الأرجنتين تراهن على ترامب لاستعادة «فوكلاند»
لايزال النزاع الإقليمي بين الأرجنتين والمملكة المتحدة حول جزر فوكلاند، أو جزر «المالوين»، كما تُعرف في الأرجنتين والدول الناطقة بالإسبانية، يتصاعد، في وقت تسعى بوينس آيرس إلى تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية على لندن، بشأن مستقبل الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي.
وفي الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، الحليف المقرب من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سلسلة من الإجراءات الجديدة الرامية إلى زيادة الضغط على بريطانيا بشأن قضية الجزر، كان أبرزها فرض عقوبات جديدة على الشركات العاملة في استخراج النفط من المياه المحيطة بجزر فوكلاند، التي تطالب الأرجنتين منذ عقود بالسيادة عليها.
لكن اللافت في إعلان ميلي لم يكن فقط ما أعلنه، وإنما أيضاً ما لم يتضمنه الإعلان، حيث لم يكشف الرئيس الأرجنتيني عن أي تحول في الموقف الأميركي تجاه قضية فوكلاند، رغم التكهنات الواسعة التي سبقت خطابه بأن واشنطن قد تكون بصدد اتخاذ خطوة جديدة في هذا الملف.
وكانت الضجة التي أثارها ميلي قبل إعلانه، قد دفعت العديد من المراقبين إلى الاعتقاد أنه ربما يستعد للإعلان عن دعم الولايات المتحدة، للمطالبة الأرجنتينية بالسيادة على الجزر، وتعززت هذه التوقعات بفعل تقارير متواترة بدأت في الظهور منذ أبريل الماضي، أفادت بأن إدارة ترامب تدرس إمكانية الاعتراف بالمطالبة الأرجنتينية بالجزر.
كما أسهمت تصريحات جديدة للرئيس الأميركي في دعم هذه التكهنات، بعدما أشار ترامب إلى أن موقف واشنطن من قضية فوكلاند يخضع للمراجعة، ما فتح الباب أمام احتمالات بشأن إمكانية حدوث تحول في السياسة الأميركية تجاه واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين بريطانيا والأرجنتين.
معضلة أميركية
ورغم أن قضية فوكلاند قد تبدو للوهلة الأولى مسألة هامشية أو غريبة بالنسبة إلى الأميركيين، فإنها لطالما شكلت معضلة حقيقية لصانعي القرار في واشنطن الذين يجدون أنفسهم منقسمين بين التزاماتهم تجاه التحالف التاريخي عبر الأطلسي مع بريطانيا، ومصالحهم الاستراتيجية والسياسية في نصف الكرة الغربي، لاسيما في أميركا اللاتينية.
وقد تضافرت خلال الفترة الأخيرة التحولات الجيوسياسية التي تشهدها الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية لتصب، ولو جزئياً، في مصلحة الأرجنتين، وهو ما يفسر سبب اعتقاد ميلي بأن أمامه فرصة سانحة لزيادة الضغط على بريطانيا بشأن فوكلاند، من دون أن يواجه بالضرورة عزلة دبلوماسية أوسع.
ومن هنا يبرز السؤال: ما الذي يتطلبه الأمر لكي يمنح ترامب حليفه الأرجنتيني ما يبدو أن ميلي يريده بوضوح شديد، أي دعم المطالبة الأرجنتينية بالسيادة على جزر فوكلاند؟
إنجاز سياسي
أصبحت قدرة ميلي، التي يروج لها بنفسه، على انتزاع دعم أميركي للمطالبة الأرجنتينية بالسيادة على الجزر جزءاً رئيساً من خطابه السياسي الداخلي، ويمثل التركيز المتزايد من جانب ميلي على قضية جزر فوكلاند، كما تُعرف غالباً في الأرجنتين، تطوراً جديداً نسبياً في مسيرته السياسية، فقد صعد ميلي إلى السلطة أساساً من خلال شن هجمات حادة ومثيرة للانقسام على خصومه السياسيين المحليين، خصوصاً من التيار اليساري، قبل أن يجعل علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة أحد المحاور الأساسية لسياسته الخارجية.
