«ستارلينك» تكشف هشاشة اعتماد أوكرانيا على التكنولوجيا الأميركية
اتهم الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، إيلون ماسك، خلال عطلة نهاية الأسبوع، الجيش الأوكراني بـ«انتهاك» شروط خدمة شبكة الإنترنت «ستارلينك»، التابعة للشركة، والتي أصبحت عنصراً أساسياً في دفاع البلاد ضد روسيا، وقال ماسك إن «سبيس إكس» قد فرضت قيوداً على خدمة «ستارلينك» لمنع هذا الاستخدام الخاطئ المزعوم.
وبعد أكثر من أسبوع من الغموض حول أسباب تقييد الخدمات، نفى المسؤولون الأوكرانيون ادعاء ماسك.
وأفاد المسؤولون بأن القيود التي أثرت في اتصالات الأقمار الاصطناعية التابعة لشركة «سبيس إكس» كانت تعطل عمليات الطائرات المسيرة، ما أدى إلى قطع خط دفاع رئيس في خضم الهجمات الجوية الروسية اليومية.
وتعتمد أوكرانيا بشكل كبير على «ستارلينك» في الاتصالات على خطوط القتال الأمامية، وقدرات الطائرات المسيرة، وعمليات الاستطلاع، وقال المسؤولون إن تقييد الاتصال أدى في النهاية إلى إلغاء مهام عدة.
كما أثّرت القيود في «ستارشيلد»، وهي خدمة اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ذات مستوى عسكري تستخدم تقنية «ستارلينك»، لكن يتم توفيرها من خلال عقود مع الحكومة الأميركية.
وبعد أكثر من أسبوع من بدء الانقطاع، أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، في 24 أكتوبر الجاري، أن الخدمتين قد عادتا للعمل بشكل كامل، وأفادت الوزارة بأن الاتصالات ظلت مستقرة.
نقطة ضعف
في ذلك الوقت، لم تكن أسباب الانقطاع قد اتضحت بعد، لكن وزير الدفاع الأوكراني يفغيني ليونيدوفيتش، شدد على أهمية وجود اتصال قوي ومستقر، واصفاً إياه بأنه «حيوي لخطوطنا الأمامية، ولأفرادنا العسكريين، ولتشغيل الطائرات المسيرة، وللعمليات اللوجستية والاتصالات».
ويؤكد ماسك أن حكومة الولايات المتحدة هي التي تتحكم في التغييرات التي تُجرى على نظام «ستارشيلد»، ما يثير تساؤلات حول من الذي أذن بفرض هذه القيود، ولماذا.
ويقول الخبراء إن هذه الانقطاعات تكشف عن نقطة ضعف متزايدة في الحروب الحديثة، باعتماد الجيش على مورد تكنولوجي خاص واحد.
ويحذر الخبراء من أن الشركة التي تتحكم في التكنولوجيا، يمكنها في نهاية المطاف أن تمارس تأثيراً كبيراً على العمليات العسكرية، ما يجعل الحكومات تعتمد على القرارات التي يتخذها المديرون التنفيذيون وأصحاب الشركات خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية.
ويعتمد وصول أوكرانيا إلى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية على القرارات المتخذة في واشنطن، وكذلك في شركة «سبيس إكس»، وهذا يترك كييف تتعامل مع قيود مورد خاص وعلاقة متوترة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في آن واحد.
امتلاك الصلاحية
في الأسابيع الأخيرة، ألقى ترامب مراراً باللوم على الضربات الأوكرانية لمصافي النفط الروسية في ارتفاع أسعار الوقود العالمية، ودعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى وقف تلك الهجمات، على الرغم من أن الخبراء عزوا ارتفاع الأسعار في المقام الأول إلى حرب إيران.
ويقول الأستاذ المساعد في معهد «جاك جوردون للسياسة العامة» التابع لجامعة فلوريدا الدولية، أليكس كروثر، إن الخلاف حول برنامج «ستارشيلد» يتجاوز توتر العلاقة بين ترامب وزيلينسكي إلى مسألة أعمق: من يملك الصلاحية لتقييد وصول أوكرانيا إلى هذا البرنامج؟
ويضيف كروثر: «عادة عندما توقع جهة أجنبية عقداً مع شركة أميركية، يتم تحديد من لديه القدرة على تشغيل هذه الخدمات وإيقافها، والظروف التي يمكن في ظلها تشغيلها وإيقافها»، متسائلاً عمّن يمتلك تلك السلطة على الخدمات التي تعتمد عليها أوكرانيا.
ويوضح كروثر: «هل هي (ستارلينك)، وهي خدمة من شركة خاصة، أم هي (ستارشيلد)، التي تعمل بموجب عقد مع الحكومة الأميركية؟ هل هو ماسك؟ أم هيغسيث؟، في إشارة إلى وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، أم ترامب؟»، مؤكداً: «لا أحد يعرف القواعد في الوقت الحالي».
