واشنطن تسابق الصين لكسر هيمنتها على المعادن الأرضية النادرة
في ظل احتفاظ الصين بالتكنولوجيا والمعدات والخبرات الفنية المتخصصة في مجال تكرير المعادن الأرضية النادرة داخل أراضيها، تعمل الولايات المتحدة على تمويل شركات تكرير خاصة، بهدف تطوير أساليب وتقنيات جديدة لمعالجة هذه المعادن الاستراتيجية، بدلاً من الاكتفاء بمحاكاة الأساليب التقليدية التي طورتها الشركات الصينية.
وقالت مسؤولة أميركية رفيعة المستوى لصحيفة «أيجا تايمز»، إن شركات التكرير الأميركية ستعتمد على ابتكاراتها وتقنياتها الخاصة من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة في مجال المعادن الحيوية، معربة عن ثقتها بقدرة هذه الجهود على تحقيق أهدافها.
ومع ذلك، يرى خبراء في هذا القطاع أن بعض المشروعات الأميركية قد تضطر إلى تحمُّل تكاليف مالية مرتفعة من أجل اكتساب الخبرة اللازمة في استخدام طرق الاستخلاص التقليدية التي تعتمد عليها الصين، وهي تقنيات استغرقت الشركات الصينية أكثر من عقدين من الزمن لتطويرها وتحسين كفاءتها وإتقان تطبيقاتها الصناعية.
وأكدت مساعدة وزير الطاقة الأميركي، أودري روبرتسون، التي تعمل في مكتب المعادن الحيوية وابتكار الطاقة التابع لوزارة الطاقة الأميركية، أن واشنطن حققت تقدماً ملحوظاً في مجال الابتكار خلال العقدين الماضيين، لكنها لم تتمكن من تطوير الخبرات الفنية والمعرفة التطبيقية اللازمة لدعم عمليات التصنيع.
وقالت إن الولايات المتحدة لن تتمكن من سد الفجوات القائمة في سلسلة توريد المعادن الحيوية من خلال مواصلة اتباع النهج نفسه الذي اعتمدت عليه خلال الـ20 عاماً الماضية، مؤكدة أن معالجة هذه المشكلة تتطلب ابتكار حلول جديدة وتطوير أساليب عمل مختلفة تتيح بناء قدرات صناعية محلية قادرة على المنافسة.
سيطرة تدريجية
وتأتي هذه التحركات الأميركية في وقت تعمل فيه بكين على تعزيز سيطرتها تدريجياً على قطاع العناصر الأرضية النادرة، من خلال فرض قيود على صادرات هذه المعادن الاستراتيجية، إلى جانب تقييد الوصول إلى التكنولوجيا والخبرات البشرية المتخصصة الضرورية لمعالجتها وتكريرها، وفي ديسمبر 2023 فرضت الصين حظراً على تصدير التقنيات المرتبطة بمعالجة العناصر الأرضية النادرة وتصنيع المغناطيسات.
وفي يونيو الماضي، أوقفت بكين إمدادات المواد ذات الاستخدام المزدوج ذات المنشأ الصيني إلى شركتي «إم بي ماتيريالز» و«يو إس إيه رير إيرث» الأميركيتين، وخلال الشهر الماضي شددت السلطات الصينية إجراءات مغادرة البلاد بهدف منع الفنيين والكوادر المتخصصة، بمن فيهم الخبراء العاملون في مجال العناصر الأرضية النادرة، من مغادرة الصين.
مبادرات أميركية
ومنذ العام الماضي، اتخذت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سلسلة من الإجراءات والمبادرات الرامية إلى تعزيز قدرة الولايات المتحدة على تكرير العناصر الأرضية النادرة وتطوير البنية التحتية اللازمة لمعالجتها، في إطار جهود أوسع لتقليل الاعتماد على الصين في تأمين المعادن الاستراتيجية.
وفي أغسطس 2025، قدمت وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون»، تمويلاً بقيمة 10 ملايين دولار لمشروع «إيلك كريك» في ولاية نبراسكا، التابع لشركة «نيوكوربس»، ومن المقرر أن يصبح المشروع أول منجم للنيوبيوم في الولايات المتحدة بحلول أواخر عام 2029.
