استمرار التقارب بين اليابان وكوريا الجنوبية يصطدم بعقدة التاريخ

تشهد العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية تحسناً ملحوظاً، فبعد عقد اتسم بكونه من أكثر الفترات توتراً منذ تطبيع العلاقات بين البلدين، يبدو أن سيؤول وطوكيو قد بدأتا تنحية خلافاتهما جانباً، لتدخلا مرحلة جديدة تتميز بتعاون أوثق ومبادرات دبلوماسية أكثر نشاطاً.

وفي ظل قيادة كل من رئيس الحكومة الياباني السابق، فوميو كيشيدا، ورئيس كوريا الجنوبية السابق، يون سوك يول، وقّع البلدان اتفاقاً مع الولايات المتحدة، في عام 2023، خلال قمة «كامب ديفيد»، لتعزيز التعاون الأمني الثلاثي.

واليوم، ومع بروز شخصيات مثل رئيسة الحكومة اليابانية الحالية ساناي تاكايتشي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، عادت «الدبلوماسية المكوكية» إلى الواجهة، حيث حلت الكلمات الودية والوعود بتعميق التعاون محل الخطاب العدائي الذي ساد في السابق.

وعلى الرغم من ذلك فقد شهدنا مثل هذه التحولات من قبل، فعلى الرغم من أن العلاقات بين هاتين الدولتين الجارتين في شرق آسيا ظلت مضطربة منذ تطبيعها عام 1965، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى خلافات مستمرة حول تاريخ الحكم الاستعماري الياباني لكوريا بين عامَي 1910 و1945، فإن التاريخ يظهر فترات سابقة شهدت تحسناً مماثلاً.

وعلى سبيل المثال، ومع مطلع الألفية الجديدة، حدث تعاون ثنائي كبير، نتج عنه «الإعلان المشترك» لعام 1998 في عهد رئيس كوريا الجنوبية السابق كيم داي جونغ، ورئيس حكومة اليابان السابق أوبوتشي كيزو، إضافة إلى الاستضافة المشتركة لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2002.

الهوية الوطنية

ويطرح هذا تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن للتقارب بين اليابان وكوريا الجنوبية أن يستمر هذه المرة؟ وهنا يختلف الباحثون في العلاقات الدولية حول العوامل الرئيسة التي تحرك سلوك الدول، فالبعض يركز على ما يعتبرونه سمات جوهرية للنظام الدولي كتوزيع القوى، والتحالفات، وطبيعة نظام الحكم، والتي تدفع الدول نحو تبني مصلحة وطنية أو استراتيجية «عقلانية»، فيما يركز آخرون على عوامل عرضية يتم تشكيلها اجتماعياً، مثل مفاهيم الهوية الوطنية، التي تصوغ سلوك الدول بطرق قد تفاجئ المراقبين.

وقد رجحت كفة هذا المنظور الأخير في التحليلات المتعلقة بالعلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية، وعلى الرغم من كون الدولتين ديمقراطيتين ليبراليتين وحليفتين إقليميتين رئيستين للولايات المتحدة، وهو ما قد يوحي بوجود ميل قوي نحو تعاون وثيق، لاسيما في المجال الأمني، فإن سيؤول وطوكيو عجزتا عن بناء تحالف من هذا النوع، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى الممارسات المتضاربة في تناول ذكريات أو «نسيان» تاريخ الاستعمار الياباني للمنطقة، وهي ممارسات تشكل عناصر جوهرية في الهوية الوطنية لكل من البلدين، وأدى ذلك إلى جعل التعاون خصوصاً التعاون الأمني خياراً أقل «عقلانية» بكثير في نظر الكثير من الكوريين واليابانيين.

تهديدات أمنية

وفيما يركز جانب كبير من التغطية الإعلامية الحالية لتحسن العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية على أطر «المصلحة الاستراتيجية العقلانية»، فإنه يقال لنا على وجه الخصوص إن هذا التقارب ينبع إلى حد كبير من تهديدات أمنية مشتركة مصدرها الصين وكوريا الشمالية، ومن حالة عدم اليقين بشأن دعم الولايات المتحدة خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترامب.

وقد تكون هذه العوامل دافعة بالفعل لتقريب اليابان وكوريا الجنوبية من بعضهما إلى حد ما، غير أنها ليست عوامل جديدة، بل إن العلاقات بين سيؤول وطوكيو وصلت إلى أدنى مستوياتها في عهد الرئيس الكوري الجنوبي السابق مون جاي إن، ورئيس الحكومة الياباني السابق شينزو آبي، خلال فترة الإدارة الأولى لترامب، حين ألمح الأخير مراراً إلى أن واشنطن حليف لا يمكن الاعتماد عليه.

