ألمانيا تدفع ثمن إرث ميركل السياسي والاقتصادي
يبدو أن شيئاً غير معتاد يحدث في ألمانيا، لكن عند النظر إلى التطورات عن كثب، قد يتضح أن المشهد ليس غريباً إلى هذا الحد، بل يعكس تراكمات سياسية واقتصادية امتدت لسنوات طويلة.
ففي ولايتين ألمانيتين، تعرضت القوى السياسية الوسطية لانتكاسة جديدة، حيث حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف 38.3% من الأصوات في ولاية مكلنبورغ - فوربومرن، بينما حصل حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، المنتمي إلى تيار يمين الوسط، على نحو 4.9% فقط، في أسوأ نتيجة يحققها الحزب في أي انتخابات رسمية منذ عام 1949.
وفي برلين، فقد «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» موقع الصدارة لمصلحة حزب «دي لينكه»، الذي يُنظر إليه باعتباره وريثاً للحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية السابقة، في حين حصل «البديل من أجل ألمانيا» على أكثر من 16% من الأصوات. وقبل ذلك بأسبوعين، كان الحزب نفسه قد حقق فوزاً كبيراً في ولاية ساكسونيا - أنهالت، فيما يتصدر حالياً استطلاعات الرأي على المستوى الوطني، مع نسبة تأييد تقترب من 30%.
تفسيرات
وتقدم المؤسسة السياسية الألمانية تفسيراً مريحاً لهذه التحولات، مفاده بأن الناخبين الألمان يفقدون صوابهم، وبالتالي فإنهم بحاجة إلى مزيد من التوجيه والتقويم والمعلومات من جانب المؤسسة السياسية نفسها التي يوجهون إليها احتجاجهم. غير أن هناك تفسيراً آخر أقل راحة بالنسبة إلى تلك المؤسسة، يرى أن حالة الاضطراب السياسي الراهنة لها جذور عميقة تعود إلى الماضي، وأن كثيراً من هذه الجذور تشكل خلال حقبة المستشارة السابقة أنغيلا ميركل.
فميركل، التي شغلت منصب المستشارة الألمانية بين عامي 2005 و2021، حظيت لسنوات طويلة بصورة الشخصية الأكثر نضجاً ورزانة في السياسة الغربية، حيث ارتبط اسمها بالثبات والبراغماتية والهدوء، وهي صفات منحتها حضوراً سياسياً اتسم بالطمأنينة والاستقرار.
لكن عند النظر إلى تجربتها من منظور السنوات اللاحقة، تبدو ميركل أقرب إلى النموذج المثالي لرموز المؤسسة السياسية التقليدية، فقد كانت شديدة البراعة في قراءة التوافقات السائدة داخل أروقة السلطة وإدارتها، لكنها لم تكن بالقدر نفسه قادرة على إدراك اللحظة التي يتحول فيها ذلك التوافق ذاته من مصدر للاستقرار إلى مشكلة تحتاج إلى تغيير.
الهجرة
وتبرز قضية الهجرة باعتبارها المثال الأوضح على ذلك. فقد بدأ حزب «البديل من أجل ألمانيا» مسيرته السياسية عام 2013 باعتباره حزباً هامشياً يضم في صفوفه أكاديميين معارضين للاتحاد الأوروبي. غير أن أزمة الهجرة التي اندلعت عام 2015، واستقبلت خلالها ألمانيا ما يقرب من مليون شخص من أفغانستان والعراق وسورية، أسهمت في تحويل الحزب إلى قوة قومية أوسع نطاقاً.
وفي الوقت الذي توسع فيه نفوذ «البديل من أجل ألمانيا»، وصفته المؤسسة السياسية الألمانية بأنه حزب «معاد للهجرة»، رغم أن هذه المؤسسة نفسها كانت قد أجرت تحولاً مفاجئاً وجذرياً في سياسة الهجرة، مبتعدة بذلك عن الأعراف والسياسات التي كانت سائدة في السابق.