ويراهن الرئيس الأرجنتيني على أن الاصطفاف الوثيق مع واشنطن يمكن أن يترجم في نهاية المطاف إلى دعم أميركي للمطالبة الأرجنتينية بالسيادة الإقليمية على فوكلاند، ما يمثل تحولاً عن النهج الدبلوماسي الذي اتبعته الأرجنتين خلال السنوات الأخيرة، والذي ركز بدرجة أكبر على بناء تحالفات مع دول الجنوب العالمي.
وبالنسبة إلى ميلي، فإن تحقيق تقدم في ملف الجزر يمكن أن يمثل إنجازاً سياسياً ورمزياً كبيراً، خصوصاً في ظل ارتباط القضية بالهوية الوطنية الأرجنتينية، وبإرث الحرب التي اندلعت بين الأرجنتين وبريطانيا عام 1982.
حليف أكثر أهمية
أما في الولايات المتحدة، فإن جانباً كبيراً من النقاشات الأخيرة بشأن إمكانية دعم الأرجنتين في مواجهة بريطانيا في جنوب المحيط الأطلسي لم يكن يتمحور في الواقع حول جزر فوكلاند نفسها، فبالنسبة إلى ترامب، ترتبط القضية بشكل واضح بالتوترات مع بريطانيا، لاسيما في ظل حرب إيران، حيث تشير التقارير إلى استياء ترامب من لندن بسبب ما اعتبره تقاعساً بريطانياً عن تقديم الدعم الكافي لواشنطن في ما يتعلق بالحرب.
لكن بصرف النظر عن مستوى استياء ترامب من بريطانيا، تظل المملكة المتحدة حليفاً أكثر أهمية وفائدة بكثير بالنسبة إلى الولايات المتحدة مما يمكن أن تكون عليه الأرجنتين.
ورغم ذلك، تبدو الحجج التي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى الاعتراف بالمطالبة الأرجنتينية أكثر وضوحاً ومباشرة، حيث تمتلك واشنطن مصلحة استراتيجية دائمة في إقامة علاقات وثيقة مع دول أميركا اللاتينية، وتعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي.
وقد تبنت إدارة ترامب ما تصفه بأنه عودة إلى «مبدأ مونرو» الذي أعلنه الرئيس الأميركي، جيمس مونرو، عام 1823، وكان هدفه الأصلي حماية الدول المستقلة حديثاً في أميركا اللاتينية من التدخلات والممارسات الأوروبية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى السيطرة البريطانية على جزر فوكلاند باعتبارها نموذجاً للممارسات الاستعمارية الأوروبية التي يتعارض استمرارها مع التصور الأميركي المتجدد لدور واشنطن في نصف الكرة الغربي، خصوصاً أن بريطانيا استولت على الجزر من الأرجنتين تحت تهديد القوة عام 1833.
وإذا كانت الولايات المتحدة عازمة بالفعل على إعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي على حساب علاقاتها ومصالحها في أوروبا أو الشرق الأوسط، فإن إعادة ترتيب علاقاتها مع بريطانيا والأرجنتين قد تبدو - من هذا المنظور - خياراً أكثر منطقية بالنسبة إلى واشنطن.
موقع استراتيجي
ولا تقتصر أهمية جزر فوكلاند على رمزيتها السياسية بالنسبة إلى الأرجنتين، حيث تتمتع أيضاً بموقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، فالجزر تشرف على ممرات مائية استراتيجية تقود إلى مضيق ماجلان ورأس هورن، وكانت قبل افتتاح قناة بنما تمثل جزءاً محورياً من الطريق البحري الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ.
وكان الموقع الاستراتيجي للجزر أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت بريطانيا إلى السيطرة عليها في المقام الأول، ضمن شبكة واسعة من القواعد والمواقع البحرية التي امتدت عبر إمبراطوريتها من سنغافورة وكيب تاون وجبل طارق.
وتجلت القيمة العسكرية والاستراتيجية للجزر بوضوح خلال الحرب العالمية الأولى، لاسيما في «معركة جزر فوكلاند» عام 1914، عندما تمكنت البحرية الملكية البريطانية من تدمير «سرب شرق آسيا» الألماني أثناء محاولته دخول المحيط الأطلسي. ومن ثم فإن السيطرة على الجزر لا ترتبط بالنزاع التاريخي فقط بين الأرجنتين وبريطانيا، وإنما تمنح أيضاً نفوذاً على واحدة من المناطق البحرية المهمة في أقصى جنوب المحيط الأطلسي.
