سنوات الحرب تعقد عودة اللاجئين الأوكرانيين إلى وطنهم حتى في حال السلام
في عام 2022، عبر ملايين الأوكرانيين الحدود حاملين حقائبهم، على أمل العودة إلى وطنهم في غضون أسابيع أو أشهر قليلة. لكن بعد مرور أكثر من أربع سنوات على بدء الحرب، اتجه كثير منهم إلى بناء حياة جديدة في بلدان أخرى، بعدما طال أمد الحرب، وتغيرت ظروفهم الشخصية والعائلية والمهنية.
وقد يضع أي اتفاق سلام حداً للحرب، لكنه لن ينهي بالضرورة أزمة الهجرة في أوكرانيا، حيث إن عودة اللاجئين إلى وطنهم باتت قضية أكثر تعقيداً من مجرد توقف القتال بين روسيا وأوكرانيا.
ويشير مركز الاستراتيجية الاقتصادية في أوكرانيا، إلى أن نحو 5.6 ملايين أوكراني لايزالون خارج بلادهم بسبب الحرب. ووفقاً لبيانات «يوروستات»، المركز الإحصائي التابع للمفوضية الأوروبية، كان أكثر من 4.4 ملايين شخص فروا من أوكرانيا يتمتعون بالحماية المؤقتة في دول الاتحاد الأوروبي حتى يوليو الماضي.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات عن أشخاص ينتظرون فرصة العودة إلى ديارهم، بل تعكس واقع ملايين البشر الذين واصلوا حياتهم رغم استمرار الحرب.
فقد التحق الأطفال بالمدارس المحلية في البلدان التي لجؤوا أهلهم إليها، وتمكن الآباء من العثور على وظائف، واستأجرت العائلات منازل، وأنشأت شبكات اجتماعية جديدة، فيما تعلم بعضهم لغات أخرى، وبدؤوا مسارات مهنية مختلفة. وهكذا تحول النزوح الذي بدأ بوصفه وضعاً مؤقتاً إلى حياة مستقرة بالنسبة إلى كثيرين.
ولا يعني ذلك أن الأوكرانيين لم يعودوا يرغبون في الرجوع إلى وطنهم، فقد أظهر بحث أجراه مركز الاستراتيجية الاقتصادية أن 43% من اللاجئين الأوكرانيين يخططون للعودة إلى بلادهم، في حين لا يعتزم 36% منهم العودة. ومن بين الذين يرغبون في الرجوع، يقول نحو 80% إنهم لن يقدموا على هذه الخطوة إلا بعد انتهاء الحرب نهائياً، وتحسن الأوضاع الأمنية.
حقيقة جوهرية
ويكشف هذا التباين حقيقة جوهرية، مفادها أن السؤال بالنسبة إلى كثير من الأوكرانيين لم يعد متعلقاً بمدى حبهم لوطنهم، وإنما بمدى ملاءمة العودة لظروفهم العائلية وقدرتهم على استئناف حياتهم فيه.
وقد ترغب أم في العودة إلى بلادها، لكن طفلها ربما يكون قد أمضى أربع سنوات في مدرسة أجنبية، وأصبح يتحدث لغة البلد المضيف بطلاقة أكبر من لغته الأوكرانية. وقد يشتاق أحد الوالدين إلى وطنه، لكنه في الوقت نفسه يتمتع بوظيفة مستقرة في الخارج.
وربما لاتزال إحدى العائلات تمتلك شقة في أوكرانيا، لكنها قد تحتاج إلى إصلاحات قبل أن تصبح صالحة للسكن، أو ربما تكون قد دمرت بالكامل.
وكانت العودة إلى الوطن في عام 2022 تعني في كثير من الحالات، استئناف الحياة التي تركها الناس وراءهم عند فرارهم من الحرب.
أما بعد سنوات من الإقامة في الخارج، فقد أصبحت العودة تعني بالنسبة إلى كثيرين البدء من جديد، وإعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية من الصفر، وبذلك، أصبح مرور الوقت نفسه عاملاً مؤثراً في قرارات الهجرة والاستقرار، ولهذا، لا يمكن التعامل مع انتهاء الحرب باعتباره حلاً تلقائياً لأزمة اللاجئين، فالسلام شرط أساسي لعودة الناس، لكنه لا يكفي وحده لاستعادة الحياة التي كانت قائمة قبل عام 2022.
