توقعات بتضاعف الطلب العالمي على المعادن الحيوية بحلول 2040. رويترز

التنافس على المعادن الحيوية يضع الدول المنتجة أمام تحديات اقتصادية وبيئية

ربما كان الترابط أحد الموضوعات الرئيسة التي طرحت خلال الاجتماع السنوي لهذا العام للمنتدى الحكومي الدولي، المعني بالتعدين والمعادن والتنمية المستدامة، الذي عقد في جنيف، خلال الفترة من 12 إلى 14 أكتوبر الماضي، إلا أن المنافسة بين الدول على تأمين المعادن الحيوية لاتزال شديدة.

وقد يكون لهذا التنافس عواقب وخيمة على البلدان المنتجة للمعادن إذا أدى إلى تقويض معايير الاستدامة ومنع التقاسم العادل للتكاليف والمنافع بين البلدان.

وأفادت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «التوقعات العالمية للمعادن الحيوية لعام 2026»، بأنه من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على المعادن الحيوية تقريباً بحلول عام 2040 وفقاً لسيناريو السياسات المعلنة، وقالت الوكالة: «تسعى الدول الغنية بالمعادن، إدراكاً منها للحاجة الماسة للموارد إلى إيجاد سبل للاحتفاظ بالسيطرة على احتياطياتها».

وفي محاولة لتعزيز القيمة المضافة المحلية وتحقيق أهدافها في مجال التنمية الاقتصادية، تسعى العديد من تلك الدول إلى فرض حظر على تصدير المواد الخام الحيوية.

لكن تجربة إندونيسيا، باعتبارها واحدة من أوائل الدول التي نفذت مثل هذا الحظر، تظهر أن التصنيع في مراحل ما بعد الاستخراج ليس حلاً سحرياً، فقد يترتب عليه تكاليف بيئية واجتماعية باهظة، ولا يتم دائماً تقاسم الفوائد بشكل عادل مع المجتمعات المحلية التي غالباً ما تتحمل العبء الأكبر من عمليات الاستخراج والمعالجة.

ورغم أن عمليات الاستخراج والصهر والمعالجة قد عززت النمو الاقتصادي في المقاطعات الإندونيسية الثلاث الغنية بالنيكل، إلا أنها لم تسهم بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، حيث يمكن لـ«تحديد الحدود»، أي تحويل المناطق الهامشية إلى مراكز لاستخراج الموارد، أن يوجد «مناطق تضحية» جديدة عندما لا يكون مصحوباً بتنظيم قوي ورقابة مناسبة.

اتفاقات

وفي الوقت نفسه، لم يسبق أن كان التركيز على التعدين المستدام أكبر مما هو عليه الآن على المستوى العالمي، ففي عام 2024 أصدرت لجنة الأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالمعادن الحيوية مجموعة من المبادئ التوجيهية، التي تؤكد على الحاجة إلى نموذج جديد يرتكز على العدالة والإنصاف، وإلى أن يعود التعدين بالنفع على البلدان المضيفة والمجتمعات المحلية.

وتعكس الأطر الإقليمية، بما في ذلك «رؤية الاتحاد الإفريقي للتعدين في إفريقيا»، والمبادئ التوجيهية وأطر المتابعة الخاصة بها، ومبادئ رابطة دول جنوب شرق آسيا للتنمية المستدامة للمعادن، التزامات مماثلة.

ومع ذلك، يتم تهميش هذه الاتفاقات عندما تسعى الدول إلى إبرام اتفاقات ثنائية تعطي الأولوية للوصول إلى الأسواق على حساب كل شيء آخر.

وعلى سبيل المثال، هناك المعاملة غير المتكافئة للنيكل وزيت النخيل في «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا»، فالاتحاد الأوروبي لديه معايير استدامة صارمة لزيت النخيل، لكن ليس للنيكل، على الرغم من أن كلا القطاعين يمكن أن يتسببا في تدهور اجتماعي وبيئي كبير.

بلدان الجنوب

إن أفضل طريقة لتطبيق المبادئ على أرض الواقع هي تعزيز شبكات السياسات ذات الصلة في بلدان الجنوب، ومن شأن ذلك أن يمكن صانعي السياسات والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية من تبادل خبراتهم في مجال استخراج المعادن ومعالجتها، وتقديم مقترحاتهم لجعل هذا القطاع أكثر إنصافاً ومسؤولية بيئياً.

هناك رغبة حقيقية لدى صانعي السياسات في بلدان الجنوب العالمي لتبادل الدروس المستفادة من نجاحاتهم وإخفاقاتهم.

وقد سهلت «منصة التعلم بشأن المعادن الانتقالية بين بلدان الجنوب»، التابعة لمعهد حوكمة الموارد الطبيعية، تبادل الرؤى ووجهات النظر بين المسؤولين الحكوميين من إندونيسيا وتشيلي وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ودول أخرى.

ورغم أنهم يتشاركون في الهدف نفسه، وهو بناء مجتمعات أكثر شمولاً ومرونة وازدهاراً باستخدام الثروة المعدنية، فإن المنصة تتيح فهماً أعمق لكيفية التعامل مع الاختلافات في السلع الأساسية، والاقتصادات السياسية المحلية، والمواقف في سلسلة القيمة، وضرورة اتباع نهج واحد يناسب الجميع.

