تعليق خدمة «ستارلينك» في أوكرانيا يدفع دول آسيا إلى مراجعة عقودها
كتب الملياردير الأميركي، إيلون ماسك: «إذا أوقفنا شركة ستارلينك عن العمل، فستنهار الجبهة في أوكرانيا على الفور».
جاء هذا التصريح في سلسلة منشورات أقرّ فيها ماسك بتعطيل خدمة الإنترنت في أوكرانيا، واتهم الجيش الأوكراني باستخدام «ستارلينك» لشن هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف أشخاصاً، مضيفاً أن الثغرة القانونية التي أتاحت ذلك سُدّت في الأسبوع السابق.
للوهلة الأولى، قد تبدو الحادثة مجرد خلاف بين ملياردير وحرب لا يشارك فيها مباشرة، لكن يتعين على وزارات الدفاع في دول آسيوية، من مانيلا إلى نيودلهي، أن تتعامل معها باعتبارها تحذيراً مهماً بشأن الاعتماد العسكري على خدمات الاتصالات التجارية.
وقال ماسك إن «واشنطن تتحكم في أي تغييرات تطرأ على (ستارشيلد)، النسخة العسكرية من (ستارلينك)».
من جانبه، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأمر، بأنه «يخضع لعقد تجاري خاص»، فيما ألمح نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، إلى وجود تنسيق مع ماسك، إلا أن روبيو ووزير الدفاع، بيت هيغسيث، نفيا أي تورط.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ماسك أصدر بنفسه أمراً بتعطيل الخدمة، بالتزامن مع اتصالات هاتفية مع الرئيس دونالد ترامب، وفي خضم ذلك تبادل المسؤولون إلقاء المسؤولية، بينما فقدت طائرات مسيّرة أوكرانية اتصالها.
وقال مستشار للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن الحد الأقصى لسرعة الطائرات التي يمكن لنظام «ستارلينك» دعمها يبلغ 160 كيلومتراً في الساعة، وأدى فقدان الاتصال إلى تعطل توجيه طائرات أوكرانية اعتراضية كانت تطارد مسيّرات روسية أسرع منها، وأبلغ قادة عن فقدان عدد من الطائرات.
وتتزايد أعداد دول جنوب شرق آسيا التي تستأجر خدمات «ستارلينك»، ففي الفلبين تستخدم وحدة تابعة للبحرية في جزيرة بالاوان سفناً مسيّرة مزودة من الولايات المتحدة، وترسل تقاريرها إلى الشاطئ عبر شبكة الأقمار الاصطناعية، وفي فبراير قال المتحدث باسم خفر السواحل الفلبيني، جاي تارييلا، إن اتصالات «ستارلينك» على متن سفن فلبينية قرب شعاب «سكاربورو»، المتنازع عليها مع الصين في بحر الصين الجنوبي، تعرضت للتشويش.
وكانت مانيلا تدرك مسبقاً احتمال قطع الاتصالات من الخارج باستخدام أجهزة تشويش تسيطر عليها بكين، لكن ما حدث في أوكرانيا أظهر أن مزود الخدمة نفسه قادر أيضاً على قطع الاتصال.
أسئلة أساسية
ينبغي على كل وزارة دفاع آسيوية تستأجر خدمات «ستارلينك» أن تطرح ثلاثة أسئلة أساسية.
أولاً، كيف تعرّف شركة «سبيس إكس»، المالكة والمشغلة لخدمة «ستارلينك»، الاستخدام «الهجومي»؟ يصر ماسك على أن شروط الخدمة لطالما صنّفت «ستارلينك» نظاماً مدنياً، بينما تنفي كييف انتهاكها هذه الشروط.
ثانياً، كيف تتغير الأسعار في زمن الحرب؟ أفادت وكالة «رويترز» في مايو بأن شركة «سبيس إكس» تقاضت من وزارة الدفاع الأميركية نحو 5000 دولار للمحطة الواحدة، مقابل فئة من الخدمة الجوية تبلغ كلفتها نحو 25 ألف دولار، وأن «البنتاغون» وافقت على الدفع، ويؤدي ذلك إلى مضاعفة كلفة طائرة «لوكاس» المسيّرة، التي يبلغ سعرها نحو 30 ألف دولار.
أما السؤال الثالث، فيتعلق بالجهة القادرة على إجبار الشركة على التراجع عن قرار أحادي بقطع الخدمة، فقد أعدّ أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، اعتراضات على مرشحين لإدارة ترامب، إلى حين استعادة الوصول الكامل إلى خدمتي «ستارلينك» و«ستارشيلد» في أوكرانيا، وبعد ذلك، طلب ترامب من ماسك رفع القيود.
واستُعيدت الخدمة في نهاية المطاف، في ظل ما تمتلكه كييف من نفوذ لدى مجلس الشيوخ الأميركي، لكن من غير المرجح أن تتمتع أي عاصمة من عواصم رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» بنفوذ مماثل.
