكومة لا تملك سوى هامش مالي ضئيل لزيادة الإنفاق الدفاعي بسرعة، ليصل إلى هدف حلف شمال الأطلسي «الناتو» البالغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وفي بيانه السنوي حول الميزانية، الأسبوع الماضي، قال وزير الخزانة، جون هيلي، والذي تولى سابقاً منصب وزير الدفاع، إن الهدف البالغ 3% سيتم بلوغه «في الدورة البرلمانية المقبلة»، وهو ما قد لا يتحقق قبل عام 2034. وتشير خطط الإنفاق الحالية إلى أن الإنفاق الدفاعي في المملكة المتحدة لن يتجاوز 2.7% خلال هذا العقد.
ولا يمكننا تحمل تكاليف توسيع جيشنا الذي يبلغ قوامه 73.5 ألف جندي، وهو بالفعل في أدنى مستوى له منذ عام 1823، وفقاً لبيانات وزارة الدفاع.
ويوجد أكثر من 700 ألف جندي روسي في أوكرانيا وحدها. وعندما انطلقت المناقشات في مارس 2025 حول قوة حفظ سلام لأوكرانيا، اعتُبرت القوات المسلحة البريطانية «مثقلة بالأعباء» لدرجة لا تسمح لها بالمساهمة دون تقليص عملياتها في أماكن أخرى. وأخبرني نائب بريطاني وعضو في لجنة الدفاع البرلمانية البريطانية أننا سنواجه صعوبة في إرسال 10 آلاف جندي إلى الميدان.
ومع ذلك، يبدو أن حملة منسقة جارية لتليين موقف البريطانيين تجاه القتال. وفي نهاية الأسبوع الماضي، نشرت مجلة «ذا سبيكتاتور» مقالاً يدعو إلى إعادة فرض الخدمة الوطنية الإلزامية لمن يبلغون 18 عاماً.
وكتب تيد جيفري، «ما نحتاجه هو شعب مرن وقوي وقادر، مستعد للأوقات الصعبة المقبلة. وليس بلداً يضم 10 ملايين شخص في سن العمل يتلقون إعانات».
لا أحد يتحدث عن كيفية تمويل مخططات كهذه، إلا عن طريق خفض الإعانات. وهنا يكمن خط الصدع بين «الأسلحة» و«الغذاء» في النقاش السياسي البريطاني، وهو ما يمكنك ملاحظته أيضاً في ألمانيا وفرنسا.
ويجب على الدولة أن تقلص الخدمات العامة مثل الرعاية الاجتماعية، وأن تنفق الأموال بدلاً من ذلك على الدفاع والاستعداد للحرب.
فالاحتجاجات وأعمال الشغب التي هزت فرنسا، لا تنبع من مخاوف بشأن خطر اندلاع حرب، بل من تدهور النظام التعليمي.
كما شهدت نهاية الأسبوع الماضي أعمال شغب في أنحاء ألمانيا بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. ويساعد اقتراح وزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك، بأنها ستدعم أوكرانيا «بغض النظر عن رأي الناخبين» في تفسير سبب توجُّه أعداد متزايدة من الألمان إلى أحزاب مثل «البديل من أجل ألمانيا» المتطرف.
فالسياسة الخارجية تبدأ وتنتهي في الداخل، ولا يقضي الناس العاديون سوى القليل من الوقت في التفكير في السياسة الخارجية، ويفترضون أن حكوماتهم ستركز على الشؤون الداخلية.
وهذا يمنح القادة المنتخبين مجالاً واسعاً للتألق على الساحة العالمية في ظل لا مبالاة الرأي العام. ومع ذلك، فإنه لا يمنحهم حرية مطلقة في إعطاء الأولوية للقضايا الخارجية.
وفي بريطانيا، لا يبدو أن الجمهور مهتم بأي شكل من الأشكال بخوض حرب خارجية.
فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «إيبسوس»، مؤخراً، أن 48% من البريطانيين لن يوافقوا على القتال «تحت أي ظرف من الظروف»، في حين أن 36% فقط قد يكونون مستعدين لذلك.