العمل الجماعي

ولا تقل أهمية عن ذلك الشبكات العابرة للحدود الوطنية أو المتعددة المستويات التي تربط بين منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء «الجنوب العالمي»، حيث إنها أيضاً قادرة على توفير منصة لتبادل الخبرات والمعارف، مع تعزيز العمل الجماعي وتوسيع نطاق المساءلة إلى ما وراء الحدود الوطنية.

ومن خلال تقديم أدلة واسعة النطاق على الانتهاكات الاجتماعية والبيئية المرتبطة باستخراج المعادن وصهرها ومعالجتها، يمكن للجهات الفاعلة المحلية في هذا مجال تجاوز الحكومات والشركات التي لا تدعم المجتمعات المحلية بشكل كافٍ، والبحث مباشرة عن حلفاء دوليين لممارسة ضغوط خارجية.

وهنا مرة أخرى تعد إندونيسيا مثالاً مفيداً، فقد حشدت منظمة «والهي» الإندونيسية غير الحكومية، بالتعاون مع منظمة «أصدقاء الأرض» اليابانية، أكثر من 100 منظمة لحث مساهمي شركة «فالي إندونيسيا» على اتخاذ إجراءات بشأن الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في مشروع النيكل في سورواكو.

واستجاب بعض المساهمين، بما في ذلك شركات «فالي» و«سوميتومو ميتال ماينينغ» و«ميتسوي»، بممارسة الضغط على الشركة عندما فشلت الحكومة في القيام بذلك بشكل فعال.

وبالمثل لفت نشطاء من منظمات «مايتي إيرث» و«كلايميت رايتس إنترناشونال» و«جلوبال ويتنس» انتباه المستثمرين من خلال الإبلاغ عن انتهاكات واسعة النطاق في صناعة استخراج ومعالجة النيكل في إندونيسيا، وحثوا شركات تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية وشركات تصنيع السيارات على الامتثال للمعايير الاجتماعية والبيئية والتزامات العناية الواجبة.

ومنذ ذلك الحين، أعربت شركة «ويدا باي نيكل» عن رغبتها في الامتثال لمعايير «مبادرة ضمان التعدين المسؤول»، كما فرضت بعض شركات صناعة السيارات متطلبات أكثر صرامة على موردي النيكل.

معايير عالمية

وقد أجبر هذا الضغط العالمي، الذي يشمل إثارة منظمة «انشر ما تدفع» في إندونيسيا المخاوف بشأن حوكمة قطاع النيكل في البلاد خلال منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 حول سلاسل التوريد المسؤولة للمعادن، الحكومة الإندونيسية على اتخاذ إجراءات، واعتباراً من سبتمبر 2026، كانت الحكومة تعمل على إعداد مبادئ توجيهية في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة، لمساعدة الشركات على تحديد اللوائح الإندونيسية التي تفي بمتطلبات المعايير العالمية في سلسلة توريد النيكل، ومن المتوقع أن تستمر عملية التشاور والتحقق من صحة المبادئ التوجيهية ونشرها حتى عام 2027.

إن تعزيز الشمولية في سلاسل توريد المعادن الانتقالية، وهو الهدف من الاجتماع الأخير لمنتدى الحوكمة الدولية، يتطلب استراتيجيات لترجمة الإعلانات والتوصيات إلى إجراءات ملموسة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال توحيد شبكات السياسات في بلدان الجنوب وتعزيزها، ويمكن لآليات التعاون القائمة بين بلدان الجنوب توسيع نطاقها لتسهيل تبادل الخبرات في مجال السياسات المتعلقة بالمعادن الحيوية في حين يمكن لمنظمات المجتمع المدني المحلية تعزيز علاقاتها العالمية لتسليط الضوء على التدمير البيئي وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالتعدين.  عن «جابان تايمز»

أضرار

أنتجت إندونيسيا، خلال السنوات الأخيرة، نحو أربعة أضعاف كمية النيكل التي أنتجتها قبل عقد من الزمن، في أعقاب الحملة العالمية الرامية إلى إحداث ثورة منخفضة الكربون، والتي تدفع عجلة التعدين لهذا المعدن الضروري للسيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة وإنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ.

إلا أن هذا الازدهار يلحق أضراراً بالمناطق الغنية بالنيكل مثل سولاويزي، ما يهدد منطقة فريدة من نوعها غنية بالتنوع البيولوجي تعرف باسم «والاسيا».

وتثير دراسة حديثة تساؤلات حول استدامة ممارسات تعدين النيكل، حيث سلط الضوء على آثاره البيئية والاجتماعية في سولاويزي، استناداً إلى بيانات من 7721 قرية.

ومع ذلك، فإن آثار تعدين النيكل متنوعة، فقد أدى الضرر البيئي ومصادرة الأراضي إلى اندلاع نزاعات، وتراجع الرفاه الاجتماعي في المناطق القريبة من مناجم النيكل.

• تجربة إندونيسيا تكشف حدود التصنيع المحلي في تحقيق التنمية، وتبرز أهمية الحوكمة والتوزيع العادل لعوائد الثروات المعدنية.

الأكثر مشاركة