قيود ترامب على الصحافيين الأجانب تفتح معركة حرية الإعلام
على مدى أكثر من 40 عاماً، أتاحت سياسة تعود إلى حقبة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، للمراسلين الأجانب البقاء في الولايات المتحدة بصفة قانونية طوال المدة التي تتطلبها وظائفهم.
لكن وزارة الأمن الداخلي الأميركية أعلنت الصيف الماضي أن هؤلاء الصحافيين سيواجهون متطلبات جديدة ومقيدة للحصول على التأشيرات، وهي متطلبات قد يتم استغلالها لمعاقبة من ينتقدون إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتفرض القواعد الجديدة حداً أقصى لمدة الإقامة الأولية للصحافيين لا يتجاوز 240 يوماً «أي أقل من ثمانية أشهر»، ما ينهي العمل بسياسة مرنة استمرت لعقود في ظل إدارات جمهورية وديمقراطية على حد سواء.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت نصيراً لحرية الصحافة دائماً، إلا أن إدارة ترامب أظهرت «عداءً صريحاً» تجاه وسائل الإعلام.
وتذكّر هذه السياسة الجديدة، بشكل يثير القلق، بالممارسات المتبعة في الأنظمة غير الديمقراطية، حيث يتم استخدام قواعد صارمة بشأن التأشيرات لمعاقبة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية التي تنشر تقارير سلبية عن حكومات تلك الدول.
إجراءات مشددة
وتم اتخاذ إجراءات مشددة وقاسية على مستوى مختلف الهيئات الحكومية الأميركية، شملت اعتقال صحافيين وتوجيه اتهامات لهم، وإصدار أوامر استدعاء قضائية، بما في ذلك لأفراد عائلات الصحافيين، وتقييد الوصول إلى البيت الأبيض ووزارة الحرب «البنتاغون»، فضلاً عن تهديد جهات البث الإعلامي، ومقاضاة المؤسسات الإخبارية.
وقد ارتبطت أكثر هذه الممارسات قسوة بحملة التضييق على ملف الهجرة، بما في ذلك إلغاء التأشيرات واحتجاز الصحافيين الأجانب وحتى ترحيلهم.
وتشير هذه الممارسات مجتمعة إلى نمط من «العداء» لا مثيل له في التاريخ الأميركي الحديث، حيث تسعى الحكومة الفيدرالية إلى تطويع الصحافة الحرة وفرض آرائها عليها، ما يعرض الحقوق التي يكفلها «التعديل الأول» للدستور، للخطر.
نظام مرن
وأتاحت السياسة التي تم إقرارها في عهد ريغان للصحافيين، على مدى عقود، العمل لسنوات متعددة، ما منحهم الوقت والاستقرار اللازمين لبناء شبكات علاقات عميقة وجهات اتصال موثوقة، وفهم الحياة الأميركية ونقل تفاصيلها، واكتساب الخبرة، واستئجار مساكن، وتسجيل أطفالهم في المدارس.
وبفضل هذا النظام المرن، تمكن الصحافيون الأجانب من تقديم صورة شاملة ودقيقة لقصة أميركا إلى جمهورهم في أوطانهم، وذلك بلغاتهم الخاصة ومن منظورهم الثقافي.
ضرورة أمنية
وتدّعي وزارة الأمن الداخلي، دون أدلة دامغة، أن المتطلبات الجديدة ضرورية لـ«الأمن القومي ومنع الاحتيال». ومع ذلك، فقد أقرت الوزارة نفسها بـ«غياب البيانات العامة التي تستشهد بها في القاعدة المقترحة في ما يتعلق بالاحتيال وتجاوز مدة الإقامة» تحديداً في ما يخص الصحافيين.
وبالنسبة للصحافيين الراغبين في تمديد إقامتهم، ستلزمهم وزارة الأمن الداخلي بتقديم طلب تمديد كل 240 يوماً للحفاظ على وضع قانوني، ما يترتب عليه تكاليف إضافية، وتقديم بيانات «بيومترية» جديدة، وربما الخضوع لمقابلات حول محتوى تقاريرهم.
وتنطوي هذه الرقابة واسعة النطاق على خطر منح الحكومة سلطة استهداف الصحافيين الأجانب بسبب ما ينشرونه من تقارير.
وقبل وصولهم إلى الولايات المتحدة، يخضع الصحافيون الأجانب لتدقيق أمني شامل ويُجرون مقابلات مع دبلوماسيين أميركيين في الخارج. وبالتالي، تمتلك الحكومة الأميركية معلومات وافية عن سيرهم الذاتية، وبيانات جهات عملهم، والغرض من سفرهم.
قلق وخوف
وأثارت القاعدة الجديدة، حالة من القلق والخوف في أوساط الصحافة الأجنبية، خشية أن تعمد الحكومة إلى ملاحقة الصحافيين بسبب تقاريرهم وتقييد الوصول إلى المعلومات المستقلة.
وفي ظل هذه الأجواء الجديدة، من المرجح أن يعيد الصحافيون الأجانب النظر في قراراتهم التحريرية ويلجأوا إلى الرقابة الذاتية لتجنب الوقوع تحت طائلة تدقيق مسؤولي الأمن الداخلي.
وخلال أغسطس الماضي، وانطلاقاً من قلق عميق بشأن الحق في حرية الصحافة، دعت لجنة حماية الصحافيين في أميركا وغيرها من الجهات المدافعة عن حرية الصحافة، الكونغرس الأميركي إلى ممارسة سلطته الرقابية ووقف العمل بهذه القاعدة.
ويتعين على الكونغرس ضمان عدم عرقلة قدرة الصحافة الأجنبية على مواصلة عملها الإخباري من خلال حيل إدارية، مع الأخذ في الاعتبار أن وزارة الأمن الداخلي تواجه أيضاً تكدساً في معاملات المعالجة، وتتأثر بخلافات الميزانية وحالات إغلاق الوكالات الحكومية.
تدخل قضائي
ولحسن الحظ، تدخل أحد القضاة الفيدراليين قبيل الموعد المقرر لبدء سريان اللوائح، وذلك بعد أن رفعت نقابات ومجموعات حقوقية دعاوى قضائية ضد الحكومة الأميركية اعتراضاً على القواعد الجديدة.
وقال القاضي إف. دينيس سايلور، من بوسطن، إن السياسة المعدلة استندت إلى مبررات «ضعيفة للغاية».
وأضاف: «إن ضعف الرابط بين القاعدة الجديدة والمبررات المزعومة لها يثير تساؤلات مشروعة عما إذا كان الغرض الحقيقي منها ليس حماية الأمن القومي وتأمين الحدود، بل تحقيق أهداف أخرى غير معلنة».
لقمان فتاحي*
*ممثل عن لجنة حماية الصحافيين في أميركا.
عن «ذا هيل»
• وزارة الأمن الداخلي الأميركية تدّعي أن المتطلبات الجديدة ضرورية لـ«الأمن القومي ومنع الاحتيال».
• القواعد الجديدة فرضت حداً أقصى لمدة إقامة الصحافيين لا يتجاوز 240 يوماً ما ينهي العمل بسياسة مرنة استمرت لعقود.