ولا تقتصر خطط المشروع على استخراج الخام، حيث يعتزم القائمون عليه إنشاء مصنع في الموقع نفسه لمعالجة النيوبيوم والسكانديوم والتيتانيوم.
وفي خطوة أخرى لتعزيز التنسيق بين المبادرات البحثية والصناعية، أنشأت وزارة الطاقة الأميركية، في وقت سابق من العام الجاري، «مكتب المعادن الحيوية وابتكار الطاقة»، بهدف توحيد جهودها البحثية في مجالات التعدين، والمعالجة، وعلم المعادن، وإعادة التدوير، والمغناطيسات، وأشباه الموصلات.
وفي الثاني من يونيو، اختار المكتب «كلية كولورادو للمناجم» وشركة «فينيكس تيلينغز» للحصول على تمويل إجمالي بقيمة 134 مليون دولار، بهدف إنشاء منشأتين تجريبيتين لاستخلاص العناصر الأرضية النادرة من مخلفات التعدين والنفايات الصناعية.
الكوادر البشرية
وأوضحت أودري روبرتسون أن نقص الكوادر البشرية يمثل إحدى العقبات التي ينبغي معالجتها بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية الصناعية.
وأضاف أن مبادرة «بروسبكت» تهدف إلى مضاعفة عدد الخريجين المتخصصين في مجالات المناجم والتعدين خلال عامين، بما يساعد على توفير قاعدة بشرية مؤهلة لدعم التوسع المستقبلي في هذه الصناعات.
وأكدت روبرتسون أن الولايات المتحدة تمتلك تاريخاً من القدرة على مواجهة المشكلات الاقتصادية والصناعية وإيجاد الحلول المناسبة لها.
وعلى الرغم من تأكيد واشنطن توجهها نحو تطوير حلول مبتكرة لمعالجة المعادن الحيوية، لم تكشف روبرتسون عن تفاصيل محددة بشأن التقنيات التي ستعتمد عليها الولايات المتحدة في هذا المجال.
ومع ذلك، تشير المعلومات التي أعلنتها الشركات العاملة في القطاع إلى أن بعض المشروعات الأميركية تتجه إلى استخدام تقنيتين أساسيتين، هما «الكروماتوغرافيا الأيونية المستمرة» و«الفصل الكهروكيميائي»، بهدف فصل العناصر الأرضية النادرة وتنقيتها بوسائل مختلفة عن أساليب الاستخلاص التقليدية المستخدمة في الصين.
عمليات التكرير
وتعتمد عمليات التكرير الصينية التقليدية على إذابة المعادن في أحماض قوية، ثم مزج المحلول الناتج بالكيروسين ومواد كيميائية متخصصة، مثل «بي 507» و«بي 204»، وبعد ذلك يمرر المزيج عبر مئات من خزانات الخلط والترسيب، حيث تفصل العناصر تدريجياً وفقاً لخصائصها الكيميائية.
وفي المراحل اللاحقة تستخدم أحماض أكثر تركيزاً لفصل كل عنصر من العناصر المستهدفة على حدة، تمهيداً لترسيبه واستخلاصه في صورة منفصلة، وتتيح هذه العمليات الحصول على عناصر أرضية نادرة بدرجات متفاوتة من النقاء، لكنها تتطلب تجهيزات صناعية متخصصة وخبرات فنية متراكمة وقدرة على إدارة عمليات كيميائية معقدة على نطاق واسع.
أما الشركات الأميركية التي تتجه إلى استخدام تقنيات «التبادل الأيوني»، فتعتمد على إذابة المعادن في الأحماض، ثم تخفيف المحلول الناتج بالماء وتمريره عبر أعمدة تحتوي على مواد راتنجية متخصصة، وتسمح هذه الأعمدة بفصل العناصر وفقاً لاختلاف سرعة حركتها وتفاعلها مع المواد الموجودة داخلها، الأمر الذي يؤدي إلى خروج كل عنصر في مرحلة منفصلة، بما يتيح جمعه ومعالجته بصورة مستقلة.