التكنولوجيا الرقمية
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوغستا، لانس هانتر، إن هذا النزاع يكشف عن المشكلات المحتملة الناجمة عن وجود ثلاثة أطراف مختلفة، إدارة ترامب، وشركة «سبيس إكس»، وأوكرانيا، ذات أولويات قد تكون متعارضة.
ويرى هانتر أن ما يجري في أوكرانيا يؤكد الاعتماد المتزايد للحرب على التكنولوجيا الرقمية، ويضيف أن ذلك يتجاوز «الدبابات والقنابل والطائرات» التقليدية ليشمل عوامل مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والتشويش على أنظمة الملاحة.
ويوضح هانتر أن الاعتماد على الخدمات التكنولوجية المستمرة يوجد علاقة تختلف عن شراء الأسلحة التقليدية، مشيراً إلى صفقات الأسلحة التقليدية التي تبيع فيها شركة خاصة لحكومة ما كمية محددة من الصواريخ أو الصواريخ المعترضة، ويضيف هانتر: «لنفترض أنك تشتري قطعة من الأسلحة أو مركبة أو أي نوع من الأشياء التي تساعدك في الصراع: فأنت تمتلكها في تلك اللحظة، ولديك السيطرة عليها»، إلا أن العلاقة بين أوكرانيا وشركة «سبيس إكس» مختلفة، فشراء التكنولوجيا لا يضمن السيادة التشغيلية.
ويتابع هانتر: «تمتلك أوكرانيا عدداً كبيراً من أجهزة الإرسال التي تتواصل مع شبكتي (ستارشيلد) و(ستارلينك)، وهي تعتمد بشكل كبير على شركة (سبيس إكس) في ما يتعلق بالسماح لها باستخدام تلك الأجهزة عند الحاجة»، ويقول: «لا يقتصر الأمر على اعتماد لمرة واحدة عند شراء التكنولوجيا، بل أصبح هذا الاعتماد مستمراً الآن».
نقص وتأخير
ويضيف الخبير الأميركي أن هذا يمنح الشركة «نفوذاً وتأثيراً» أكبر في النزاعات مما كانت عليه الحال من قبل.
ويقول هانتر إنه في أفضل الأحوال كانت أوكرانيا ستنوع مُوَرّديها التكنولوجيين لتقليل الاعتماد على «ستارلينك»، وقد عملت البلاد بالفعل على توسيع إنتاجها المحلي للأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيرة المعترضة، ولكن كييف لاتزال تعتمد على المُورّدين الأجانب للحصول على أسلحة الدفاع الجوي الحيوية، مثل صواريخ «باتريوت» المعترضة الأميركية الصنع.
وقد جعلها هذا الاعتماد عرضة للنقص والتأخير، وفي 26 أكتوبر قال زيلينسكي إن أوكرانيا كانت تنتظر منذ ما يقرب من شهر حتى يوافق وزير الدفاع، بيت هيغسيث، على توريد صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي من نوع «باتريوت» و«ناسامز»، لكن الاعتماد على شبكات الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية يمثل تحدياً مختلفاً.
قيود
ويوضح هانتر أن تقنية «ستارلينك» ليست شيئاً يمكن للحكومة إعادة إنتاجه بسهولة محلياً، وقليلون هم المزودون في جميع أنحاء العالم الذين يقدمون قدرات مماثلة، ويضيف هانتر: «تتمتع ستارلينك باحتكار لهذه التكنولوجيا إلى حد ما، من حيث السرعة والتوافر والمرونة، فالأمر ليس كما لو كان بإمكان الأوكرانيين ببساطة الضغط على زر لتنويع تلك التكنولوجيا، فهذا يستغرق وقتاً طويلاً، ويستلزم موارد كثيرة، ويتطلب جهدا كبيراً، كما أننا لا نرى في أوروبا المستوى نفسه من التكنولوجيا لدى بعض الدول الأوروبية ولا لدى بعض الشركات الخاصة».
ويعتبر هانتر أن أوكرانيا عالقة بين «المطرقة والسندان» في الوقت الذي تحاول فيه البلاد التفاوض بشأن علاقاتها مع إدارة ترامب، وبشكل منفصل، مع ماسك.
في السياق نفسه، كتب مستشار التكنولوجيا الدفاعية، سيرهي بيسكريستنوف، في منشور على «تيليغرام» أن هناك قيوداً تشغيلية وقيوداً أخرى تتعلق بالسرعة تجعل من «المستحيل مادياً» على الجيش استخدام «ستارلينك» في شن ضربات هجومية متوسطة أو بعيدة المدى، وقال: «من الغريب جداً أن إيلون ماسك غير مدرك للقيود التشغيلية التي تواجهها شبكة (ستارلينك) في أوكرانيا»، مشيراً إلى أن شبكة «ستارلينك» لا تعمل فوق الأراضي الروسية.
عن مجلة «تايم»
• اعتماد أوكرانيا على شبكة اتصالات واحدة، يضع العمليات العسكرية أمام مخاطر التعطيل وقيود الموردين الأجانب.