عودة لوبان إلى واجهة السباق الرئاسي في فرنسا تحدّ من طموحات بارديلا
أمضى عضو البرلمان الأوروبي، جوردان بارديلا، أشهراً عدة في الاستعداد لخلافة رئيسة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، مارين لوبان، باعتباره المرشح المحتمل للحزب في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، غير أن التطورات الأخيرة فرضت عليه تحدياً مختلفاً، يتمثّل في العودة إلى الصف خلف لوبان، والالتزام بموقعها القيادي، بعدما استعادت موقعها، باعتبارها المرشحة الأبرز للحزب.
وخلال أيام قليلة، برزت بين الزعيمين مواقف متباينة بشأن عدد من الملفات الحساسة، بدءاً من إصلاح نظام التقاعد، ومروراً برحيل أحد أبرز المستشارين الاقتصاديين، ووصولاً إلى مقترح قديم للوبان يقضي بحظر ارتداء الحجاب.
وكان بارديلا، البالغ من العمر 30 عاماً، يُعدّ المرشح الأرجح لخوض الانتخابات الرئاسية باسم «التجمع الوطني»، إلا أنه اضطر إلى التنحي جانباً، في أوائل يوليو الماضي، بعدما خففت محكمة العقوبة الصادرة بحق لوبان في قضية اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أعاد إليها إمكانية الترشح للانتخابات.
وفي إطار استعداداته لحملة انتخابية محتملة، عمل بارديلا على تقديم صورة أكثر اعتدالاً عن «التجمع الوطني»، لاسيما في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، في محاولة لاستقطاب الناخبين المعتدلين الذين سيحتاج الحزب، على الأرجح، إلى أصواتهم إذا أراد تحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
سباق مزدحم
وتتصدر لوبان استطلاعات الرأي في ظل سباق انتخابي مزدحم بالمرشحين، ما يُعزّز فرصها في تصدر الجولة الأولى، والتأهل إلى جولة الإعادة التي تجمع مرشحين اثنين، وكانت لوبان نجحت في الوصول إلى الجولة الثانية مرتين من قبل، لكنها خسرت في المرتين أمام الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون.
غير أن التوترات الكامنة بين لوبان وبارديلا بدأت تتصاعد، خلال الأسابيع التي أعقبت استعادتها مجدداً موقعها مرشحةً للحزب في الانتخابات الرئاسية.
وفي اليوم التالي لصدور حكم قضائي. في يوليو، ظهر بارديلا إلى جانب «معلمته» السياسية بملامح صارمة، في وقت سعت لوبان إلى تقديم علاقتهما باعتبارها شراكة سياسية، بحيث تتولى هي المنافسة على أعلى منصب في فرنسا، بينما يتولى «تلميذها» السياسي منصب رئيس الوزراء، وهو منصب يتمتع بصلاحيات أقل بكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكن هذه الصورة لم تمنع ظهور اختلافات واضحة بينهما في عدد من القضايا السياسية والاقتصادية، فبارديلا لم يحضر مناظرة رئاسية. جرت الأسبوع الماضي، أعادت خلالها لوبان تأكيد تمسكها بأحد أبرز وعودها الانتخابية، والمتمثّل في التراجع عن جزء رئيس من إصلاحات ماكرون لنظام التقاعد، والسماح للعمال بالتقاعد عند سن الـ62.
وكان بارديلا شكك علناً في هذه السياسة. في وقت سابق من العام، في إطار مساعيه إلى تقديم نفسه بوصفه قائداً يولي أهمية كبيرة للانضباط المالي، وضبط الإنفاق العام.
«قرار شخصي»
وبينما كانت لوبان تستعرض برنامجها الاقتصادي خلال المناظرة، ظهرت أنباء عن مغادرة أحد أبرز مستشاريها الاقتصاديين، فرانسوا دورفي، الذي كان من أكثر المؤيدين للتشدد في ما يتعلق بالانضباط المالي داخل الحملة الانتخابية.
وغادر الخبير المالي السابق منصبه بعدما أفادت تقارير بأنه حثّ بارديلا على التمرد على لوبان، والترشح للرئاسة بدلاً منها، كما أوضح خلال جلسات خاصة وتصريحات علنية، أنه لم يعد يرى في نفسه القدرة على الدفاع عن المواقف الاقتصادية التي يتبناها الحزب.
ورداً على أسئلة الصحافيين المتكررة خلال فعالية انتخابية، وصف بارديلا رحيل دورفي بأنه «قرار شخصي» اتخذه المستشار السابق، في موقف بدا متناقضاً مع تصريحات لوبان التي قالت، على هامش المناظرة، إن رحيله جاء بناء على «رغبة منها»، وفي محاولة لاحتواء الخلافات المتزايدة والتقليل من أهميتها، سعى مسؤولو «التجمع الوطني» إلى تأكيد أن ما يجري لا يتجاوز حدود النقاش الداخلي المعتاد داخل الحزب.
أمور غير محسومة
وقال النائب البرلماني المتحدث باسم «التجمع الوطني»، لوران جاكوبيلي، إن الحزب شهد «نقاشاً داخلياً» انتهى إلى طرح مقترح يقضي بحظر ارتداء الحجاب، مضيفاً أن «الأمر حسم بموافقة الجميع، بمن فيهم جوردان بارديلا»، كما أقرّ النائب البرلماني عن «التجمع الوطني»، ألكسندر لوبيه، بأن الحزب لايزال يناقش تفاصيل عدد من البنود الواردة في برنامجه الانتخابي.
وقال لوبيه، في تصريحات لموقع «بوليتيكو» خلال معرض زراعي حضره بارديلا أخيراً، إن «هناك أموراً كثيرة لاتزال بحاجة إلى الحسم»، واعترف لوبيه بأن الحزب لايزال يعمل على تحديد الكُلفة المالية اللازمة لتنفيذ وعد لوبان بالتراجع عن إصلاحات ماكرون لنظام التقاعد، في وقت تعهدت رئيسة الحزب بتقديم خطة خلال الخريف تهدف إلى خفض الإنفاق بنحو 125 مليار يورو تقريباً.
ومع ذلك، لم يكن جميع الحاضرين في المعرض مقتنعين بأن لوبان هي الخيار الأفضل للحزب في السباق الرئاسي، وقال عامل النظافة كايليغ لو بريس، البالغ من العمر 41 عاماً، والذي حضر خصيصاً لرؤية بارديلا، إن «بارديلا يمكن أن يكون مرشحاً أفضل»، وأضاف لو بريس أنه من مؤيدي لوبان، لكنه أكد أن وصول شخصية مثل بارديلا إلى رئاسة البلاد «كان سيُشكّل أمراً استثنائياً».
وخلال ظهوره في المعرض، حرص بارديلا بدوره على تفادي الدخول في تفاصيل الخلافات مع لوبان، وواصل صد أسئلة الصحافيين المتعلقة بالتباينات بينهما، في وقت يبدو أن عليه الموازنة بين طموحاته السياسية المستقبلية وضرورة الالتزام بقيادة لوبان للحزب والانتخابات الرئاسية المقبلة. عن «بوليتيكو»
• برزت بين بارديلا ولوبان، أخيراً، مواقف متباينة بشأن عدد من الملفات الحساسة، منها إصلاح نظام التقاعد.
• لوبان تصدرت استطلاعات الرأي في ظل سباق انتخابي مزدحم بالمرشحين، ما يُعزّز فرصها في تصدر الجولة الأولى.