تغيّر المناخ يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي بمسارات شحن بديلة

يعلم الجميع أن تغير المناخ يمثل خطراً كبيراً، لاسيما خلال صيف تشهد فيه أوروبا موجة حر قياسية أخرى، في وقت غطت حرائق الغابات الكندية مساحات شاسعة من أميركا الشمالية بضباب دخاني خطر، بينما تعاني آسيا سلسلة متتالية من الجفاف والفيضانات والأعاصير.

لكن ما لا يُفهم جيداً أن تغيّر المناخ قد أصبح بالفعل القوة الجيوستراتيجية الأكثر أهمية من الناحية النظامية، ولنأخذ على سبيل المثال إطلاق عملية شحن أسبوعية في القطب الشمالي تحت اسم «طريق الحرير الجليدي»، في وقت سابق من أغسطس الجاري، تديرها شركة صينية، وستقلص مسارات العبور المعتادة بين أوروبا والصين إلى النصف.

ويأتي ذلك في إطار استراتيجية «طريق الحرير القطبي» الصينية التي أُطلقت بالتعاون مع روسيا في عام 2017، والتي ستدمج «الطريق البحري الشمالي» في مبادرة «الحزام والطريق»، لإنشاء سلاسل تجارية وإمداد تهيمن عليها الصين.

ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، يظهر هذا المسار كبديل جديد وجذاب للغاية لممرات الشحن الضيقة الأخرى، مثل قناة بنما على سبيل المثال.

وخلال فترة الجفاف بين عامَي 2023 و2024، أجبر انخفاض منسوب المياه على فرض قيود على عدد السفن التي يمكنها المرور عبر قناة بنما، ما أدى إلى انخفاض حجم التجارة بنسبة 32%، مقارنة بعام 2022.

مشكلات ومخاوف

ويحدث الأمر نفسه في أماكن أخرى، ففي أوروبا هذا الصيف، تباطأت عمليات الشحن عبر نهري الراين والدانوب أو توقفت تماماً، حيث وصلت مستويات المياه في هذين النهرين إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق بسبب موجة الحر التي اجتاحت القارة.

وفي رومانيا، تم إغلاق محطة للطاقة النووية تعتمد على نهر الدانوب للتبريد، كما أوقفت شركات صناعة السيارات في البلاد، بما في ذلك «فورد» و«داسيا»، الإنتاج لتوفير الطاقة.

من السهل تصور أن تحذو دول أخرى حذوها، فقد نجت المجر بالفعل بصعوبة من إغلاق المصانع، بالنظر إلى توقعات استمرار درجات الحرارة الأعلى من المعتاد حتى الخريف وما بعده، حيث تجلب دورة «النينيو» الأقوى من المعتاد، مزيداً من الظواهر الجوية المتطرفة، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث مشكلات في شبكات الكهرباء في جميع أنحاء أوروبا.

وبالمثل، ففي الولايات المتحدة، تجف أكبر خزانات البحيرات في البلاد، بالقرب من نهر كولورادو، ما يعرض الطاقة الكهرومائية للخطر.

وهناك بالفعل مخاوف من أن يؤدي الجفاف إلى انخفاض كمية المحصولات وتضخم أسعار الغذاء العالمية بحلول العام المقبل، وهو ما سيحمل بالطبع مخاطره الخاصة على السياسة النقدية وأسعار الأصول.

فلا عجب أن يكون عدد المصطلحات المتعلقة بالمناخ التي ورد ذكرها في مؤتمرات أرباح الشركات الأوروبية هذا الصيف، قد سجل رقماً قياسياً.

إعادة تشكيل الأسواق

سيؤدي تغيّر المناخ في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل الأسواق، لكنه بدأ بالفعل في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي حول العالم.