آسيا تبحث عن بدائل
بدأت عواصم آسيوية مراجعة حساباتها قبل إعلان ماسك أي قرار جديد، ففي يونيو الماضي امتنعت الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية الهندية عن منح موافقات نهائية لخدمة «ستارلينك»، لأسباب شملت ظهور محطات اتصال أخرى خلال الحرب الإيرانية، في وقت لم تكن فيه الخدمة حاصلة على ترخيص في تلك المناطق.
وفي يوليو، وافقت كوريا الجنوبية على خطة لإنشاء شبكة محلية من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض بحلول عام 2035، مستندة إلى اعتبارات تتعلق بسيادة الاتصالات.
كما وقّعت شركة «ميسات» الماليزية اتفاقاً مع شركة «سبيسيل»، المشغّل الصيني لشبكة الأقمار الاصطناعية «قينانفان»، التي بلغ عدد أقمارها نحو 200 قمر في المدار خلال العام الجاري.
وفي الأول من أبريل، افتتحت سنغافورة وكالة فضاء وطنية، تشمل مهامها توفير خدمات الاتصالات، وتبيع شركة «سينغتل» بالفعل لمالكي السفن خدمة متعددة المدارات، تتيح الانتقال بين شبكة «ستارلينك» وسعة الأقمار الاصطناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض، ما يوفر للسفن المغادرة من سنغافورة خياراً احتياطياً متاحاً حالياً، ومع ذلك لم تُدرج القوات البحرية في المنطقة هذه الخدمة بعد ضمن مناقصاتها.
ولا يعني ذلك أن على الدول التخلي عن «ستارلينك»، فلا يوجد حالياً بديل في المدار يضاهي كثافة شبكتها أو كلفتها لكل محطة، كما لا توجد شبكة أخرى يمكن مقارنتها بحجمها، وستحتاج شبكة كوريا الجنوبية إلى تسع سنوات قبل إطلاقها، فيما لا تملك سوى قلة من دول «آسيان» الموارد المالية اللازمة لتمويل كوكبة أقمار اصطناعية خاصة بها.
شروط أكثر صرامة
لذلك، ينبغي على أي حكومة تشتري سعة اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية لأغراض أمنية أن تحدد الاستخدامات المسموح بها في العقد قبل تشغيل أول سفينة مزودة بمحطة اتصال، لا بعد أول مواجهة مع خصم.
ويجب أن ينص العقد على إشعار مسبق مدته 72 ساعة قبل إجراء أي تغيير في سرعة الخدمة أو نطاق التغطية، فضلاً عن تثبيت الأسعار خلال حالات الطوارئ المعلنة، فقد شهدت «البنتاغون» بالفعل إعادة صياغة لشروط تعاقده وتعديلها خلال الحرب.
كما ينبغي تسوية النزاعات من خلال التحكيم خارج نطاق اختصاص الدولة المورّدة للخدمة، ويُعد مركز سنغافورة للتحكيم من الخيارات التي يمكن النظر فيها لهذا الغرض.
وينبغي كذلك أن تشترط وثائق المناقصات توفير محطات اتصال طرفية قادرة على التبديل بين مجموعتين من الأقمار الاصطناعية على الأقل، على غرار الخدمة متعددة المدارات التي توفرها «سينغتل» لسفن الشحن.
وقد أتاح إعلان مانيلا المشترك مجالاً للتعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد الأزرق، لكنه لم يتطرق إلى الفضاء والأقمار الاصطناعية، كما أصدر اجتماع وزراء دفاع «آسيان» الموسع بياناً مشتركاً تناول الشباب والسلام والأمن.
ومن المقرر أن تستضيف الفلبين والهند، بصورة مشتركة، مؤتمراً في عام 2027 حول مرونة الأمن البحري في ظل التقنيات الناشئة، ما يتيح فرصة أخرى لبحث التعاون في مجال خدمات «ستارلينك» والأقمار الاصطناعية التجارية، ففقدان قارب دورية اتصاله بالقرب من منطقة ضحلة متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي يمثل، بكل المقاييس، قضية تتعلق بالأمن البحري.
وإذا خلت أجندة المؤتمر من مناقشة شروط استخدام خدمات الأقمار الاصطناعية التجارية، فقد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى تعلم الدرس الذي تعلمته كييف، لكن بعد فوات الأوان، إذ يمكن تعليق خدمة «ستارلينك» بقرار أحادي، ومن دون آليات مساءلة كافية، في اللحظة التي تكون فيها الدولة في أمسّ الحاجة إليها. عن «آسيا تايمز»
• يجب أن ينص العقد على إشعار مسبق، مدته 72 ساعة، قبل إجراء أي تغيير في سرعة الخدمة أو نطاق التغطية، فضلاً عن تثبيت الأسعار خلال حالات الطوارئ المعلنة.