كوريا الجنوبية.. الاستعداد للحرب ثمن لازم من أجل «السلام»
عندما داس جندي كوري جنوبي على لغم أرضي في المنطقة منزوعة السلاح في 21 سبتمبر الماضي، كان من الممكن اعتبار ذلك تذكيراً قاتماً بحرب لم تنتهِ رسمياً قط. لكن الانفجار كشف عن أمر أكثر إثارة للقلق: فالنظام الأمني القديم في شبه الجزيرة الكورية يشهد تحولاً، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه كوريا الجنوبية إحياء الحوار مع كوريا الشمالية.
وقد كشف تحقيق مشترك أجرته كوريا الجنوبية وقيادة الأمم المتحدة عن أدلة تشير إلى وجود لغم كوري شمالي مضاد للأفراد بالقرب من موقع الانفجار الذي أسفر عن إصابة ثلاثة جنود كوريين جنوبيين، اثنان منهم بجروح خطرة.
وتقول سيؤول إن اللغم تم زرعه جنوب «خط الترسيم العسكري»، في انتهاك لاتفاقية الهدنة المبرمة عام 1953، في حين نفت كوريا الشمالية مسؤوليتها عن الحادث واتهمت سيؤول باختلاقه.
«التعايش السلمي»
ويأتي هذا التوقيت في لحظة حرجة بالنسبة لرئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، الذي يسعى إلى تجنيب كوريا الجنوبية المواجهة، وتوجيهها نحو ما سماه «التعايش السلمي». وعلى الرغم من ذلك، تعمل حكومته أيضاً على تسريع وتيرة التحديث العسكري، بما في ذلك برنامج لبناء غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية.
ويمثل نهج لي جاي ميونغ أكثر من مجرد نسخة مخففة لاستراتيجيات أسلافه، فهو يرتكز على مبدأ ضرورة إيجاد سبل للتعايش بين الكوريتين، على الرغم من تخلي بيونغ يانغ عن الإطار القديم الذي كان يهدف إلى تحقيق الوحدة في نهاية المطاف، واعتبارها كوريا الجنوبية حالياً دولة معادية.
وجدد رئيس كوريا الجنوبية في سبتمبر الماضي تعهده بالسعي لتحقيق تعايش سلمي عبر الحوار المدعوم بـ«ردع حازم».
توجهات كوريا الشمالية
من جانبها، أمضت كوريا الشمالية السنوات القليلة الماضية في تعزيز تحصينات حدودها، حيث زرعت الألغام، وشيدت الحواجز والطرق التكتيكية، ووسعت نطاق السياجات الأمنية، ونقلت قواتها مراراً وتكراراً عبر مناطق قريبة من خط التماس العسكري. وتعكس هذه التدابير قراراً جديداً نسبياً لدى بيونغ يانغ بالتعامل مع «الجنوب» ليس كشريك وطن مقسم مؤقتاً، بل كدولة منفصلة ومعادية.
والنتيجة هي حدود أكثر خطورة، حتى إن لم تكن لدى كوريا الشمالية نية لشن حرب شاملة، فعندما تعمل قوات مدججة بالسلاح على مقربة شديدة من بعضها بعضاً، قد لا يكون الخطر الأكبر متمثلاً في غزو أو هجوم متعمد. بل إن الخطر الأكبر قد يكمن في سلسلة من ردود الفعل المتتابعة: لغم، أو دورية، أو طلقة تحذيرية، أو عمل انتقامي، يليه مطلب سياسي برد أكثر صرامة.
موازين القوى
وتكمن المشكلة الأعمق فيما وراء المنطقة منزوعة السلاح، في كوريا الشمالية التي تعمل على تغيير موازين القوى العسكرية بطرق تجعل من الردع التقليدي أمراً يزداد تعقيداً.
ولطالما اعتمدت المدفعية الكورية الشمالية بشكل كبير على كثافة النيران، إلا أن الجيش بات يركز الآن بشكل أكبر على المدى والدقة والقدرة على توجيه ضربات في العمق، متجاوزاً الخطوط العملياتية للخصم.
ولا تحتاج كوريا الشمالية إلى غزو الجنوب للحصول على نفوذ سياسي، إذ يمكن لنجاح عسكري محدود، مقترن بالقدرة على جعل أي هجوم مضاد كوري جنوبي مكلفاً للغاية، أن يولد ضغوطاً تدفع نحو التفاوض وفق شروط بيونغ يانغ.
لا شيء مما سبق يشير إلى أن الحرب وشيكة، ولكن التحديث العسكري، لاسيما إدخال تقنيات الحرب بالطائرات المسيرة على نطاق واسع، يغير الخيارات المتاحة لكلا الجانبين.