وبالفعل، كانت الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام هي أن الفئة العمرية الأكثر استعداداً، هي ممن تجاوزوا 55 عاماً. وقد تحين الفرصة لهذه الفئة، حيث أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي أنها قامت بتحديث سياساتها، وقررت أنه يمكن إعادة تجنيد الاحتياطيين حتى سن 65 عاماً، «لتعزيز جاهزية المملكة المتحدة في ظل استمرار تزايد التهديدات العالمية».
كما أشار استطلاع عام 2026، الذي أجرته «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» إلى أن 52% من البريطانيين لن يكونوا مستعدين للقتال، و58% لن يكونوا قادرين على ذلك، مع ميل مماثل نحو الجيل الأكبر سناً.
وقد بذلت الحكومة بعض الجهود لإقناع مواطنيها بتغيير رأيهم. وفي أواخر أكتوبر حذّر قائد الجيش، رولاند ووكر، من أن «مواطنينا يجب أن يوافقوا على تقديم التضحيات لإعطاء الأولوية للدفاع والأمن».
ويأتي هذا في أعقاب التصريحات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على قناة «جي بي نيوز»، والتي دعا فيها إلى إسكات الأصوات الموالية لروسيا (أي المؤيدة للسلام) وإلى فرض التجنيد الإجباري.
كان هذا الأخير مجرد كلام فارغ. أما الأول، فهو تحريض من ضابط عسكري في الخدمة على تطبيق التجنيد الإجباري. وقد انتهز المؤرخ بيتر هيتشنز هذه الفرصة، فكتب أنه ليس من شأن الضباط العسكريين في الخدمة «أن يطرحوا حجة التضحيات على الناخبين. كما أنه ليس من شأنه أن يطلب من السياسيين شرح ذلك للجمهور». وأنا أتفق معه تماماً.
ولا يشرح الوزراء والمحللون البريطانيون أبداً أين قد نواجه الروس في المعركة، بعد أن يتم تجنيدنا قسراً وارتداء الزي العسكري.
وأي شخص يعتقد أنهم سيتقدمون بسهولة عبر أوروبا ويقطعون القناة ليواجهونا هنا لابد أنه خيالي. وهذا يعني إما أن ندخل أوكرانيا، وهو ما تجنبناه بشدة منذ عام 2014، أو أن نرسل قواتنا إلى دولة من دول حلف «الناتو» تتعرض للهجوم، على الرغم من عدم وجود أدلة على أن روسيا لديها أي نية لشن مثل هذه العملية.
والنهج الأكثر مصداقية والأقل تكلفة والأقل خطورة هو اللجوء إلى الدبلوماسية لوضع حد للصراع، بدلاً من السماح له بالتفاقم والتدهور.
ورغم أن الحكومة فقيرة للغاية بحيث لا تستطيع توسيع الجيش، ورغم أن السكان غير راغبين في القتال، فإن بريطانيا لاتزال تتمسك برفضها للحوار والانخراط في الدبلوماسية.
وفي الاجتماع الأخير لوزراء خارجية مجموعة الـ20، الذي عُقد في أتلانتا، استغل وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، وهو يقف بجانب وزير الخارجية، البولندي، راديك سيكورسكي، الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة، الجلسة العامة لانتقاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بشدة وإعلان أن «روسيا لا تكسب الحرب».
وأُلغيت الصورة الجماعية المُخطط لها، التي يقف فيها الوزراء جميعاً معاً، لأن البريطانيين والأوروبيين لم يرغبوا في الظهور في الصورة مع لافروف. وهذا دليل آخر، للأسف، على أن إدارة شؤون الدولة في بريطانيا وأوروبا اليوم تشبه مجموعة من الأطفال في العاشرة من عمرهم يتشاجرون في فناء المدرسة. *إيان براود *كاتب ومستشار اقتصادي بريطاني عن «ريسبونسبل ستيتكرافت»
• فجوة متزايدة بين خطاب الاستعداد للحرب وواقع المالية العامة ببريطانيا. وهناك هامش ضئيل لزيادة الإنفاق الدفاعي، إلى هدف «الناتو» البالغ 3.5% من الناتج المحلي بحلول 2035.