اليابان تمتلك حالياً 23 غواصة هجومية تعمل بالديزل والكهرباء. من المصدر

اليابان تدرس امتلاك غواصات نووية لمواجهة تنامي القوة البحرية الصينية

يتصاعد الجدل في اليابان بشأن إمكانية امتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية، في خطوة تفتح الباب أمام تحولات محتملة في العقيدة الدفاعية للبلاد، وسط ضرورة التمييز بين النقاش السياسي الدائر حول هذا الخيار، وبين اتخاذ قرار نهائي بشأن تنفيذه.

ومع استعداد طوكيو لمراجعة وثائقها الأمنية الوطنية الرئيسة بحلول نهاية عام 2026، طرحت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، هذا الخيار مجدداً، بعدما ظل لسنوات طويلة من القضايا شديدة الحساسية على المستويين السياسي والاستراتيجي في اليابان.

فقد أبلغت تاكايتشي البرلمان، أخيراً، أن حكومتها ستدرس إمكانية امتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية بصورة واقعية وملموسة، في ظل تزايد المخاوف اليابانية من اتساع نطاق العمليات البحرية الصينية، وتنامي قدرات بكين في مجال الغواصات، وتصاعد نشاطها العسكري في أنحاء غرب المحيط الهادئ.

وتتمتع الغواصات العاملة بالطاقة النووية بقدرات عملياتية تتجاوز، في جوانب مهمة، ما توفره الغواصات التقليدية التي تعتمد على الديزل والكهرباء، حيث يمكنها البقاء تحت الماء لفترات طويلة، والحفاظ على سرعات مرتفعة، والعمل على مسافات أبعد من قواعدها، بما يمنحها قدرة أكبر على تنفيذ المهام البحرية الممتدة.

في المقابل، تتسم هذه الغواصات بارتفاع تكاليف بنائها وتشغيلها وصيانتها، كما تتطلب خبرات فنية متخصصة وبنية تحتية معقدة، أما الغواصات التقليدية التي تعمل بالديزل والكهرباء، والتي تمتلك اليابان حالياً 23 غواصة هجومية منها، فلاتزال تتمتع بمزايا مهمة، خصوصاً في ما يتعلق بالتخفي والعمل في بعض البيئات البحرية، وهو ما يجعل المقارنة بين النوعين مرتبطة بطبيعة المهام المطلوبة وليس بالتفوق التقني وحده.

حساسيات سياسية

ولا يقتصر النقاش الدائر في اليابان على كيفية التعامل مع تنامي القوة البحرية الصينية، بل يمتد إلى اختبار أوسع يتعلق بمدى قدرة طوكيو على تحويل تقييماتها المتغيرة للتهديدات الأمنية إلى قدرات دفاعية مستدامة وموثوقة، تتناسب مع متطلبات أمنها القومي على المدى الطويل.

وفي الحقيقة، فإن التوجه نحو الغواصات العاملة بالدفع النووي لا يعني بالضرورة أن اليابان تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، حيث يختلف استخدام الطاقة النووية لتشغيل السفن عن تسليحها برؤوس نووية، ومع ذلك فإن تقنية الدفع النووي تثير حساسيات سياسية واستراتيجية في المجتمع الياباني، تتداخل مع النقاش الأوسع بشأن السياسة النووية للبلاد ومبادئها الأمنية.

وبناء على ذلك، لا يتمثل السؤال الرئيس المطروح حالياً في ما إذا كان ينبغي لليابان الإسراع في بناء غواصات نووية، وإنما في مدى قدرة الحكومة على تقديم مبررات مقنعة، من النواحي العملياتية والقانونية والمالية، تتيح تحويل هذا الخيار الحساس إلى مشروع دفاعي وطني طويل الأمد.

ويجادل أحد كبار المشرِّعين في حزب الابتكار الياباني والمسؤول عن القضايا المتعلقة بالأمن القومي، سيجي ميهارا، بأن توسع الصين في عملياتها البحرية بالمحيط الهادئ يجعل تعزيز قدرة اليابان على تشغيل غواصات أكبر حجماً وأكثر قدرة على التحمل أمراً متزايد الأهمية.

