أوروبا تبحث عن آليات لحماية الملاحة الأوكرانية في البحر الأسود

تعد مدينة أوديسا بوابة أوكرانيا الاقتصادية إلى العالم، حيث تمثل موانئها شرياناً حيوياً للتجارة الخارجية وتصدير المنتجات الزراعية، ولا تحتاج روسيا إلى تدمير كل سفينة تدخل الموانئ الأوكرانية من أجل إحكام الحصار البحري على أوكرانيا، بل يكفيها أن تجعل الرحلة إلى تلك الموانئ محفوفة بالمخاطر إلى درجة تدفع مالكي السفن وشركات الشحن إلى التردد في خوضها.

ومنذ يوليو الماضي، أسهم تجدد الهجمات على السفن التجارية في تحقيق هذا الهدف، حيث باتت حركة الملاحة البحرية تمثل تحدياً متزايداً يهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد الأوكراني ومصادر تمويل المجهود الحربي، ولا تقتصر أهمية هذا المسار البحري على أوكرانيا وحدها، وإنما تمتد إلى إمدادات الغذاء العالمية، نظراً إلى الدور الذي تؤديه الصادرات الزراعية الأوكرانية في الأسواق الدولية.

وفي ظل انخفاض منسوب المياه في نهر الدانوب ومحدودية قدرة الطرق البرية على استيعاب حركة التجارة، تجد كييف نفسها أمام خيارات ضيقة للغاية لتصريف صادراتها ونقل منتجاتها إلى الأسواق الخارجية.

وإذا لم تتم استعادة الملاحة الآمنة في البحر الأسود، فسيظل نحو نصف الصادرات الزراعية الأوكرانية معرضاً للخطر، ولن تقتصر تداعيات هذا الوضع على إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الأوكراني، بل ستتجاوز الحدود الأوكرانية، بما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الضغوط على الدول التي تعتمد على الواردات الزراعية لتلبية احتياجاتها.

خطة مستقلة

وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز جهود تستحق الترحيب، حيث تُجري أوكرانيا وشركاؤها مفاوضات للبحث عن آليات تتيح استعادة الملاحة الآمنة وضمان استمرار حركة السفن التجارية، ومع ذلك لا ينبغي لأوروبا أن تراهن بصورة حصرية على التوصل إلى اتفاق جديد مع روسيا، فقد سبق أن وُقِّع اتفاق بشأن ممر الحبوب في البحر الأسود في يوليو 2022، وظل سارياً لفترة قبل أن تنسحب منه موسكو بعد نحو عام، الأمر الذي يوضح مدى هشاشة الترتيبات التي تعتمد على الالتزام الروسي وحده، ومن ثم فإن أي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار قد يواجه المصير نفسه، ما لم تدعمه إجراءات عملية تضمن استمراره.

لذلك، تحتاج أوروبا إلى وضع خطة مستقلة لا تتوقف فاعليتها على تعاون موسكو أو التزامها بالاتفاقات، ويبدو توفير الحماية العسكرية المباشرة للسفن التجارية أحد الحلول المنطقية، إلا أن تطبيقه يواجه صعوبات كبيرة، ففي الأسابيع الأخيرة، فرضت الطائرات المسيرة الجديدة التي تعمل بمحركات نفاثة ضغوطاً إضافية على منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، وأصبحت تشكل تهديداً للمدن ولحركة الملاحة البحرية على حد سواء، وفي ظل هذه التحديات، قد يكون من الأجدى البحث عن وسائل تجعل استهداف السفن التجارية أكثر كلفة بالنسبة إلى روسيا، بدلاً من الاعتماد حصراً على اعتراض الهجمات أو منع وقوعها.

«أعلام عدم الملاءمة»

ومن بين الخيارات المطروحة إعادة النظر في النظام التقليدي المعروف باسم «أعلام الملاءمة»، الذي يسمح لمالكي السفن بتسجيل سفنهم في دول أخرى، غالباً ما تكون أقل تشدداً في متطلباتها التنظيمية، مقابل رسوم مالية، ويمكن استبدال هذا النهج بما يمكن تسميته «أعلام عدم الملاءمة»، وهي فكرة نوقشت أخيراً بالتعاون مع «معهد توني بلير»، وتهدف إلى منح السفن التجارية المؤهلة فرصة التسجيل تحت أعلام دول تتمتع بثقل سياسي واستراتيجي أكبر.

