أميركا وكندا.. خلافات اقتصادية وشراكة عسكرية راسخة

تتسم العلاقة بين كندا والولايات المتحدة عموماً ببعدين رئيسين: اقتصادي وعسكري. وتسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة البعد الأول دون المساس بالثاني. وتزيد إدارة الرئيس دونالد ترامب الضغوط الاقتصادية على كندا، عبر الرسوم الجمركية، كما فعلت مع دول أخرى، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين البلدين. وقد بلغ هذا التوتر مستوى قد يؤثر في البعد العسكري للعلاقة أيضاً.

وخلال الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة أهمية كبيرة لعلاقتها العسكرية مع كندا، التي فرضتها الجغرافيا إلى حد كبير، إذ كان من المحتمل أن تتحول المواجهة مع الاتحاد السوفييتي إلى حرب نووية. وكان من المرجح أن يمر أي هجوم نووي سوفييتي على الولايات المتحدة عبر الأراضي الكندية. وكانت واشنطن بحاجة إلى رصد أي ضربة نووية سوفييتية قبل وقوعها بوقت كافٍ، لإتاحة المجال أمامها لإطلاق أسلحتها النووية.

وانطلاقاً من ذلك، تعاونت الولايات المتحدة وكندا في بناء ما عُرف باسم خط «الإنذار المبكر البعيد»، وهو سلسلة من محطات الرادار المنتشرة في شمال كندا، لرصد أي هجوم محتمل. واستُبدل هذا النظام في أواخر ثمانينات القرن الماضي بـ«نظام الإنذار الشمالي».

إضافة إلى ذلك، تشكل «نوراد»، أو قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية، قوة مشتركة بين البلدين، يتولى قيادتها دائماً قائد أميركي ونائب قائد كندي.

وبعبارة أخرى، كانت العلاقة الاقتصادية بين البلدين تأتي تاريخياً في المرتبة الثانية بعد العلاقة العسكرية، التي فرضتها الضرورة والجغرافيا.

ومع انتهاء الحرب الباردة، لم يختفِ البعد الأمني للعلاقة، لكن أهميته تراجعت إلى حد ما. وفي الوقت نفسه، أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن، ما أعاد التأكيد على أهمية البعد العسكري في العلاقات الأميركية - الكندية.

وتبرز أهمية كندا في هذا السياق في رغبة الرئيس الأميركي في الاستحواذ على غرينلاند، التي تستند جزئياً إلى تطور أساليب الحرب والتكنولوجيا، وإلى تنامي التهديد المحتمل للممر القطبي من جانب روسيا.

ومع تطور قدرات رصد العمليات العسكرية باستخدام الأقمار الاصطناعية، تراجعت الحاجة إلى خط «الإنذار المبكر البعيد» أو «نظام الإنذار الشمالي» إلى حد كبير.

لكن الأقمار الاصطناعية نفسها أصبحت عرضة للاستهداف، كما ازدادت أهمية القدرات التكنولوجية لاعتراض الصواريخ وتدميرها، إلى جانب مواجهة التهديدات الأخرى في المنطقة القطبية، ما يعزز أهمية أنظمة الدفاع في غرينلاند.

ومع تطور أساليب الحرب، لاسيما في البيئة القطبية، تظل كندا بالغة الأهمية للأمن الأميركي إذا كانت غرينلاند ذات قيمة استراتيجية، كما أن القدرة الأميركية على الدفاع عن كندا بالغة الأهمية لأمن أوتاوا أيضاً.

وتحتاج الولايات المتحدة إلى العمق الاستراتيجي الذي توفره كندا، فيما تحتاج كندا إلى التكنولوجيا الدفاعية التي توفرها الولايات المتحدة لتقليل احتمالات نجاح أي عمل عدائي في القطب الشمالي. ولاتزال «نوراد» قائمة، وتضطلع بدورها في الدفاع الجوي لأميركا الشمالية.

ويبدو، إذاً، أن إثارة أزمة اقتصادية من شأنها الإضرار بمصالح الولايات المتحدة أيضاً. لكن يتضح بشكل متزايد أن واشنطن تعتقد أن أياً من الإجراءات التي تتخذها لا يمكن أن يتجاوز اعتماد كندا على الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، يبرز تساؤل حول ما إذا كان قطع أو إضعاف العلاقات العسكرية سيشكل تهديداً خطراً للولايات المتحدة أيضاً. فغرينلاند لا تمثل بديلاً عن منظومة الدفاع القطبي، لكنها يمكن أن تكون إضافة مفيدة إليها.

ومن الملاحظ أيضاً أن الرئيس الأميركي يفترض أن مثل هذا «الأصل المهم» يجب أن يكون تحت السيطرة الأميركية، رغم التحالف القائم بين الولايات المتحدة والدنمارك في إطار حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ويرى محللون أن ترامب يدرك ليس فقط الأهمية الأقل وضوحاً لغرينلاند، وإنما أيضاً الأهمية الجوهرية لكندا بالنسبة إلى أمن الولايات المتحدة، ناهيك عن أمن كندا نفسها.

ويبدو أن الافتراض السائد هو أن كندا لا تملك مجالاً كبيراً للمناورة على الصعيد العسكري، وبالتالي لا يوجد خطر عسكري كبير من إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بطريقة تحقق فوائد أكبر للولايات المتحدة.

ورغم أن رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، تحدث في مناسبات عدة عن إعادة صياغة علاقات بلاده مع الدول الأخرى، وإنشاء نظام جيوسياسي جديد للدول متوسطة الحجم، فإن ذلك لن يحل على الأرجح مشكلة كندا الأمنية.

ولا تملك كندا خيارات كثيرة في التعامل مع الولايات المتحدة، اقتصادياً أو عسكرياً. وفي المقابل، لا تملك الولايات المتحدة خيارات عسكرية كثيرة تجاه كندا، لكنها تتمتع بقدر أكبر من المرونة الاقتصادية، ومن الواضح أنها تعتزم الاستفادة من ذلك.

وهناك مقولة مفادها أن «الدول ليس لها أصدقاء أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة فقط». وكما هي حال معظم المقولات، فهي ذكية وتنطوي على قدر كبير من الحقيقة، لكنها تفترض أن الدول قادرة على موازنة مصالحها بدقة، وأن العواطف لا يمكن أن تطغى على الحسابات الاستراتيجية. لكن العواطف قادرة على ذلك، وإن كان الأمر ينطوي على مخاطر وتكاليف كبيرة على الدول.

ويعتقد محللون ومراقبون أن هذا هو الحساب الذي تعتمده الولايات المتحدة، أو أنه، إذا لم يكن حساباً مدروساً، غريزة أو وجهة نظر.

وتستند النظرية الجيوسياسية إلى افتراض وجود فاعلين عقلانيين، وهو مبدأ راسخ في العلاقات الدولية. وفي بعض الأحيان، يصبح هذا المنطق العقلاني معقداً ودقيقاً إلى درجة تجعل اليقين أمراً صعباً. ومع ذلك، هناك أمر واحد واضح: كل من الولايات المتحدة وكندا لديهما خيارات.  عن «جيوبوليتكال فيوتشرز»

• لا تملك كندا خيارات كثيرة في التعامل مع الولايات المتحدة، اقتصادياً أو عسكرياً. وفي المقابل، لا تملك الولايات المتحدة خيارات عسكرية كثيرة تجاه كندا، لكنها تتمتع بقدر أكبر من المرونة الاقتصادية، ومن الواضح أنها تعتزم الاستفادة من ذلك.

الأكثر مشاركة