وقد تكون رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدنماركية غير منطقية، لكن الخبراء والسياسيين من كلا الطرفين (الجمهوريون والديمقراطيون) في الولايات المتحدة (فضلاً عن كندا والدول الإسكندنافية)، يولون اهتماماً أكبر بكثير لمنطقة الشمال الأقصى، فذوبان الجليد في القطب الشمالي جعل الصين تهتم بـ«فنائهم الخلفي»، وخلق منافسة استراتيجية جديدة على طرق التجارة التي تمر قريبة جداً من روسيا.

وبالمثل، فإن اضطرابات سلاسل الإمداد الأوروبية ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل مسألة استراتيجية، فالنقل النهري أمر حاسم لاستقلالية قارة تتعرض لضغوط سياسية من الصين والولايات المتحدة.

ميزة استراتيجية

يمكن القول إن جنوب آسيا هي الأكثر عرضة لتغير المناخ بسبب جغرافيتها وسواحلها المكتظة بالسكان، لكن الصين التي تلعب على المدى الطويل كالعادة، وجدت ميزة استراتيجية في هذا التحدي. فقد عززت صناعاتها البحرية وقدراتها في بناء السفن، وهي ميزة هائلة ليس فقط للسيطرة على اللوجستيات العالمية، بل أيضاً ميزة واضحة في عالم يواجه تحديات بشكل متزايد.

عندما ينتقل العالم في نهاية المطاف من الوقود الأحفوري إلى التكنولوجيا النظيفة، ستكون الصين المستفيد الاقتصادي الرئيس، فهذا البلد ينتج معظم السيارات الكهربائية وخلايا بطاريات الليثيوم في العالم، وقد حجزت بكين لنفسها العديد من معادن الأرض النادرة اللازمة لكل من التكنولوجيا النظيفة والدفاع، وهذا لا يعني القوة الصناعية فحسب، بل قد يعني أيضاً القوة النقدية.

لقد غذّت سيطرة الولايات المتحدة على النفط الرخيص نموها في القرن الـ20، وعززت قوة الدولار، وفي العصر المقبل للتقنيات الخضراء، قد تتمتع الصين بالمزايا نفسها في القرن الـ21.

تقييم التداعيات

ومع بدء الأسواق المالية نفسها في تقييم تداعيات تغيّر المناخ بشكل أفضل، ستتضح معالم الفائزين والخاسرين، وفي ذلك، قال خبير استراتيجيات تغيّر المناخ المقيم في المملكة المتحدة، أنتوني هوبلي، إن «معظم قرارات الاستثمار لاتزال تُتخذ كما لو أن تغيّر المناخ لا يحدث»، ليس بسبب الإنكار بقدر ما هو بسبب وجود «طبقة مفقودة بين بيانات المناخ ورأس المال».

وهذا يعني أنه رغم كل ما يُقال عن المعايير، فإن الطريقة التي تُقيم بها أسواق رأس المال المخاطر المناخية، والفرص المناخية، لاتزال غير متطورة نسبياً.

ويرجع جزء من ذلك إلى نموذج الأعمال الذي يقوم على دورات تجديد مدتها 12 شهراً، بدلاً من منحنى أسعار آجل مدته 20 عاماً، على سبيل المثال، ثم هناك معدلات الخصم المستقبلية للمشاريع الرأسمالية التي يمكن أن تجعل المخاطر المحتملة تختفي، حتى لو كانت لاتزال موجودة في الواقع.

وكما يقول هوبلي: «عندما تتم نمذجة المخاطر المناخية كسيناريو لعام 2050، فإنها تقع في نطاق زمني يمحوها فيه أي معدل خصم معقول».

كما أن كوكب الأرض معرض لخطر محدق، ومع تحسن تقييم الأسواق لتلك الحقيقة، ستكون لذلك تداعياته الجيوستراتيجية الخاصة.  عن «فايننشال تايمز»

• «جنوب آسيا» الأكثر عرضة لتغير المناخ، بسبب جغرافيتها وسواحلها المكتظة بالسكان.

• عندما ينتقل العالم من الوقود الأحفوري إلى التكنولوجيا النظيفة، ستكون الصين المستفيد الاقتصادي الرئيس.

الأكثر مشاركة