وبموجب هذا المقترح يمكن لشركاء أوكرانيا الأوروبيين السماح للسفن التجارية المستوفية للشروط بالانضمام إلى سجلاتهم الوطنية، بحيث تخضع للقوانين واللوائح المعمول بها في تلك الدول، وبدلاً من الإبحار تحت أعلام دول تستخدم عادة لأغراض التسجيل التجاري، مثل ليبيريا، يمكن لهذه السفن رفع أعلام دول أوروبية ذات نفوذ سياسي وعسكري، مثل فرنسا أو المملكة المتحدة.

ومن شأن هذه الخطوة أن تضفي على السفن بعداً سياسياً إضافياً، بحيث لا يعود استهدافها مجرد اعتداء على سفن تجارية تابعة لجهات خاصة، بل يصبح عملاً قد تكون له تداعيات مباشرة على علاقات روسيا بالدول التي تحمل السفن أعلامها.

«تحالف الراغبين»

ولا تحتاج أوروبا إلى البدء من نقطة الصفر لتنفيذ هذه الفكرة، حيث سبق أن أعلن «تحالف الراغبين»، بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة، التزامه بالمساعدة في تأمين المياه الأوكرانية بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ويمكن لهذا التحالف أن يبدأ من الآن في إعداد الإطار القانوني والتجاري اللازم لإنشاء ما يمكن وصفه بـ«أسطول تجاري مشترك»، استجابة لدعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى إشراك سفن أجنبية في تسهيل تصدير الحبوب الأوكرانية.

ومن شأن هذا التوجه أن يوفر إطاراً منظماً لمشاركة السفن التجارية في عمليات التصدير، مع الاستفادة من المكانة السياسية للدول التي ترفع تلك السفن أعلامها، ومع أن رفع علم فرنسي أو بريطاني لا يجعل السفينة محصنة بصورة كاملة ضد الهجمات، فإنه قد يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي اعتداء عليها، وإذا اقترنت هذه الخطوة بتوفير تغطية تأمينية ضد مخاطر الحرب، بدعم من الحكومات، فقد تصبح الرحلات إلى الموانئ الأوكرانية مخاطرة مقبولة بالنسبة إلى مالكي السفن وشركات الشحن، بدلاً من أن تظل مغامرة قد تترتب عليها خسائر فادحة.

وهناك بالفعل نموذج تأميني قائم يمكن الاستفادة منه وتطويره، ففي عام 2023 أطلقت الحكومة الأوكرانية، بالتعاون مع شركة الوساطة التأمينية «مارش ماكلينان»، مبادرة «يونيتي»، التي شاركت شركات تأمين في سوق «لويدز» بلندن في تغطيتها، بهدف توفير تأمين ضد مخاطر الحرب لشحنات الحبوب المتجهة عبر البحر الأسود، وفي العام التالي، توسعت المبادرة لتشمل الشحنات غير العسكرية أيضاً، ويمكن للحكومات الأوروبية دراسة تقديم دعم مماثل لترتيبات تأمينية مخصصة للسفن التجارية المشاركة في نقل الصادرات الأوكرانية، بما يقلل الأعباء المالية المحتملة ويشجع المزيد من الشركات على استئناف نشاطها في المنطقة.

طبيعة المخاطر

لكن رفع علم دولة غربية لا يضمن بالضرورة منع روسيا من شن هجمات، ففي نوفمبر الماضي، أصاب هجوم استهدف الميناء الأوكراني «إسماعيل» ناقلة النفط «أوريندا» التي ترفع العلم التركي، وأخيراً استدعت بلغاريا السفير الروسي بعد أن أصابت ثلاث طائرات مسيرة السفينة «تشيلسي 3»، التي ترفع العلم المالطي، داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، وفي ظل حرب تمتد تداعياتها إلى أجزاء أوسع من أوروبا، قد تجد حتى السفن التي ترفع العلم البريطاني أو الفرنسي نفسها في دائرة الخطر إذا لم تكن تحظى بمرافقة بحرية.

