السلاح النووي.. ورقة روسية لم تُستخدم رغم تصاعد حرب أوكرانيا
لم يصرّح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، صراحة في أي وقت بأنه سيلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لكنه اتخذ خطوات عدة لترسيخ انطباع بأن موسكو مستعدة لاستخدام هذه الأسلحة، إذا رأت ضرورة عسكرية لذلك، وربما بهدف ردع من تعتبرهم أعداءها.
وتشمل هذه الخطوات إقرار عقيدة نووية محدثة، يبدو أنها تخفض عتبة استخدام روسيا للسلاح النووي، والتأكيد على استعداد موسكو لاستخدام الأسلحة النووية لدعم حلفاء مثل بيلاروسيا، التي تجاور أوكرانيا، ونقل هذه الأسلحة إلى أراضيها، إضافة إلى إجراء مناورات نووية تكتيكية واسعة النطاق بالتزامن مع تصاعد هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية.
وإلى جانب ذلك لم يُبدِ عدد من المقربين من بوتين تحفظاً مماثلاً بشأن احتمال لجوء بلادهم إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، ومن أبرزهم الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي، ديمتري ميدفيديف، الذي دأب على التهديد باستخدامها.
فعلى سبيل المثال، وفي يوليو 2023، علّق ميدفيديف على الهجوم الأوكراني المضاد قائلاً إنه في حال نجاحه «سيتعين علينا استخدام الأسلحة النووية».
وفي وقت سابق من العام نفسه، ومع تعثُّر الهجوم الروسي وتعرُّض أهداف في موسكو لضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة الأوكرانية، أكد ميدفيديف: «صبرنا ليس بلا حدود»، وأن الخيار النووي يظل «ملاذاً أخيراً»، مضيفاً: «اليوم، نحن على بعد خطوات قليلة منه».
ونصح كل من رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والرئيس الصيني، شي جين بينغ، الرئيس الروسي بعدم التفكير في استخدام هذه الأسلحة، التي قد تكون لها تداعيات كارثية على المنطقة والعالم. وتشير تقارير عدة إلى أن تواصل مودي مع بوتين في عام 2022، ومرة أخرى بعد عامين، أسهم في ثني الرئيس الروسي عن اللجوء إلى الأسلحة النووية.
وعلى الرغم من أن الهند وروسيا لم تؤكدا أن مودي أثار المسألة النووية مع بوتين، فإن مسؤولاً بارزاً في الخارجية البولندية أكد في عام 2025 أن مودي نجح بالفعل، قبل ثلاث سنوات، في ثني بوتين عن استخدام تلك الأسلحة.
ويبدو أن الرئيس الصيني، أيضاً حذّر بوتين في مناسبات عدة. فمثل مودي، فعل ذلك في عام 2022، وكرر تحذيره في العام التالي، وإن كان الكرملين قد نفى الأمر في المرة الأخيرة. ومن اللافت أن موسكو لم تنفِ التقارير المتعلقة بتواصل مودي مع بوتين.
وفي كل الأحوال، يبدو أن تحذيرات الزعيمين لم تلقَ آذاناً صاغية. فقد عبر مسؤولون عسكريون ومدنيون، حاليون وسابقون، من فنلندا وفرنسا، التقيت بهم في وقت سابق من هذا الشهر، عن مخاوفهم من أن يؤدي دخول الحرب في أوكرانيا عامها الخامس من دون أفق واضح لنهايتها، في ظل مواقف طرفي الحرب، إلى دفع بوتين بشكل متزايد إلى تنفيذ تهديدات ميدفيديف باستخدام السلاح النووي. وإضافة إلى ذلك، يساور هؤلاء المسؤولين، قلق عميق بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة سترد، وكيف سترد، في حال أصدر بوتين أمراً فعلياً لجيشه بإطلاق سلاح نووي واحد أو أكثر، في محاولة لفرض إنهاء المقاومة الأوكرانية. ويخشون أن تكتفي واشنطن بالمراقبة، وتترك الأوكرانيين وحلفاءهم الأوروبيين لمواجهة مصيرهم بأنفسهم. وفي الوقت نفسه، وعلى نحو متناقض، يساورهم القلق أيضاً من احتمال أن ترد الولايات المتحدة باستخدام أسلحة نووية خاصة بها، ما قد يؤدي إلى تصعيد سريع وربما إلى صراع نووي استراتيجي.
ومع ذلك، ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن بوتين، بغضّ النظر عن تهديداته المباشرة أو المبطنة، والتهديدات الأكثر صراحة التي أطلقها أشخاص مثل ميدفيديف، سيتردد في الموافقة على شن ضربة نووية ضد أوكرانيا، مهما كان الوضع في ساحة المعركة، وسيبقي هذا الخيار كملاذ أخير قد يلجأ إليه.
في البداية، لا يملك الرئيس الروسي يقيناً أكبر بشأن طبيعة الرد الأميركي مقارنة بالأوروبيين الذين تحدثت إليهم. فهو يدرك أن توجيه ضربة انتقامية إلى موسكو قد يؤدي، في الحد الأدنى، إلى انهيار نظامه.
علاوة على ذلك، يواجه بوتين تهديداً نووياً محتملاً ثانياً من فرنسا، التي لطالما كانت داعماً قوياً وثابتاً لأوكرانيا، سياسياً وعسكرياً. وفي الوقت ذاته، تعمل باريس على توسيع نطاق «مبادرة الردع النووي الأمامي» لتشمل عدداً متزايداً من الدول الأوروبية، وباتت فنلندا ضمن هذه القائمة منذ منتصف سبتمبر.
وتجدر الإشارة إلى أن قوة الردع النووي الفرنسية مستقلة عن نظيرتها الأميركية، لذلك لا يمكن لبوتين أن يفترض أنه إذا امتنعت واشنطن عن استخدام أسلحتها النووية، فإن باريس ستحذو حذوها.
ويمتلك الفرنسيون القدرة على توجيه ضربة إلى موسكو، وقد أوضح (مسؤولون فرنسيون) أن باريس لا تستبعد احتمال شن ضربة انتقامية.
وبناءً عليه، ونظراً إلى وجود مصدرين مستقلين لعدم اليقين بشأن كيفية رد الغرب على ضربة نووية روسية، فمن غير المرجح أن يصدر بوتين أمراً بتنفيذها، حتى في أقصى الظروف تطرفاً. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن تواصل روسيا تكثيف هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف البنية التحتية المدنية والعسكرية الأوكرانية.
وقد لا يلجأ بوتين إلى الخيار النووي، لكن مع تزايد استخدام موسكو، الطائرات المسيّرة النفاثة والصواريخ لمهاجمة أهداف أوكرانية على مدار الساعة، فإن كييف في أمسّ الحاجة إلى موارد دفاعية إضافية.
وعلى الرغم من استمرار دول أوروبا الغربية، في تقديم بعض الدعم في هذا الصدد، ومع تراجع مخزونات الذخيرة، ينبغي على الولايات المتحدة بذل كل جهد ممكن لتوفير مساعدات إضافية لكييف في معركتها المستمرة للحفاظ على حريتها واستقلالها. دوف زاكيم* *كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، المقرب من وزارة الدفاع الأميركية. عن «ذا هيل»