صعود اليمين المتطرف في أوروبا يختبر دستورية الاتحاد ونظامه القانوني

تقترب أوروبا من مرحلة انتخابية لافتة، إذ من المقرر أن تُجري أربع من أكبر خمس دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان، وهي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، انتخابات خلال الأشهر الـ12 المقبلة، بدءاً من إسبانيا في 29 نوفمبر.

وإذا اتجه الناخبون نحو اليمين، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي على نحو يتجاوز بكثير تأثير أي انتخابات وطنية منفردة.

ويبرز في هذا السياق تحولان رئيسان؛ أولهما تراجُع الحاجز الفاصل بين حزب الشعب الأوروبي المنتمي إلى يمين الوسط، وأحزاب اليمين المتطرف، حتى في ألمانيا، التي كانت من أبرز معاقل هذا الحاجز.

وتشارك أحزاب اليمين المتطرف في حكومات إيطاليا وجمهورية التشيك وفنلندا وسلوفاكيا وكرواتيا، فيما تعتمد الحكومة في سلوفينيا على دعم خارجي من أحد هذه الأحزاب.

أما التحول الثاني، فيتمثل في أن المنافسة من جانب اليمين المتطرف تدفع أحزاب اليمين الراديكالي الراسخة إلى تبني مواقف أكثر تشدداً.

ففي كاتالونيا، ينافس تحالف «كاتالونيا» حزب «فوكس».

وفي فرنسا، يواصل حزب «الاسترداد»، بقيادة إريك زامور، الضغط على حزب «التجمع الوطني»، بقيادة ماري لوبان، رغم حصوله على نسبة محدودة من الأصوات.

وفي إيطاليا، ينافس حزب «المستقبل الوطني»، بقيادة روبرتو فاناتشي، حزب «إخوة إيطاليا»، بقيادة جورجيا ميلوني، بينما يشكل حزب «اتحاد التاج البولندي»، بقيادة غريغورز براون، تحدياً لحزب «اتحاد بولندا».

وتحت وطأة هذه الضغوط، يميل المحافظون التقليديون إلى التقارب مع تلك الأحزاب بدلاً من التمسك بمواقفهم، كما يظهر في مواقف الحزب الشعبي في إسبانيا وحزب «الجمهوريون» في فرنسا.

وهكذا، تتحول مواقف كانت هامشية إلى جزء من الخطاب السياسي السائد.

وتدعو لوبان وزعيم حزب «فوكس» الإسباني، سانتياغو أباسكال، إلى منح «الأولوية الوطنية» في الحصول على الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة.

وتحت ضغط من حزبي «الرابطة» و«المستقبل الوطني»، فرضت حكومة ميلوني حداً أقصى يبلغ 30% للطلاب غير الحاملين للجنسية الإيطالية في مقاعد السنة الأولى، استناداً إلى مكان الميلاد أو التعليم السابق.

وتذهب مقترحات أخرى إلى أبعد من ذلك. فقد أشارت تقارير إلى وثيقة استراتيجية مسرّبة تُنسب إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، تقترح إعطاء الدساتير الوطنية أولوية على قانون الاتحاد الأوروبي، وتحويل محكمة العدل الأوروبية إلى مجرد جهة للفصل في النزاعات بين الحكومات.

ويمس هذا المقترح أحد الأسس الجوهرية للتكامل الأوروبي، إذ يقتضي مبدأ سمو قانون الاتحاد الأوروبي أن تطبق السلطات الوطنية، بما فيها المحاكم، أحكام القانون الأوروبي عند تعارضها مع القوانين الوطنية. ويُعد التطبيق الموحد لهذا القانون ركيزة أساسية للسوق الموحدة والنظام القانوني للاتحاد.

وعليه، فإن المسألة تتجاوز الخلافات السياسية لتطال البنية الدستورية للاتحاد، القائم على قيم تنص عليها المادة الثانية من معاهدة الاتحاد الأوروبي، تشمل الكرامة الإنسانية والمساواة والديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الأقليات.

ويهدد أي مشروع سياسي يسعى إلى إخضاع هذه الالتزامات لمفهوم إقصائي للهوية الوطنية الشروط التي تتيح للاتحاد العمل بوصفه كياناً تحكمه قواعد مشتركة.

يمين الوسط

في عام 2021، اقترح المفوض الأوروبي السابق، ميشيل بارنييه، وهو شخصية بارزة في حزب الشعب الأوروبي، إنشاء «درع دستوري» لحماية قانون الهجرة الفرنسي من القيود التي تفرضها الأحكام القضائية الأوروبية.

كما دافع رئيس حزب الشعب الأوروبي، مانفريد فيبر، عن قرار ألمانيا تمديد إجراءات الرقابة على الحدود، رغم الشكوك بشأن مدى توافقها مع قانون الاتحاد الأوروبي.

وفي كل مرة يتعامل فيها حزب الشعب الأوروبي مع الاستثناءات من القواعد المشتركة باعتبارها مقبولة سياسياً، فإنه يمنح شرعية لطروحات لم يكن اليمين المتشدد قادراً على جعلها مقبولة في الخطاب العام بمفرده.