غير أن جوهر الفكرة لا يكمن في افتراض أن الأعلام الغربية توفر حماية مطلقة، بل في إدراك أن استخدامها يمكن أن يغير طبيعة المخاطر السياسية المرتبطة باستهداف السفن.

ويمكن أن يشكل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في البحر الأسود، على غرار المبادرة التي تقترحها تركيا والأمم المتحدة، نقطة انطلاق عملية لتنفيذ هذه الاستراتيجية، فمن شأن تهدئة العمليات القتالية أن تتيح للسفن التي ترفع أعلاماً غربية الإبحار في ظروف أقل خطورة، من دون تعريض الترتيبات الجديدة لاختبار فوري في خضم المعارك، كما أن وجود هذه السفن في المنطقة قد يرفع مستوى المخاطر التي تتحملها روسيا في حال قررت استهدافها، حيث إن خرق اتفاق لوقف إطلاق النار من أجل مهاجمة سفينة ترفع علماً غربياً قد يمثل تصعيداً أكثر خطورة من استهداف السفن خلال حملة عسكرية مفتوحة.

فرص إضافية

وقد يتيح هذا التوجه أيضاً فرصاً إضافية على طاولة المفاوضات، لأن وجود سفن ترفع أعلاماً غربية في البحر الأسود يمثل تعزيزاً عملياً لمبدأ حرية الملاحة، ويبعث برسالة مفادها أن استمرار التجارة البحرية لا ينبغي أن يخضع للتهديدات العسكرية أو الحسابات السياسية لطرف واحد، كما أن استعادة حرية الملاحة لن تقتصر فوائدها على أوكرانيا، بل قد تعود بالنفع على الصادرات الروسية المشروعة أيضاً، وتفتح المجال أمام تسويات تفاوضية أوسع، بما في ذلك التوصل إلى تفاهمات بشأن وقف الهجمات المتبادلة التي تستهدف شحنات الحبوب.

وفي المقابل، ينبغي النظر إلى هذه المقترحات في سياق أوسع يتعلق بطبيعة التهديدات الروسية في أوروبا، فقد أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مارك روته، في سبتمبر الماضي، أن الردود على هذه التهديدات لن تكون بالضرورة مماثلة للهجمات، كما أنها لن تكون معلنة دائماً.  عن «فورين بوليسي»

خطوة أولى

ينبغي أن تدرك موسكو أن أي هجوم تشنه في البحر الأسود قد يترتب عليه ثمن باهظ، حتى إن لم تكن قادرة على معرفة توقيت الرد أو طبيعته مسبقاً، ففاعلية الردع لا تعتمد فقط على إعلان الإجراءات التي ستُتخذ، وإنما تقوم أيضاً على إيجاد حالة من عدم اليقين لدى الطرف الآخر بشأن العواقب المحتملة لقراراته، أما إذا لم تكن هناك إجراءات عملية ترفع كلفة استهداف السفن التجارية فقد تظل الأعلام التي ترفعها هذه السفن مجرد رموز شكلية لا توفر حماية حقيقية ولا تغير حسابات روسيا الاستراتيجية.

وغالباً ما يتمحور النقاش بشأن أوكرانيا حول محاولة التنبؤ بالخطوة التالية للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في حين ينبغي توجيه قدر مماثل من الاهتمام نحو ما يمكن لأوكرانيا وشركائها القيام به لتغيير حسابات روسيا، حيث يعد تشكيل تحالف بحري يضم سفناً ترفع أعلاماً غربية خطوة أولى جيدة في هذا المسار.

• أهمية حماية الملاحة في البحر الأسود لا تقتصر على أوكرانيا وحدها، بل تمتد إلى إمدادات الغذاء العالمية.

الأكثر مشاركة