لكن الحزب الليبرالي الديمقراطي، الشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم، لم يتبنَّ هذا التوجه حتى الآن بصورة واضحة، أو لم يُبدِ استعداداً كاملاً للالتزام به، فعلى الرغم من اتفاق الحزبين على ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية اليابانية، فإن مواقفهما تباينت بشأن الدفع النووي خلال المناقشات الأمنية التي جرت في يونيو الماضي.

مهمة معقدة

ويضع هذا الاختلاف تاكايتشي أمام مهمة سياسية معقدة تتمثل في التوفيق بين شريك أصغر في الائتلاف يسعى إلى التزام أكثر وضوحاً وحسماً بشأن الغواصات النووية، وحزب رئيس لايزال يتعامل مع الفكرة بحذر، بالنظر إلى أبعادها السياسية والمالية والتقنية.

بدوره، أبقى وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، الباب مفتوحاً أمام دراسة هذا الخيار، لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود مفاضلات ينبغي أخذها في الحسبان عند تقييم جدواه، لاسيما ما يتعلق بالتكاليف والقدرات المطلوبة لتشغيل الغواصات العاملة بالطاقة النووية.

فقد خصصت طوكيو نحو تسعة تريليونات ين (57.3 مليار دولار)، للإنفاق المتعلق بالدفاع خلال السنة المالية 2026، بزيادة تبلغ 3.8% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر إلى استمرار التوجه نحو توسيع القدرات العسكرية وتحديث منظومات التسليح.

وتتضمن المخصصات الدفاعية 120.8 مليار ين لبناء الغواصة الـ10 من فئة «تايغي» التقليدية، إلى جانب 16 مليار ين للصواريخ التي تطلق من الغواصات، فضلاً عن تخصيص 100 مليار ين لبرنامج «شيلد» للدفاع الساحلي، الذي يستهدف دمج الأنظمة غير المأهولة ضمن شبكة دفاعية متعددة الطبقات.

استثمارات كبيرة

أما امتلاك غواصات نووية، فلن يقتصر على تمويل بناء السفن نفسها، بل سيفرض على الحكومة توفير استثمارات كبيرة في مجالات هندسة المفاعلات، وإنشاء مرافق متخصصة للصيانة، وتطوير أنظمة السلامة، وإعداد أطقم مؤهلة بدرجة عالية للتعامل مع هذه التكنولوجيا المعقدة.

ومن ثم، فإن الكلفة الحقيقية للمشروع ستتجاوز بكثير قيمة شراء الغواصات أو بنائها، وسيكون على الحكومة اليابانية، قبل اتخاذ أي قرار نهائي، إعداد تقييم مالي شامل يوضح قدرة الميزانية الدفاعية على تحمل هذه الالتزامات، ومدى تأثيرها في برامج التسليح الأخرى، فضلاً عن تحديد ما إذا كانت المزايا العملياتية المتوقعة تبرر حجم الإنفاق المطلوب.

وإلى جانب التحديات المالية، يتعين على اليابان تقديم تفسير قانوني متماسك يوضح الأساس الذي يمكن أن تستند إليه في تشغيل غواصات تعمل بالطاقة النووية، مع وضع ترتيبات واضحة تتعلق بسلامة المفاعلات وإدارة الوقود النووي والرقابة المؤسسية. عن «أيجا تايمز»

«المبادئ غير النووية»

تحظر «المبادئ غير النووية» التي تتبنّاها اليابان امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو السماح بإدخالها إلى أراضيها، غير أن هذه المبادئ لا تحظر تلقائياً السفن التي تستخدم الطاقة النووية في الدفع، وهو ما يستدعي الفصل بين مسألة تشغيل المفاعلات النووية لتوليد الطاقة وبين امتلاك الأسلحة النووية أو نشرها.

ومع ذلك فإن التمييز القانوني بين الدفع النووي والتسليح النووي لا يلغي الحاجة إلى معالجة المخاوف السياسية والاستراتيجية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا النووية في المجال العسكري، خصوصاً في بلد لاتزال القضايا النووية تحظى بحساسية تاريخية ومجتمعية كبيرة.

• خيار الغواصات النووية ظل لسنوات طويلة من القضايا شديدة الحساسية على المستويين السياسي والاستراتيجي في اليابان.

الأكثر مشاركة