صفقة محتملة
وبناء على ذلك، يبدو أن العرض الذي يقدمه ميلي لترامب يمكن تلخيصه في معادلة واضحة: مقابل الحصول على دعم أميركي في مواجهة بريطانيا بشأن جزر فوكلاند، ستمنح الأرجنتين الجيش الأميركي، والمصالح التجارية الأميركية، إمكانية غير مسبوقة للوصول إلى أراضيها ومواقعها الاستراتيجية الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي.
ويبدو أن ميلي يراهن على أن هذه الصفقة ستجعل دعم الولايات المتحدة للمطالبة الأرجنتينية أكثر جاذبية من الناحية الاستراتيجية، خصوصاً في ظل رغبة واشنطن في تعزيز حضورها في أميركا اللاتينية، والحد من نفوذ القوى المنافسة في المنطقة.
لكن هناك أسباباً وجيهة للتشكيك في قدرة الرئيس الأرجنتيني الذي تتراجع شعبيته داخلياً بشكل متزايد، على الوفاء بكل ما قد يتعهد به لواشنطن.
فهناك عدد من أبرز القادة في اليسار الأرجنتيني ورغم تأييدهم الصريح لمواجهة بريطانيا بشأن جزر فوكلاند، ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها تهديداً محتملاً للسيادة الأرجنتينية أيضاً، حيث يحذرون تحديداً من احتمال أن يؤدي التقارب المتزايد مع واشنطن إلى منح الولايات المتحدة نفوذاً واسعاً على القواعد والمنشآت البحرية الأرجنتينية في منطقة «تييرا ديل فويغو»، أو «أرض النار» في أقصى جنوب البلاد.
السيادة الأرجنتينية
وبالتالي فإن الدعم الأرجنتيني لقضية فوكلاند لا يعني بالضرورة قبول الأرجنتينيين بتحويل الأراضي والممرات البحرية والموارد الطبيعية المحيطة بالجزر إلى مجال نفوذ أميركي، فالأرجنتينيون، على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية والسياسية، متحدون إلى حد كبير حول قضية الجزر ورغبتهم في استعادتها، لكن تصورهم لهذه العودة يقوم على إخضاع الجزر والممرات البحرية الحيوية والموارد الطبيعية المحيطة بها للسيادة الأرجنتينية، وليس نقلها من السيطرة البريطانية إلى السيطرة الأميركية.
لقد ربط ميلي مستقبله السياسي بشكل متزايد بإثبات أن تبعيته الوثيقة للولايات المتحدة يمكن أن تمنحه ما يريده الأرجنتينيون منذ عقود، أي استعادة جزر فوكلاند، غير أن احتياجات ميلي السياسية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن، فالولايات المتحدة لا تمتلك، في الوقت الحالي، سبباً حقيقياً وقوياً يدفعها إلى تغيير موقفها جذرياً، طالما أنها قادرة على الموازنة بين علاقتها مع الأرجنتين وتحالفها مع بريطانيا، وكسب الوقت مع كلا الطرفين. عن «رسبنسبل ستيتكرافت»
انتظار دعم قد لا يتحقق
يبدو أن الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، ينتظر دعماً أميركياً قد لا يتحقق بالسرعة أو بالشكل الذي يأمله، فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قدم بالفعل خدمات سياسية واقتصادية استثنائية لميلي، بدءاً من تسهيل حزمة إنقاذ مالي بقيمة 20 مليار دولار من جانب وزارة الخزانة الأميركية، وصولاً إلى دعم العلاقات التجارية عبر استيراد لحوم البقر الأرجنتينية.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الحسابات الاستراتيجية، التي كانت قائمة عام 1982، هي نفسها اليوم، فقد أصبحت بريطانيا أضعف عسكرياً، وأقل أهمية من الناحية الجيوسياسية، بالنسبة إلى الاحتياجات الأمنية الأميركية في عام 2026، مقارنة بما كانت عليه خلال حرب فوكلاند عام 1982.
ومع ذلك، فإن تراجع الأهمية النسبية لبريطانيا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن تحالفها التاريخي معها لمصلحة الأرجنتين.
• مصالح واشنطن الاستراتيجية، في نصف الكرة الغربي، تصطدم بأهمية التحالف البريطاني.
• تحقيق تقدم في ملف الجزر يمكن أن يمثل إنجازاً سياسياً، في ظل ارتباط قضية الجزر بالهوية الوطنية.