أطفال «المهق».. ضحايا الفقر والخرافات القاتلة في مدغشقر
قي وقت متأخر من ليل أحد أيام مايو الماضي، اقتحم ثلاثة رجال الغرفة الصغيرة التي كانت تعيش فيها نيكول سوالالا، مع عائلتها في ضواحي مدينة توليارا الساحلية جنوب مدغشقر. لكن عندما نهض زوجها ليسألهم عن سبب مجيئهم، هاجموه مستخدمين قطعة خشبية وفأساً.
وسارعت سوالالا البالغة 32 عاماً، إلى حمل طفلتها الصغرى لاندريسيا البالغة 18 شهراً، ومصابة بالمهق، ووضعتها على ظهرها، مثبتة إياها بقطعة قماش بدأت في لفها حول جسدها.
وفي تلك الأثناء اختبأت ابنتها الكبرى (15 عاماً)، تحت الطاولة رفقة طفليها الآخرين اللذين يبلغان ست سنوات وثلاث سنوات.
وبينما كان زوج سوالالا ممدداً على الأرض يصارع فقدان الوعي، حوّل المهاجمون أنظارهم نحوها. وتقول سوالالا: «شعرت بأنني أنا المستهدفة، وانتظرت الموت. لكن فجأة بدأ الرجل الذي يحمل الفأس يحاول أخذ طفلتي مني». وتمسكت سوالالا بقطعة القماش، وضمت ابنتها بقوة أكبر إلى جسدها. وقال الرجل «اتركي الطفلة»، فشدّت سوالالا قبضتها أكثر.
وكرر الرجل قوله: «اتركي الطفلة وإلا سنقتلك». ونظراً إلى نفاد صبرهم، أخذ الرجال الطفلة الصغيرة بقوة وهربوا من المكان.
وركضت سوالالا خلفهم وهي تصرخ طلباً للمساعدة وتبكي. وتقول واصفة تلك اللحظات: «شعرت بألم كبير لم أستطع تحمله، وخذلتني قدماي». وسقطت مغشياً عليها على بعد نحو 100 متر على الطريق الترابي، أمام البوابات الكبيرة الحمراء الباهتة لإحدى المدارس.
تحقيق
وخلال الساعات التي تلت اختطاف ابنة سوالالا، تم العثور في الفناء الخارجي على هاتف وحذاء تركهما المهاجمون خلفهم، وقامت الشرطة بأخذهما لغرض التحقيق.
وقبل نحو ثلاثة أشهر كانت سوالالا قد أخذت ابنتها لاندريسيا إلى المستشفى لتعالج الحروق التي أصابتها من الشمس، وهناك التقى زوجها عن طريق المصادفة بأحد الأشخاص الذين كان يعرفهم، والذي شاهدته سوالالا قريباً من منزلهم فعرفت أنه جاء للتعرف إلى مكان منزلهم فأبلغت الشرطة عنه وتم اعتقاله، واعترف على شركائه، وتم العثور على جثة لاندريسيا بعد اعتراف الجناة بمكانها.
وبعد مرور أربعة أشهر، يعكف فريق من المحامين الذين وكّلتهم العائلة على إعداد القضية في مراحلها الأولية. ووفقاً لما ذكرته عضو الفريق، أرليت رافانوماديو، فقد جرى حتى الآن اعتقال 18 شخصاً بينهم امرأتان، وهم رهن الاحتجاز حالياً.
العام الأسوأ
وتعد لاندريسيا من بين 13 شخصاً مصابين بالمهق تعرضوا للقتل في مدغشقر منذ بداية العام الجاري، وفق منظمة «البينوس مدغشقر» التي تأسست عام 2022 للدفاع عن الأشخاص الذين يعانون هذه الحالة.
وجميع أولئك الـ13 تم قطع رؤوسهم. وبحسب المنظمة، فإن ثلاثة من الضحايا هم من الأطفال التي تراوح أعمارهم بين تسعة أشهر و14 عاماً.
وأكدت المنظمة أن هذا العام هو الأسوأ على الإطلاق بالنسبة لحالات قتل المصابين بالمهق في مدغشقر.
وقال رئيس المنظمة فولجينس سوجا، وهو نفسه مصاب بالمهق: «الوضع يبدو صعباً وقاسياً. وهناك كثير من المشكلات الكبيرة التي تواجهنا، كما أننا نشعر بانعدام الأمن حولنا».
خرافات
ويواجه المصابون بالمهق تهديدات خطرة، تشمل القتل والاغتصاب والتشويه، في العديد من الدول الإفريقية. وتغذي هذه الهجمات خرافات تزعم أن أجزاء من أجسادهم تجلب الثروة والنجاح السياسي والحظ السعيد. ويزداد الطلب في مدغشقر - بشكل خاص - على عيون المصابين بالمهق. ويتم استهداف الأطفال تحديداً بسبب معتقدات تشير إلى أن براءتهم تزيد فاعلية أي جرعة سحرية يتم صنعها من أجزاء أجسادهم، فضلاً عن كونهم أكثر عرضة للخطر وأسهل في الاختطاف.
