المناطق الحرة في المغرب تضم تجمعات متخصصة في صناعة السيارات. رويترز

السيارات الكهربائية تفتح آفاقاً استثمارية جديدة أمام المغرب

تنتج الصين حالياً أكثر من 70% من السيارات الكهربائية في العالم، وفي عام 2024 تجاوز إنتاجها 12 مليون سيارة، صدّرت منها نحو 1.25 مليون سيارة، اتجه معظمها إلى الأسواق الأوروبية، ما أثار مخاوف الاتحاد الأوروبي من تدفق السيارات الصينية منخفضة الأسعار، والمدعومة حكومياً، إلى أسواقه، الأمر الذي يهدد نحو 13 مليون وظيفة ترتبط بصناعة السيارات الأوروبية.

وفي مواجهة هذه التحديات، دأب الاتحاد الأوروبي، خلال العامين الماضيين، على وضع منظومة من الرسوم الجمركية والقواعد التجارية الرامية إلى الحد من تدفق السيارات الصينية إلى أسواقه، وفي عام 2024، فرض التكتل رسوماً جمركية إضافية تصل إلى 35% على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، تضاف إلى الرسوم الأساسية البالغة 10% المفروضة على الواردات، ومع ذلك لم تحقق هذه التدابير حتى الآن سوى نتائج محدودة، حيث تضاعفت مبيعات السيارات الصينية في أوروبا تقريباً بين عامي 2024 و2025.

ويُعزى جانب كبير من هذا النمو إلى التطور المتسارع لقطاع صناعة السيارات الكهربائية في المغرب، الذي بات يجذب استثمارات صينية ضخمة تستهدف الاستفادة من موقعه الجغرافي وعلاقاته التجارية مع أوروبا، فالشركات الصينية التي تصنع سياراتها داخل المغرب يمكنها الاستفادة من مزايا الاتفاقات التجارية التي تربط المملكة المغربية بالاتحاد الأوروبي، بما يتيح لها تجنب الرسوم المفروضة على السيارات المصنعة في الصين، شريطة استيفاء قواعد المنشأ المعمول بها.

وفي هذا السياق، أعلنت شركات صينية استثمارات بقيمة ستة مليارات دولار لإنشاء مصانع لإنتاج البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية في المغرب، في خطوة تعزز مكانة البلاد باعتبارها مركزاً صناعياً صاعداً في هذا القطاع.

وجهة جاذبة

ويتمتع المغرب، بوصفه قاعدة إنتاجية، بمجموعة من المزايا التي تجعله وجهة جاذبة للاستثمارات في صناعة السيارات، حيث إن لديه ميناء طنجة، الذي يعد من أكبر موانئ المياه العميقة في إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، كما تحيط به مناطق صناعية أنشأتها الحكومة لدعم شركات تصنيع السيارات ومورِّدي مكوناتها، بما يوفر بيئة ملائمة لتوسيع العمليات الإنتاجية وتطوير سلاسل التوريد.

وعلى غرار عدد من جيرانه، يرتبط المغرب باتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، لكنه يتميز عن بقية دول شمال إفريقيا بامتلاكه اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يمنحه إمكانية الوصول إلى أسواق رئيسة، ويعزز جاذبيته لدى الشركات الساعية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل تكاليف التصدير.

وتبرز أيضاً أهمية الموارد الطبيعية التي يمتلكها المغرب، لاسيما المعادن الحيوية المستخدمة في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، حيث يمتلك نحو 70% من الاحتياطيات العالمية من الفوسفات، إلى جانب كميات كبيرة من «الكوبالت»، وهما من الموارد التي يمكن أن تسهم في دعم الصناعات المرتبطة بالبطاريات والطاقة النظيفة، وتعزيز التكامل بين قطاع التعدين والصناعات التحويلية.

أكبر الصادرات

ولا يبدأ المغرب مسيرته في صناعة السيارات من نقطة الصفر، فالسيارات تعد أكبر صادرات البلاد، كما اكتسب عدد كبير من العمال المغاربة خبرة في تجميع المركبات بفضل وجود شركات عالمية كبرى تعمل في السوق المحلية منذ سنوات.

