القدرات العسكرية المتنامية لكوريا الشمالية تشكل تحدياً للردع الأميركي
في الآونة الأخيرة، حذرت كيم يو جونغ، الأخت الصغرى للرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، من أن بيونغ يانغ قد تتخذ إجراءات انتقامية قوية إذا واصلت سيؤول الأنشطة التي تعتبرها استفزازية. وقد يبدو هذا للمراقبين العاديين مجرد تبادل روتيني آخر للتهديدات اللفظية بين الكوريتين.
ومع ذلك، فإن التدقيق في الوضع الحالي يشير إلى أن شيئاً ذا أهمية غير عادية قد يكون قيد التطور في شبه الجزيرة الكورية، وسط تصاعد التوترات العسكرية، مع تجدد التحذيرات وعمليات الانتشار العسكري والتهديدات بالانتقام على طول الحدود.
ويبدو أن كوريا الشمالية تتبنى موقفاً تصادمياً بشكل متزايد، ما يثير مخاوف بشأن تزايد خطر اندلاع الحرب، فما الذي يغذي التصعيد في هذه المرحلة بالذات؟
وعلى مدى ما يقرب من سبعة عقود، اعتمدت كوريا الجنوبية بشكل كبير على تحالفها مع الولايات المتحدة لردع أي عدوان من جانب كوريا الشمالية، وكان العنصر الأساسي في هذا الردع هو التفوق الجوي والبحري الأميركي المدعوم بمقاتلات من طراز «إف 35»، ومجموعات ضاربة من حاملات الطائرات، وقدرات استخباراتية، وهياكل قيادة متكاملة.
ومع ذلك، فإن القدرات العسكرية المتنامية لكوريا الشمالية تشكل تحدياً لهذا الردع الراسخ منذ زمن طويل، فصواريخها الباليستية فائقة السرعة، التي تزداد تطوراً، تهدد بدرجة لم يسبق لها مثيل القواعد الجوية الكورية الجنوبية والمنشآت اللوجستية والبنية التحتية الحيوية الأخرى التي تدعم العمليات العسكرية الأميركية.
كما أن القدرات المتطورة المضادة للسفن قد تزيد من المخاطر التي تواجه مجموعات حاملات الطائرات الهجومية التي تعمل ضمن نطاقها.
ضغوط متزايدة
ونتيجة لذلك، تتعرض مصداقية الردع التقليدي لضغوط متزايدة. وتعتمد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بشكل كبير على أنظمة مثل نظام الدفاع الجوي «ثاد»، وبطاريات «باتريوت»، وغيرها من قدرات الدفاع الجوي لاعتراض الصواريخ القادمة. ومع ذلك، لا يمكن لأي نظام أن يضمن الاعتراض، لاسيما خلال هجوم منسق يشمل صواريخ متعددة وأجهزة تمويه، حيث قد تكون أوقات الكشف والرد محدودة للغاية.
وتثير المخاوف بشأن مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية مزيداً من التساؤلات حول استدامة الصراعات المطولة وعالية الكثافة عبر مسارح عمليات متعددة.
وباعتبارها دولة صناعية متقدمة وكثيفة السكان، قد تتكبد كوريا الجنوبية أضراراً اقتصادية ومجتمعية أكبر بكثير جراء تبادل الصواريخ مقارنةً بكوريا الشمالية، التي يعتبر عدد سكانها وبنيتها التحتية الصناعية محدودين نسبياً. وفي هذا العصر الجديد من الحروب، حيث تزداد أهمية الصواريخ والطائرات بدون طيار، يمكن حتى لدولة صغيرة نسبياً وأضعف اقتصادياً مثل كوريا الشمالية أن تتحدى القوى العسكرية التقليدية وتقوض الافتراضات الراسخة حول التفوق العسكري.
مصداقية الردع
ويثير هذا الضعف المتزايد لكوريا الجنوبية تساؤلات جوهرية حول مصداقية الردع في المستقبل في شبه الجزيرة الكورية. ويبدو أن كوريا الشمالية تدرك مدى القدرات العسكرية التي اكتسبتها والنفوذ الاستراتيجي الذي يمكن أن توفره هذه القدرات، ما قد يشجع بيونغ يانغ على تحدي النظام الأمني القائم.
واليوم، لاتزال كوريا الشمالية تمتلك جهازاً عسكرياً ضخماً، مدعوماً بنشر واسع النطاق للمدفعية وقوة نارية تقليدية كبيرة. وعلى النقيض من ذلك، تواجه كوريا الجنوبية تحديات هيكلية.
ويؤدي انخفاض معدلات المواليد في كوريا الجنوبية إلى تقلص عدد المجندين المؤهلين، ما يفرض ضغوطاً طويلة الأمد على القوى البشرية العسكرية ويفرض خيارات صعبة في ما يتعلق بحجم القوات، والأتمتة، والاستعداد الدفاعي.
ولمواجهة هذه التحديات الهيكلية، استثمرت سيؤول بشكل مكثف في التقنيات العسكرية المتطورة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة وقدرات الضربات الدقيقة. ومع ذلك، فإن التطور التكنولوجي لم يتم تجربته في ساحة المعركة، كما لايزال الأداء العملي لهذه الأنظمة في ظل ظروف قتالية مستمرة غير مؤكد.