وكانت الولايات المتحدة، تخلت عن استخدام تقنية «الكروماتوغرافيا» في خمسينات القرن الـ20 بسبب المخاوف المرتبطة بارتفاع كلفتها، غير أن التحولات الحالية في سوق المعادن الحيوية، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للعناصر الأرضية النادرة، دفعت إلى إعادة النظر في جدوى هذه التقنية، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على هذه المعادن في الصناعات المتقدمة والتطبيقات الدفاعية.
الأكثر تضرراً
وتعد اليابان من أكثر الدول تضرراً من الضغوط الصينية المرتبطة بتقييد صادرات المعادن الحيوية، في ظل اعتماد صناعاتها المتقدمة على عدد من العناصر الأرضية النادرة التي يصعب استبدالها بمواد أخرى في بعض التطبيقات الصناعية والعسكرية.
وتصاعدت التوترات بين بكين وطوكيو بعد أن صرحت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، في نوفمبر الماضي، بأن أي هجوم صيني على تايوان قد يشكل تهديداً وجودياً لليابان، وعقب ذلك فرضت الصين، في يناير الماضي، حظراً على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج الموجهة إلى المستخدمين العسكريين اليابانيين، بما يشمل بعض العناصر الأرضية النادرة.
ارتفاع الأسعار
وتكشف تحركات الأسعار عن حجم الضغوط التي تشهدها السوق العالمية للإيتريوم، ووفقاً لبيانات شركة «أرغوس»، ارتفعت أسعار أكسيد الإيتريوم خارج الصين بمقدار 179 ضعفاً، خلال عامين، لتصل إلى 1150 دولاراً للكيلوغرام الواحد، في حين يبلغ سعره داخل الصين نحو تسعة دولارات فقط للكيلوغرام.
وفي إطار الجهود الرامية إلى تقليل الاعتماد على الإمدادات الصينية، أعلنت شركة «أكلارا ريسورسز»، المدرجة في بورصة «تورونتو»، أن الكلفة التقديرية لمنشأتها المزمع إنشاؤها لفصل العناصر الأرضية النادرة الثقيلة في ميناء فينتون بولاية لويزيانا الأميركية، ستبلغ نحو 494 مليون دولار. ومن المتوقع أن تبدأ المنشأة الإنتاج خلال النصف الثاني من عام 2028، بطاقة سنوية تصل إلى نحو 1350 طناً من أكسيد الإيتريوم، إلى جانب إنتاج أكاسيد عدد من العناصر الأرضية النادرة الأخرى.
وتتوقع المستشارة القانونية الأولى في شركة «أكين غامب»، لورا كونكل، أن تنجح بعض المشروعات الأميركية العاملة في قطاع العناصر الأرضية النادرة، رغم التحديات التقنية والمالية التي تواجهها. عن «أيجا تايمز»
فرص نجاح
تعتزم شركة «أكلارا» الاعتماد على تقنية الاستخلاص بالمذيبات على نطاق واسع، لفصل كربونات العناصر الأرضية النادرة المختلطة، التي ستنقل إلى المنشأة الأميركية من مشروعات الشركة في البرازيل وتشيلي.
ومع ذلك، لاتزال هناك تساؤلات بشأن قدرة الشركة على تأمين المواد المستخدمة في الاستخلاص، في ظل القيود الصينية المفروضة على التكنولوجيا والمواد المرتبطة بقطاع العناصر الأرضية النادرة.
وعلى الرغم من التحديات القائمة، فإن التوسع في عدد الصفقات والاستثمارات المرتبطة بقطاع المعادن الحيوية، إلى جانب حجم التمويل الحكومي الأميركي غير المسبوق، يعززان فرص نجاح بعض المشروعات الرامية إلى بناء قدرات محلية في مجال تكرير العناصر الأرضية النادرة.
• بعض المشروعات الأميركية قد تضطر إلى تحمُّل تكاليف مالية مرتفعة، لاكتساب الخبرة في استخدام طرق الاستخلاص التقليدية الصينية.