وتشغّل شركتا «رينو» و«ستيلانتس» قواعد صناعية في المغرب، وتضم المجموعة الأخيرة 14 علامة تجارية للسيارات، من بينها «بيجو» و«فيات» و«ألفا روميو»، وقد بلغت قيمة صادرات المغرب من السيارات وقطع الغيار نحو 17 مليار دولار في عام 2024، وهو ما عزز مكانته شريكاً تجارياً رئيساً للاتحاد الأوروبي في قطاع السيارات، متقدماً في هذا المجال على الصين.

وعلى الرغم من هذا النمو، لاتزال صناعة السيارات المغربية في مرحلة انتقالية نحو المركبات الكهربائية، فمن بين نحو 560 ألف مركبة أنتجتها البلاد في عام 2024، كانت الغالبية العظمى تعمل بمحركات البنزين والديزل، بينما لم يتجاوز عدد السيارات الكهربائية نحو 50 ألف مركبة.

غير أن موجة جديدة من الاستثمارات، قد تسهم في تغيير هذا الواقع، ودفع القطاع نحو أنماط إنتاج أكثر استدامة بيئياً، فقد تعهدت شركتا «ستيلانتس» و«رينو» باستثمارات حديثة بمليارات اليوروهات لتوسيع قدراتهما الإنتاجية في مجال السيارات الكهربائية والهجينة، بالتزامن مع دخول استثمارات صينية تستهدف سد الثغرات القائمة في سلاسل التوريد المحلية، خصوصاً في إنتاج «الكاثودات» وخلايا البطاريات، وهي مكونات أساسية في صناعة المركبات الكهربائية.

بيئة ملائمة

وعلى الصعيد التنظيمي، عملت الحكومة المغربية على توفير بيئة استثمارية ملائمة من خلال إنشاء مناطق حرة، تسمح للشركات باستيراد البضائع وتصنيعها ومعالجتها ثم إعادة تصديرها، من دون الخضوع للضرائب والرسوم الجمركية المعتادة، وفقاً للشروط المنظمة لهذه المناطق.

وتضم هذه المناطق تجمعات صناعية متخصصة في صناعة السيارات، أبرزها «مدينة السيارات» في طنجة، التي توفر بنية تحتية متكاملة للشركات العاملة في تصنيع المركبات ومكوناتها، وتساعد على ربط المصانع بالموانئ وشبكات التصدير والأسواق الخارجية.

وفي إطار تعزيز التوافق مع المتطلبات البيئية الأوروبية، استحدث المغرب خلال عام 2026 ضريبة على الكربون، في خطوة تستهدف دعم امتثال صادراته للقواعد واللوائح المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً تلك المرتبطة بالانبعاثات الكربونية والتجارة المستدامة.

طبيعة الأنشطة

وبذلك، يكون المغرب قد هيأ عدداً من الشروط التي تسمح له بالاستفادة من التحولات التي تشهدها تجارة السيارات العالمية، ومن الرسوم الجمركية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المركبات الكهربائية الصينية، إلا أن حجم المكاسب التي يمكن أن تحققها المملكة من هذا التوجه سيعتمد إلى حد كبير على طبيعة الأنشطة التي ستنفذها الشركات الصينية داخل أراضيها، ومدى إسهامها في بناء قاعدة صناعية محلية متكاملة.

فقد تختار بعض الشركات التعامل مع المغرب باعتباره مجرد مركز عبور لإعادة تصدير البضائع إلى أوروبا، من خلال نقل المنتجات عبر أراضيه وإجراء عمليات معالجة محدودة عليها، بهدف الالتفاف على الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الصينية، من دون إنشاء صناعة محلية حقيقية أو توفير قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد المغربي.

وفي المقابل، يمكن للشركات الصينية اتباع مسار مختلف يقوم على إنشاء مصانع فعلية داخل المغرب، ونقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية، وتدريب المهندسين والعمال المحليين، والاعتماد على الموردين المغاربة في تأمين المواد والمكونات اللازمة للإنتاج، ومن شأن هذا النهج أن يتيح للمملكة الاستفادة بصورة أوسع من تدفق الاستثمارات، من خلال توفير فرص العمل، وتطوير المهارات، وتعزيز القدرات الصناعية المحلية.

عن «كونفرزيشن»

• استثمارات صينية بـ 6 مليارات دولار لإنشاء مصانع لإنتاج بطاريات ومكونات المركبات الكهربائية في المغرب.

• المغرب هيّأ عدداً من الشروط التي تسمح له بالاستفادة من التحولات التي تشهدها تجارة السيارات العالمية.

الأكثر مشاركة