ويقدم البرلمان الأوروبي مثالاً أكثر مباشرة على ذلك. فمنذ نهاية عام 2024، اصطف حزب الشعب الأوروبي إلى جانب اليمين المتطرف في 24 مناسبة موثقة.

وفي سبتمبر، وبعد رفض الحزب التفاوض على نص مشترك مع كتلة «الاشتراكيين والديمقراطيين»، طرح قراراً بشأن أزمة «سبتة»، حمّل سياسة تسوية أوضاع المهاجرين التي انتهجها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، مسؤولية ما حدث.

وأُقر القرار بأغلبية 339 صوتاً مقابل 225، بدعم من كتل «المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون» و«وطنيون من أجل أوروبا» و«أوروبا الأمم ذات السيادة».

ورغم أن هذه القرارات غير الملزمة لا تغيّر القانون، فإنها توضح كيف يمكن للتعاون بين قوى اليمين أن يؤثر في الأجندة البرلمانية، وأن يفضي إلى تحالفات بديلة تضم قوى اليمين المتشدد.

ولاتزال أحزاب اليمين المتشدد تشارك في الائتلافات الحاكمة في إيطاليا وجمهورية التشيك وفنلندا وسلوفاكيا وكرواتيا، فيما تعتمد الحكومة في سلوفينيا على دعمها.

أما المفوضية الأوروبية، فهي أقل عرضة للتأثر المباشر بالتغيرات الانتخابية، على الأقل في الوقت الراهن، لكن وجود مجلس أوروبي أكثر ميلاً إلى القومية، وبرلمان تتزايد فيه هيمنة التحالفات الداعمة للسيادة الوطنية، ومفوضية تتجنب مواجهة الحكومات الوطنية، قد يعزز هذه الاتجاهات بعضها بعضاً.

وتراجعت إجراءات إنفاذ القانون في بعض المجالات، مع حلول الحوار السياسي تدريجياً محل الآليات الرسمية لفرض الالتزام بالقواعد. وقد تؤدي مفوضية مستقبلية أقل تمسكاً بالتكامل الأوروبي إلى إضعاف دورها بوصفها حارسة للمعاهدات ومحركاً لعملية التكامل.

محكمة العدل الأوروبية

تمثل محكمة العدل الأوروبية ثقلاً موازناً مهماً، إذ يتولى قضاتها مناصبهم لفترات محددة، كما تتولى لجنة، بموجب المادة 255 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، تقييم مدى ملاءمة المرشحين قبل تعيينهم باتفاق مشترك بين الحكومات.

وتوفر هذه الترتيبات قدراً من الحماية من الضغوط الانتخابية المباشرة، لكنها لا تحول دون تأثير التحولات السياسية طويلة الأمد. ومع ذلك، لا تستطيع المحكمة العمل بمفردها.

فالمعاهدات تتيح سبلاً محدودة للطعن في تقاعس المؤسسات عن أداء واجباتها. وبموجب المادة 265 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، يمكن لدولة عضو أو للبرلمان الأوروبي رفع دعوى أمام المحكمة ضد مؤسسة بسبب «الامتناع عن اتخاذ إجراء»، وفق شروط محددة.

لكن هذا المسار لا يوفر حلاً شاملاً إذا امتنعت المفوضية الأوروبية عن المضي قدماً في إجراءات قانونية تتعلق بانتهاكات حساسة سياسياً؛ فالحكم بوجود تقاعس لا يضمن تلقائياً الامتثال للقانون.

كما تتيح المادة 259 من المعاهدة لدولة عضو مقاضاة دولة أخرى بسبب انتهاك قانون الاتحاد الأوروبي، شريطة إحالة الأمر أولاً إلى المفوضية.

وتشكل المحاكم الوطنية خط دفاع إضافياً، فبموجب المادة 267 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، يمكن لهذه المحاكم إحالة المسائل المتعلقة بتفسير قانون الاتحاد الأوروبي أو صحته إلى محكمة العدل الأوروبية، وهذا يعني أن إنفاذ القانون لا يعتمد بالكامل على مبادرة المفوضية لبدء الإجراءات.

ويمثل صعود اليمين المتطرف في أوروبا اختباراً لدستورية الاتحاد ونظامه القانوني. ويمتلك الاتحاد أدوات قانونية للدفاع عن نظامه، لكن هذه الأدوات لا تعمل تلقائياً، إذ تعتمد فاعليتها على استعداد المؤسسات والمحاكم الوطنية والمواطنين والشركات لاستخدامها، وعلى تمسك القادة السياسيين بالقواعد المشتركة، بدلاً من التضحية بها سعياً إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل. عن «يورو أوبزرفر»

• يمتلك الاتحاد أدوات قانونية للدفاع عن نظامه، لكن هذه الأدوات لا تعمل تلقائياً، إذ تعتمد فاعليتها على استعداد المؤسسات والمحاكم الوطنية والمواطنين والشركات لاستخدامها.

الأكثر مشاركة