خبرة عملياتية
وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن كوريا الشمالية اكتسبت خبرة عملياتية من خلال مشاركتها إلى جانب روسيا في حرب أوكرانيا، وربما يكون أفرادها قد اكتسبوا معرفة جيدة في ما يتعلق بالطائرات بدون طيار، وأنظمة الرؤية، والحرب الإلكترونية، وتكتيكات ساحة المعركة المعاصرة.
وقد يؤدي هذا الانخراط في الحرب الحديثة إلى تحسين قدرة كوريا الشمالية على التكيف مع التحديات العملياتية الناشئة وزيادة ثقتها في تحدي القوة المهيمنة في المنطقة.
إن الترسانة النووية المتنامية لكوريا الشمالية تغيّر المعادلة الاستراتيجية بشكل أكبر. وعلى الرغم من عقود من العقوبات الدولية والجهود الأميركية الرامية إلى منع تطويرها للسلاح النووي، فقد أثبتت كوريا الشمالية نفسها كدولة حائزة للأسلحة النووية تتمتع بقدرات متنوعة بشكل متزايد.
وهذا يوجد فرقاً جوهرياً بين كوريا الشمالية وخصمها غير النووي، الجارة الجنوبية. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل في المواجهة مع بيونغ يانغ بالطريقة نفسها التي قد تتعامل بها مع صراع ضد دولة تفتقر إلى القدرة على إحداث أضرار نووية كارثية.
وأي قرار أميركي بشن هجوم كبير سيتعين أن يأخذ في الحسبان احتمال حدوث انتقام نووي ضد كوريا الجنوبية. والنتيجة هي بيئة أمنية أكثر تعقيداً وتزداد فيها القيود.
وقد تحتفظ واشنطن بمزايا عسكرية إجمالية ساحقة، لكن قدرات كوريا الشمالية النووية وصواريخها الفائقة السرعة تفرض قيوداً على كيفية استخدام تلك المزايا. وهذا بدوره يشجع بيونغ يانغ على تحدي النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
تفاقم الصعوبات
وأسهمت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في تفاقم الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها كوريا الشمالية، ما أدى إلى تعميق الإحباط والاستياء داخل البلاد. وفي الماضي، كانت المشاركة الدبلوماسية والحوار بين الكوريتين يوفران بشكل دوري قنوات بديلة يمكن من خلالها تخفيف التوترات، وتقديم المساعدة الإنسانية، والسعي إلى تعاون اقتصادي محدود.
وأدى انهيار عملية السلام ورفض بيونغ يانغ للحوار مع سيؤول إلى إضعاف هذه الضمانات بشكل كبير، ما زاد من خطر وصول المشكلات المتراكمة والتوترات السياسية إلى عتبة خطيرة. ومن دون هذه القنوات، قد تتصاعد المواجهة المحدودة النطاق بسرعة، كما أن غياب المشاركة الدبلوماسية المستمرة يجعل من الصعب تقييم نوايا القيادة الكورية الشمالية والتمييز بين التهديدات الخطابية والاستعدادات الحقيقية للتصعيد.
وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن فقط في العداء المتزايد، بل أيضاً في اختفاء الآليات التي يمكن من خلالها احتواء هذا العداء. واليوم، تعقّد العديد من الخلافات السياسية والمالية والاستراتيجية مستقبل التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ما يضعف تأثيره الرادع بشكل أكبر.
مخاوف
وتعكس الخلافات حول نقل السيطرة العملياتية في أوقات الحرب مخاوف متضاربة بشأن السيادة، والجاهزية العسكرية، واستعداد القيادة. كما أن الخلافات حول تقاسم الأعباء وكلفة تمركز القوات الأميركية، عززت المخاوف في سيؤول من أن واشنطن تنظر بشكل متزايد إلى التزاماتها الأمنية من منظور سطحي.
وقد تمتد الخلافات حول التعريفات الجمركية، والوصول إلى الأسواق، والاستثمارات الصناعية، ومعاملة الشركات الكورية لتؤثر على العلاقة الاستراتيجية الأوسع نطاقاً.
ويتعين على سيؤول أن توازن بين المطالب الأميركية لمواجهة النفوذ الصيني وتعزيز أمن سلسلة الإمداد من جهة، ومصالحها الاقتصادية الجوهرية في الصين من جهة أخرى. وأخيراً قد تؤدي الأولويات الاستراتيجية الأميركية، لاسيما في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، إلى تعميق مخاوف كوريا الجنوبية بشأن موثوقية التزامات واشنطن الأمنية على المدى الطويل. عن «ريل كلير بوليتكس»
نقاط ضعف
تراقب العديد من الدول عن كثب عواقب حرب إيران وتداعياتها على الموارد العسكرية الأميركية والأولويات الاستراتيجية والبنية الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة. وقد تستخلص كوريا الشمالية والصين وروسيا استنتاجاتها الخاصة بشأن عزيمة الولايات المتحدة وقدرتها على التحمل العسكري ونقاط الضعف في الترتيبات الأمنية الحالية. وإذا بدت واشنطن عاجزة عن تحقيق أهدافها أو الحفاظ على التزاماتها عبر مسارح عمليات متعددة، فقد تضعف التصورات المتعلقة بالردع الأميركي بشكل أكبر.
• على مدى سبعة عقود اعتمدت كوريا الجنوبية بشكل كبير على تحالفها مع الولايات المتحدة لردع أي عدوان من جانب كوريا الشمالية.