الطاقة والدفاع
ولا يقتصر الإرث المثير للجدل لحقبة ميركل على قضية الهجرة، بل يمتد أيضاً إلى قطاعي الطاقة والدفاع. ففي أعقاب كارثة فوكوشيما النووية في اليابان عام 2011، سارعت حكومة ميركل إلى تسريع عملية التخلص من الطاقة النووية في ألمانيا، وفي الوقت نفسه سمحت للبلاد بزيادة اعتمادها على الغاز الروسي الرخيص.
وأصبح خط أنابيب «نورد ستريم» لاحقاً رمزاً لما يمكن وصفه بإلحاق الضرر الاستراتيجي بالذات في أبسط صوره. فألمانيا، بوصفها أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا، وضعت جزءاً متزايداً من أمن الطاقة لديها، بل ومن أمن القارة الأوروبية بأسرها، في أيدي خصمها الجيوسياسي الرئيس. وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقتها بولندا وأوكرانيا، فإن تلك المخاوف لم تحظَ بالاهتمام الكافي في برلين.
وفي الوقت نفسه، واصلت ألمانيا لسنوات طويلة إنفاق مبالغ تقل كثيراً عن هدف حلف شمال الأطلسي «الناتو» المتمثل في تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وذلك رغم الضغوط الأميركية المستمرة، سواء خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما أو في عهد خلفه دونالد ترامب.
النموذج الاقتصادي
وهناك ملف آخر كثيراً ما تتجنب الأوساط السياسية الألمانية والأوروبية الوسطية مناقشته بصورة مباشرة، وهو النموذج الاقتصادي القائم على الشركات، والذي يحمل بدوره بصمات واضحة للنهج الوسطي الذي حكم البلاد لفترة طويلة.
وكان من المفترض أن تؤدي السوق الأوروبية الموحدة إلى ترسيخ المنافسة الحرة وتعزيز قدرة الشركات على الابتكار والمنافسة. لكن الواقع اتخذ، في كثير من الحالات، مساراً مختلفاً، حيث تشابكت الحكومة والشركات الكبرى والمصالح المنظمة في شبكة تنظيمية معقدة أسهمت في حماية الشركات القائمة، ورفعت حواجز الدخول أمام منافسين جدد، وأبطأت وتيرة الابتكار.
ووجدت الشركات الصغيرة نفسها غارقة في دوامة من الإجراءات الورقية والبيروقراطية، بينما واجه القطاع الصناعي ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والتشغيل.
نقطة ضعف
ومن هنا، يمكن القول إن القوة السياسية الكبرى لميركل كانت في الوقت نفسه نقطة ضعفها الكبرى، فقد كانت شديدة البراعة في الاستجابة لما يعتبره الرأي العام المحترم والمقبول سياسياً، وفي الحفاظ على التوافقات القائمة وإدارة الخلافات داخل النظام السياسي. لكن ما افتقرت إليه، وفق هذا الطرح، كانت الرؤية الأوسع التي تسمح بإدراك أن السياسات التي تبدو معتدلة ومتوازنة يمكن أن تصل، إذا استمرت دون مراجعة، إلى نتائج بعيدة تماماً عن الاعتدال.
لقد أصبحت تجربة ميركل مثالاً على المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما يتحول الحفاظ على التوافق السياسي والاستجابة لتوقعات المؤسسة والمقربين إلى غاية بحد ذاتها، بحيث تتراجع العواقب طويلة المدى للسياسات المتبعة إلى خلفية المشهد، ولا تعود واضحة بالقدر الكافي لصانعي القرار.
مارك برولين*
*كاتب أميركي
عن «وول ستريت جورنال»
• المؤسسة السياسية الألمانية ترى أن الناخبين الألمان يفقدون صوابهم، وبالتالي فإنهم بحاجة إلى مزيد من التوجيه والتقويم والمعلومات.
• ميركل افتقرت إلى الرؤية الأوسع التي تسمح بإدراك أن السياسات المعتدلة يمكن أن تصل، إذا استمرت دون مراجعة، إلى نتائج بعيدة عن الاعتدال.