تراجع الثقة الدولية بواشنطن يدفع حلفاءها لإعادة تقييم الشراكة الاقتصادية والأمنية
تشهد الساحة الدولية تحولاً تدريجياً في نظرة الحكومات والأفراد تجاه الولايات المتحدة؛ حيث بدأت، وفقاً لموقع "أكسيوس"، تفقد موقعها كوجهة تلقائية ومفضلة لحفظ الاحتياطيات المالية، وشراء العتاد العسكري، وجذب الكفاءات الطلابية والسياحية، في مؤشر على تآكل تدريجي لامتيازات دعمت نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي لعقود.
وعلى الصعيد المالي، أقدمت هولندا مؤخراً على استرداد 86 طناً من احتياطياتها من الذهب المودعة في الولايات المتحدة وكندا كإجراء تحوطي لمواجهة المخاطر النظامية العالمية، بعد خطوة مماثلة سحبت بموجبها فرنسا كامل ذهبها من نيويورك، تزامناً مع نقاشات محتدمة تشهدها برلين وروما ومدريد لإعادة أرصدتها المعدنية.
وفي السياق ذاته، أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر عالمياً، اعتزامه تقليص حيازته من سندات الخزانة الأميركية وسط حالة من عدم الاستقرار في أسواق الدين السيادي للولايات المتحدة.
ولم يتوقف هذا المسار عند المؤشرات النقدية؛ إذ تتجه العواصم الأوروبية لتعزيز التصنيع الدفاعي المحلي لتقليص الاعتماد على التسلح الأميركي، بالتزامن مع وضع الاتحاد الأوروبي مسودات تنظيمية لخدمات الحوسبة السحابية تحدّ من نفوذ عمالقة التكنولوجيا الأميركيين مثل «أمازون» و«غوغل» و«مايكروسوفت» في المناقصات الحكومية الحساسة.
وانعكست هذه الضغوط الجيوسياسية على الجانب الشعبي والأكاديمي؛ إذ أظهرت البيانات تراجعاً في طلبات التحاق الطلاب الدوليين بالجامعات الأميركية بنسبة 10%، مدفوعة بتشديد إجراءات التأشيرات وسياسات الهجرة الصارمة التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. كما انخفضت حركة السياحة والرحلات الدولية الوافدة إلى الولايات المتحدة بنسبة 5.5% خلال عام 2025 للمرة الأولى منذ جائحة كورونا، وتراجعت معدلات السفر القادم من كندا وألمانيا بنحو 25%.
وعزز استطلاع حديث أجراه مركز «بيو» للأبحاث هذا التوجه؛ حيث كشف عن تراجع حاد في ثقة الحلفاء الغربيين؛ إذ انحصرت النظرة إلى واشنطن كشريك موثوق في المجر وبولندا فقط من أصل 10 دول شملها الاستطلاع، في حين أجمعت الغالبية العظمى في تلك البلدان على غياب الثقة في قدرة القيادة الأميركية الحالية على إدارة الشؤون الدولية بتوازن.
ورغم هذه المؤشرات السلبية، يؤكد مراقبون أن المشهد لا يمثل فك ارتباط شامل مع واشنطن، في ظل استمرار هيمنة الدولار على التجارة العالمية وبقاء المظلة العسكرية الأميركية ركيزة أساسية لأمن الحلفاء، إلا أن تزايد محاولات تنويع البدائل يضع النفوذ الأميركي التقليدي أمام اختبار طويل الأمد.