وعلى الرغم من أن هذه هي الدوافع المفترضة للتعاون الاستراتيجي فإن ما كان يعيد العلاقة مراراً وتكراراً إلى أجواء التوتر والخلاف هو تلك الاحتكاكات الكامنة المرتبطة بالهوية وتاريخ الإمبريالية اليابانية، حيث تطفو هذه القضايا على السطح وتعمل كعائق أمام أي تقارب.

وبناء عليه هل يختلف الوضع هذه المرة؟ بمعنى آخر هل نشهد الآن تحولاً كافياً في مفاهيم الهوية الوطنية يسمح بتعاون أعمق وأكثر استدامة بين طوكيو وسيؤول؟

تحول ملحوظ

وتعد استطلاعات الرأي إحدى الأدوات لقياس مثل هذه التحولات، حيث يبدو أن التصور العام في كل من البلدين قد شهد تحولاً ملحوظاً.

وعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع للرأي أجراه «معهد شرق آسيا» في كوريا الجنوبية في يوليو 2026 أن 54% من الكوريين الجنوبيين بات لديهم الآن نظرة إيجابية تجاه اليابان، وهي النسبة الأعلى منذ بدء إجراء هذا الاستطلاع في عام 2013.

وكشف الاستطلاع ذاته أن نسبة اليابانيين الذين يحملون نظرة إيجابية تجاه كوريا الجنوبية بلغت 35%، وهي نسبة تظل مع ذلك أعلى بأكثر من 10 نقاط مئوية مقارنة بنتائج استطلاع العام السابق.

وفي المقابل، تظهر استطلاعات الرأي التي تتناول تحديداً المواقف تجاه تاريخ الإمبريالية اليابانية مدى صعوبة العقبات القائمة، فعلى سبيل المثال كشف استطلاع مشترك أجرته صحيفتا «أساهي شيمبون» اليابانية و«دونغ - آ إيلبو» الكورية الجنوبية في يونيو 2025 أن 80% من الكوريين الجنوبيين يرون أن القضايا التاريخية بين البلدين لاتزال «من دون حل»، بينما يعتقد 85% منهم أن اليابان لم تقدم «اعتذاراً كافياً»، وهي نسب تشكل أغلبية ساحقة.

تغيير جذري

وقد ينجم مثل هذا الحدث عن ظروف خارجة عن سيطرة اليابان وكوريا الجنوبية، أو قد ينتج عن تصرفات ساناي تاكايتشي، ولي جاي ميونغ، نفسيهما أو حساباتهما السياسية، حيث إن أيديولوجياتهما السياسية الجوهرية وقواعدهما الشعبية تبدو في حالة تنافر مع الطابع الإيجابي الذي اتسمت به علاقتهما حتى الآن.

ولطالما عرف لي سابقاً بكونه من أشد المنتقدين لموقف اليابان من ماضيها، في حين تتبنى تاكايتشي نزعة مراجعة للتاريخ، حيث دأبت قبل توليها منصب رئاسة الوزراء في اليابان على زيارة ضريح «ياسوكوني» في طوكيو، وهو موقع يثير جدلاً واسعاً، وفي الواقع فإن استمرار الصعوبات بين اليابان وكوريا الجنوبية على المدى الطويل ليس قدراً محتوماً، فمن الممكن تماماً، خلال العقود المقبلة، أن يطور البلدان علاقة صداقة وتعاون عميق ومستدام في شتى المجالات، بما في ذلك الجانب الأمني.

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن المصالح الاستراتيجية والضغوط الجيوسياسية وحدها كفيلة بضمان مسار كهذا، فمثل هذا التحول في العلاقات يتطلب تغييراً جذرياً في كيفية رؤية كل طرف لنفسه وللطرف الآخر في ظل تاريخهما المعقد.

وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى إمكانية حدوث مثل هذا التحول فإننا بحاجة إلى رؤية مؤشرات إيجابية متبادلة تتصاعد وتظل مرتفعة لفترة طويلة قبل أن نتمكن من الحديث عن احتمالية قيام علاقات أفضل ومستدامة بين البلدين.  كريس ديكون*    *أستاذ في جامعة لندن   عن «أيجا تايمز»

عداوات كامنة

تشير استطلاعات «معهد شرق آسيا» إلى أن اليابانيين والكوريين الجنوبيين باتوا قادرين، بشكل متزايد، على تنحية القضايا التاريخية جانباً، مع تبني نظرة أكثر إيجابية تجاه بعضهم بعضاً، لكن نتائج الاستطلاعات قد تعكس في الوقت نفسه تحسناً سطحياً ومؤقتاً في الآراء المتبادلة، وهو تحسن يمكن أن تقضي عليه العداوات الكامنة بين البلدين، إذا ما ظهر حدث ما يعيدها إلى الواجهة.

• التحولات في المواقف الشعبية، والحراك الدبلوماسي المتجدد، بين اليابان وكوريا الجنوبية، يعززان استمرار التقارب.

• %80 من الكوريين الجنوبيين يرون أن القضايا التاريخية مع اليابان لاتزال «من دون حل».

الأكثر مشاركة