عوامل مؤثرة
وتبرز في هذا السياق مجموعة من العوامل التي ستؤثر في قرارات العائلات، في مقدمتها توافر المساكن وفرص العمل والمدارس والرعاية الصحية، فضلاً عن ضمان الأمن والاستقرار.
وقد لا تكون الفئة الأكثر أهمية في تحديد مستقبل العودة هي تلك التي حسمت قرارها بالرجوع، ولا تلك التي اختارت البقاء في الخارج بصورة نهائية، بل أولئك الذين لم يتخذوا قرارهم بعد، فمصير هذه الفئة سيتوقف إلى حد كبير على طبيعة أوكرانيا التي ستتشكل بعد انتهاء الحرب، وعلى قدرتها على توفير الظروف اللازمة لعودة آمنة ومستقرة، فإذا وجد هؤلاء مجتمعات آمنة، ومدارس قادرة على استيعاب الأطفال، ومساكن متاحة، وفرص عمل حقيقية، فقد يختار بعضهم العودة إلى بلادهم.
أما إذا واجهوا حالة من عدم اليقين، ومساكن مدمرة، وآفاقاً اقتصادية محدودة، فقد يرون أن الحياة التي بنوها في الخارج توفر لهم ولأسرهم مستقبلاً أفضل وأكثر استقراراً.
ومن هنا، يتعين على أوكرانيا أن تستعد لاحتمال ألا يعود جميع مواطنيها الذين غادروا البلاد، وألا تنظر إلى هذا الاحتمال باعتباره فشلاً في حد ذاته، فالأوكرانيون الذين سيواصلون العيش في الخارج يمكنهم الاحتفاظ بروابط قوية مع وطنهم، من خلال إرسال الأموال إلى أقاربهم، والاستثمار في الشركات الأوكرانية، والعودة إلى البلاد في زيارات دورية، ودعم المجتمعات المحلية، فضلاً عن الإسهام بخبراتهم المهنية من خارج الحدود.
وقد تخرج أوكرانيا من الحرب، نتيجة لذلك، ليس فقط بعدد من المواطنين العائدين إلى ديارهم، وإنما أيضاً بجالية أوكرانية أكبر بكثير وأكثر ترابطاً وانتشاراً في أنحاء العالم. ولا ينبغي النظر إلى هذا الواقع باعتباره إخفاقاً تلقائياً، حيث يمكن لهذه الجاليات أن تظل جزءاً فاعلاً من المجتمع والاقتصاد الأوكرانيين، حتى إن لم تعد جميعها إلى الإقامة الدائمة في البلاد.
تهيئة
وفي المقابل، لا تستطيع الحكومة الأوكرانية إجبار مواطنيها على العودة، وينبغي لها ألا تفعل ذلك. لكنها تستطيع التأثير في الظروف التي تستند إليها العائلات عند اتخاذ قراراتها، من خلال تهيئة بيئة تجعل العودة خياراً ممكناً وآمناً وقابلاً للاستمرار، ويتطلب ذلك حماية حقوق الملكية، وتوفير آليات موثوقة للتعويض عن الأضرار والخسائر، وتوسيع برامج إعادة بناء المساكن، وتطوير خيارات الإيجار والتمويل العقاري بأسعار معقولة.
كما يستلزم إيجاد فرص عمل جديدة، ودعم برامج إعادة التدريب المهني، وتزويد الأوكرانيين المقيمين في الخارج بمعلومات موثوقة ودقيقة عن الأوضاع الأمنية والخدمات التعليمية والرعاية الصحية وفرص التوظيف في مناطقهم الأصلية.
وينبغي ألا ينحصر الهدف في إقناع الأوكرانيين المقيمين خارج بلادهم بالعودة إليها، بل يجب أن يتمثل في تهيئة الظروف التي تجعل العودة خياراً واقعياً ومتاحاً أمامهم، بحيث يتمكن كل فرد وكل عائلة من اتخاذ القرار الأنسب لمستقبلهم. كاتارينا اودارشنكو* *رئيسة المعهد السياسي من أجل الديمقراطية والتنمية. عن «ذا هيل»
• 43 % من اللاجئين يخططون للرجوع.. و36% لا يعتزمون العودة.