ولا يتحدث أحد علناً عما يجري، لكن الجميع يدركون حقيقته. فقد نفى المعالجون التقليديون (السحرة) الذين تحدثت إليهم صحيفة «الغارديان» علمهم بأي معتقدات تتعلق بالمصابين بالمهق أو الغرض الذي قد تستخدم فيه أجسادهم، وزعموا - هم وآخرون - أن هذه المعتقدات لابد أن تكون وافدة من الخارج.
ظاهرة حديثة
ويقال إن هذا المستوى من الوحشية ضد المصابين بالمهق يعد ظاهرة حديثة في مدغشقر، حيث يتذكر سوجا أنه سمع لأول مرة عن حادثة قطع رأس شخص مصاب بالمهق في عام 2017.
بدورها، بدأت الخبيرة المستقلة المعنية بالمهق في الأمم المتحدة، مولوكا آن ميتي دروموند، في تلقي تقارير عن حوادث قتل في مدغشقر عام 2021.
وتقول دروموند التي زارت مدغشقر وأعدت تقريراً عما يحدث: «لقد سجلنا أكثر من 28 حالة اعتداء بين أواخر عام 2020 و2022، وكانت الأغلبية العظمى منها تستهدف أطفالاً. لقد كان الأمر يثير قلقي».
ووجدت دروموند أن خلفيات المهاجمين كانت متنوعة، وشملت أقارب للضحايا وأفراداً من المجتمع المحلي، وأشخاصاً قدموا من مناطق أخرى، وعصابات الداهالو (سارقي الماشية).
وأوضحت أن «معظم الجناة يتحركون بدافع بيع أجزاء من الجسد أو استغلال المصاب بالمهق لتحقيق مكاسب مالية. وفي كثير من الحالات لا يتم القبض إلا على الوسيط، بينما تظل العقول المدبرة للهجمات مجهولة».
ويجري دفع مبالغ طائلة، تغير مجرى الحياة لمن يبدي استعداداً لقتل طفل مصاب بالمهق والحصول على عينيه. وغالباً ما تكون هناك شبكات كاملة متورطة في هذه الجرائم. ويقال إن وتيرة العنف تتصاعد في الفترات التي تسبق الانتخابات.
وذكرت مصادر لصحيفة «الغارديان» أنه نظراً إلى تلك الأسباب وارتفاع الكلفة، فمن المرجح أن شخصيات ذات نفوذ كبير، بمن فيهم سياسيون ورجال أعمال بارزون، هي التي كانت تأمر بتنفيذ بعض عمليات القتل.
فقر
وتعد مدغشقر واحدة من أفقر دول العالم، حيث يعيش نحو 80% من سكانها على أقل من 2.15 دولار يومياً. ومنذ نيلها الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت البلاد فترات من عدم الاستقرار السياسي، ونزاعات انتخابية وانقلابات عنيفة. وفي أكتوبر 2025، أطاحت احتجاجات قادها الشباب بالرئيس أندري راجولينا، وأعلن العقيد مايكل راندريانيرينا نفسه رئيساً لحكومة انتقالية لفترة قال إنها ستستمر بين 18 و24 شهراً.
كما أنها من أكثر الدول عرضة لمخاطر أزمة المناخ، حيث تتسبب موجات الجفاف والفيضانات والأعاصير في حالات وفاة ونزوح وأضرار تلحق بالمحاصيل والبنية التحتية. وتهدد ظاهرة «النينيو» وموسم شح الموارد بدفع المناطق الجنوبية نحو ظروف طارئة هذا العام، وسط مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
وترى كبيرة مستشاري حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة في مدغشقر سابينا لاوبر، أن هذا الوضع هو الدافع وراء استهداف الأشخاص المصابين بالمهق. وتقول: «تعد مدغشقر واحدة من الدول القليلة جداً في العالم التي شهدت تراجعاً في جميع مؤشرات التنمية والرفاهية على مدى السنوات الـ10 الماضية. وفي الوقت نفسه، تزايد عدد السكان بشكل هائل، ما خلق حالة من اليأس من أجل البقاء، لذا يلجأ الناس إلى ممارسات ضارة لمواجهة هذه المشكلة».
عن «الغارديان»
المهق
المهق أو البرص هو اضطراب وراثي نادر ينتج عنه غياب كامل أو جزئي لمادة الميلانين المسؤولة عن إعطاء الجلد والشعر والعينين لونها، وغالباً ما يؤدي إلى ضعف الرؤية، كما يزيد احتمالات الإصابة بسرطان الجلد.
ويعد معدل الإصابة بالمهق الأعلى في العالم في جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية، حيث يؤثر في نحو 4000 شخص في بعض الدول، وفق منظمة الصحة العالمية.
توسع الهجمات ضد المصابين بالمهق خارج المناطق النائية
تتميز مدغشقر بوجود الموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب والمنغنيز والنحاس. وتنتج البلاد ما لا يقل عن 40% من إمدادات العالم من أحجار الياقوت الأزرق، إلى جانب الياقوت الأحمر والزمرد والكوارتز.