برنامج كوريا الجنوبية
ومما لاشك فيه أن كوريا الجنوبية تتكيف مع هذه المتغيرات، ولعل أوضح مثال على ذلك هو برنامجها للغواصات التي تعمل بالطاقة النووية. ففي 29 سبتمبر، وافقت حكومة كوريا الجنوبية على مشروع قانون خاص يضع الإطار القانوني والتنظيمي لإدخال هذه السفن وتشغيلها، حيث تهدف الحكومة إلى البدء في بناء الغواصة الأولى في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، وإدخال غواصة محلية الصنع إلى الخدمة في وقت لاحق من العقد نفسه.
ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة بالنسبة لكوريا الجنوبية، نظراً لأن كوريا الشمالية تعمل أيضاً على تطوير قدرات نووية بحرية. وحتى الآن، لم ترد سيؤول على ذلك بالسعي لامتلاك أسلحة نووية، بل اختارت بدلاً من ذلك الحصول على قدرات ردع تقليدية أكثر تطوراً.
وسيتطلب هذا الأمر تنسيقاً أوثق مع واشنطن فيما يتعلق بالوقود النووي، والتكنولوجيا، وترتيبات منع الانتشار النووي، كما أنه يجعل التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية لسيؤول، وذلك على الرغم من التوترات التي شابت العلاقات بين البلدين على جبهات متعددة خلال عهد دونالد ترامب.
العقبة الأكبر
وقد لا تكمن العقبة الأكبر أمام استراتيجية رئيس كوريا الجنوبية في غياب الدبلوماسية، بقدر ما تكمن في الخلاف حول الغاية منها، فبالنسبة لسيؤول يظل الحوار مرتبطاً بهدف نزع السلاح النووي في نهاية المطاف، في حين بات هذا المبدأ مرفوضاً بشكل متزايد بالنسبة لبيونغ يانغ.
وكان نائب وزير الخارجية الكوري الشمالي، كيم سون غيونغ، صرّح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي بأن الوضع النووي لبلاده دائم ولا رجعة فيه. وبالمثل رفضت وزيرة الخارجية الكورية الشمالية، تشوي سون هوي، الدعوات الدولية لنزع السلاح النووي، في حين تواصل بيونغ يانغ وصف نفسها بأنها دولة مسؤولة تمتلك أسلحة نووية.
وتواجه واشنطن مأزقاً مماثلاً، فقد أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماماً بتجديد التواصل مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في حين تواصل كل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، رسمياً، المطالبة بنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية بالكامل.
الاستعداد للحرب
لا يتمثل التحدي الذي يواجهه رئيس كوريا الجنوبية في المفاضلة بين الاستعداد للحرب والسعي لتحقيق السلام، بل في الحيلولة دون تحول الاستعداد للحرب إلى غاية في حد ذاتها، فالردع يجب أن يفسح المجال للدبلوماسية لا أن يحل محلها. وفي الوقت نفسه يتعين على الدبلوماسية أن تقلل من دوافع التصعيد العسكري.
ويكمن الاختبار الحقيقي لسيؤول في قدرتها على الحفاظ على مستوى كافٍ من الردع يجعل العدوان خياراً غير جذاب لبيونغ يانغ، ومستوى كافٍ من الدبلوماسية يجعل التوصل إلى تسوية أمراً ممكناً، ومستوى كافٍ من ضبط النفس للحيلولة دون تحول «معضلة الأمن» إلى واقع محقق لذاته. فبالنسبة لكوريا الجنوبية أصبح الاستعداد للحرب، بشكل متزايد، هو الثمن اللازم لإبقاء احتمالية السلام قائمة. روني ساسميتا* *كبير المحللين في المعهد الاستراتيجي الاقتصادي في إندونيسيا. عن «آسيا تايمز»
الحدّ من التسلح
لا يُشترط أن تبدأ الدبلوماسية بالقضاء على الترسانة النووية لكوريا الشمالية، إذ يمكن لتدابير مثل الحد من التسلح، وقنوات التواصل أثناء الأزمات، وبناء الثقة العسكرية، وتقييد عمليات نشر عسكرية محددة، وآليات منع التصعيد العرضي، أن تحد من المخاطر حتى مع بقاء النزاع الأكبر حول نزع السلاح النووي دون حل.
ولن يؤدي مثل هذا النهج إلى إضفاء الشرعية على الوضع النووي لكوريا الشمالية، بل سيعكس حقيقة أن رفض مناقشة خفض المخاطر إلى حين إتمام نزع السلاح النووي قد يوقع الطرفين في حلقة متزايدة الخطورة من الردع، والردع المضاد.
• تدابير كوريا الشمالية العسكرية تعكس قراراً جديداً نسبياً لدى بيونغ يانغ بالتعامل مع «الجنوب» ليس كشريك وطن مقسم مؤقتاً، بل كدولة منفصلة ومعادية.