وقال مسؤول حقوق إنسان في الأمم المتحدة توهو فيري رازكانانا، إن نسبة كبيرة من الهجمات التي تستهدف المصابين بالمهق وقعت داخل مناطق التعدين أو قربها، لاسيما مناجم الأحجار الكريمة والذهب.
وأضاف أنه رغم أن هذه الهجمات كانت تتركز سابقاً في مناطق معينة من جنوب البلاد - التي تعتبر على نطاق واسع أكثر فقراً وتعاني مستويات أعلى من انعدام الأمن الغذائي - فإنها باتت تحدث الآن في جميع أنحاء مدغشقر.
ورغم قلة المعلومات التي تم جمعها، فقد بات من الصعب تحديد مصادر ومدى انتشار هذه الهجمات ضد الأشخاص المصابين بالمهق.
وتقول منظمات حقوق الإنسان: «لقد ساءت الأحوال هذا العام بصورة خاصة بسبب الانتشار الجغرافي والطبيعة المروعة لعمليات القتل، حيث بات السكان في المدن هدفاً لهذه الهجمات، ولم يعد الأمر مقتصراً على سكان المناطق الريفية النائية».
وتسود حالة من الرعب بين المصابين بالمهق وعائلاتهم. وتعيش أوديت المصابة بالمهق والبالغة 20 عاماً، في مدينة في شمال مدغشقر، حيث يكون الطقس حاراً على مدار العام. ولا تدرك أوديت سبب كونها مصابة بالمهق، لكنها تعلم أن بصرها مشوش وأن بشرتها تحترق بسهولة.
وتضطر أوديت لتضييق عينيها أثناء محاولتها الرؤية، وتنتشر القروح في ذراعيها وساقيها، كما أن شفتيها متشققتان ومتورمتان جراء التعرض لأشعة الشمس.
ولقي ابن عمها مارسيل البالغ 14عاماً، مصرعه في فبراير الماضي، وكان مصاباً أيضاً بالمهق. وتتذكره أوديت كصبي مرح ومحب للحديث، اعتاد زيارتهم طلباً للصابون.
وجرى قطع رأسه ورمي جثته تحت شجرة مانغو على الجانب الآخر من طريق ترابي، مقابل المنزل الخشبي الذي كان يعيش فيه مع أخته الكبرى وعائلتهما. ولم يتم العثور على رأسه قط.
وعندما زارت صحيفة «الغارديان» فتاتين تبيعان الخضراوات تحت شجرة المانغو ذاتها، شاهدت الإطار الذي كان يجلس عليه مارسيل.
جَدٌ متواطئ في قتل حفيدته
أرسل رئيس مدغشقر مايكل راندريانيرينا، حراسه الشخصيين لملاحقة الجناة، بعد أن أصبحت عمليات قتل المصابين بالمهق قضية تثير قلقاً وطنياً. وتعهدت السيدة الأولى بفتح مركز في جنوب البلاد يكون ملاذاً للمصابين.
وفي الرابع من أغسطس الماضي، تم نشر مقطع فيديو على صفحة الرئيس على موقع «فيس بوك» يظهر جناة مزعومين متورطين في مقتل طفلة مصابة بالمهق، بعد إلقاء القبض عليهم في عملية أمنية سرية، وكان من بين المتواطئين جد الطفلة وعناصر من الشرطة.
وبعد يومين كتب الرئيس منشوراً أرفقه بصور قال فيه: «نظراً إلى أنني سمعت بوجود أشخاص لايزالون يهددون بقتل هذه الطفلة المصابة بالمهق ووالدتها، فقد قررت نقل الأسرة فوراً إلى العاصمة أنتاناناريفو، وسأتحمل شخصياً المسؤولية الكاملة عن حياتهم».
ويؤكد خبراء الأمم المتحدة ونشطاء محليون أن معالجة الأزمة التي يواجهها المصابون بالمهق في مدغشقر تتطلب تضافر الجهود. ويسعى رئيس المنظمة التي تدافع عن المصابين بالمهق، فولجينس سوجا الذي يعمل حالياً مستشاراً للرئيس بشأن هذه القضية، إلى وضع خطة عمل وطنية تتناول جوانب الأمن والتعليم والصحة «حتى نتمكن من العيش مثل بقية الناس»، كما قال.
أما ممثل الأمم المتحدة توهو فيري رازكانانا، فأشار إلى أن غياب البيانات الدقيقة لايزال يشكل عقبة رئيسة، حيث حثّ الحكومة على إجراء تعداد سكاني لتحديد أعداد المصابين بالمهق في البلاد.
• خرافات في مدغشقر تزعم أن أجزاء من أجساد المصابين بالمهق تجلب الثروة والنجاح السياسي والحظ السعيد.
• خبير أممي يحذر من تصاعد الاعتداءات.. وشبكات إجرامية تبحث عن المال وراء الاختطاف والقتل.