ألمانيا تخطط لإنفاق 12 مليار يورو لبناء ترسانة من الأسلحة بعيدة المدى
تتوقع الحكومة الألمانية أن تحتاج إلى نحو 12 مليار يورو لبناء ترسانة جديدة من الأسلحة بعيدة المدى، في إطار مساعيها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والردعية في مواجهة ما تعتبره تهديداً متزايداً من جانب روسيا.
ووفقاً لوثائق داخلية في وزارة الدفاع الألمانية، اطلع عليها موقع «بوليتيكو»، فإن هذه الأسلحة ستمنح القوات الألمانية القدرة على استهداف مواقع عسكرية تقع على مسافات بعيدة جداً خلف خطوط المواجهة، بما يشمل مراكز القيادة والسيطرة والمطارات ومنصات إطلاق الصواريخ، ومراكز الإمداد والدعم اللوجستي.
وتشير الوثائق إلى أن بناء هذه القدرات يمثل أولوية قصوى بالنسبة إلى ألمانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت تتجه فيه الدول الأوروبية إلى إعادة بناء وتعزيز ترساناتها العسكرية، بهدف رفع مستوى الردع في مواجهة روسيا، وتعويض ما تعتبره نقصاً سابقاً في القدرات التقليدية بعيدة المدى.
وتتمثل الرؤية الألمانية في تمكين القوات المسلحة من توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى، مع الاحتفاظ بقدرة مستقلة على الرد باستخدام أسلحة تقليدية، أي من دون الوصول إلى مستوى استخدام الأسلحة النووية أو تجاوز «العتبة النووية».
برنامج صاروخي
وتتكون الخطة الألمانية من أجزاء عدة، على أن تبدأ عمليات تسليم بعض الأسلحة في وقت مبكر من العام المقبل، في حين سيتم تطوير الأنظمة الأكثر تطوراً بالتعاون مع المملكة المتحدة، مع توقع دخولها الخدمة في منتصف العقد المقبل.
وتُظهر بيانات داخلية، صادرة عن وزارة الدفاع الألمانية، أن الحكومة تتوقع الحاجة إلى نحو 12 مليار يورو من أموال الموازنة العامة، لتمويل هذا التوسع الكبير في قدرات الأسلحة بعيدة المدى، غير أن هذه الأموال لم تحصل بعد على الموافقة النهائية، حيث تشير وثيقة أخرى صادرة عن الوزارة، إلى أن تقديرات الكلفة أعدت وأدرجت ضمن عملية التخطيط لموازنة الحكومة.
ويعد الجزء الأسرع تنفيذاً في الخطة الألمانية هو الحصول على صاروخ «كروز» جديد منخفض الكلفة، حيث تسعى برلين إلى نشره بدءاً من عام 2027.
وكان موقع «بوليتيكو» ذكر، في يونيو، أن وزارة الدفاع الألمانية، تدرس مجموعة من الصواريخ التي تنتجها شركة «كوفينانت إندستريز» الأميركية - الإسرائيلية الناشئة، إلى جانب شركات أخرى مرتبطة بأوكرانيا، في إطار بحثها عن منظومات يمكن شراؤها بأعداد كبيرة، وإدخالها الخدمة خلال فترة زمنية قصيرة.
مورّدون رئيسون
وكشفت الوثائق عن وجود ثلاثة مرشحين رئيسين لهذا البرنامج، الأول صاروخ «أنثيم» الذي تُنتجه «كوفينانت إندستريز»، والثاني صاروخ «بارز» الذي تُنتجه شركة أوكرانية لم يتم الكشف عن اسمها، وصاروخ «فلامينغو» الذي تنتجه شركة «فاير بوينت» الأوكرانية.
وتجري ألمانيا مفاوضات مع اثنين من هؤلاء الموردين، بهدف التوصل إلى عقود تسمح لها بالحصول على صواريخ لاختبارها بحلول العام المقبل، تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن عملية الشراء والنشر على نطاق أوسع.
وتصف الوثائق الألمانية هذا النوع من الصواريخ منخفضة الكلفة بأنه سلاح «فعال من حيث الكلفة»، والأهم من ذلك أنه قابل للإنتاج بأعداد كبيرة، الأمر الذي يسمح باستخدامه إلى جانب صواريخ أخرى أكثر تطوراً وأعلى كلفة.
قدرة بعيدة المدى
ويعكس هذا التوجه درساً تقول برلين إنها استخلصته من الحرب في أوكرانيا، حيث تمكنت القوات الأوكرانية من تحقيق نجاح متزايد في استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ لضرب أهداف وبنى تحتية عسكرية بعيدة، إلى جانب استهداف منشآت ومصافي النفط.
وعندما نشر موقع «بوليتيكو» تقريره الأول حول برنامج الصواريخ منخفضة الكلفة في يونيو، أكدت وزارة الدفاع الألمانية أن القدرة على ضرب أهداف مهمة في عمق خطوط العدو، أصبحت «ضرورية لتحقيق ردع فعال».
وقالت الوزارة وقتها، إن الأنظمة الفعالة من حيث الكلفة يمكنها - من خلال تنفيذ هجمات مكثفة - إرباك وإغراق الدفاعات الجوية المعادية، وهو ما يمنحها قيمة عملياتية كبيرة في أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أعلن أمام البرلمان الألماني (البوندستاغ) في أوائل يوليو الماضي، أن بلاده توصلت إلى اتفاق مع الحكومة الأميركية، خلال قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة في أنقرة، لشراء صواريخ «كروز» أميركية من طراز «توماهوك» ونشرها في ألمانيا.
وقال ميرتس إن هذه الخطوة ستساعد بلاده على «سد ثغرة استراتيجية مهمة في الدفاع»، مشيراً في الوقت نفسه، إلى أن ألمانيا ستواصل العمل على تطوير أنظمة أوروبية خاصة بها.
وبحسب الوثائق الداخلية، يتمثل الهدف الألماني في امتلاك قدرة أولية على تشغيل منصات إطلاق الصواريخ الأميركية «تايفون» المزودة بصواريخ «توماهوك» بحلول نهاية العقد الجاري.
ومن شأن هذه الصفقة أن تمنح ألمانيا قدرة بعيدة المدى تم اختبارها واستخدامها بالفعل، في الوقت الذي تعمل فيه برلين وشركاؤها الأوروبيون على تطوير بدائل محلية أكثر تقدماً. وبالتالي ستستخدم ألمانيا منظومة «توماهوك» كحل مرحلي لسد الفجوة الزمنية، إلى حين اكتمال تطوير الأنظمة الأوروبية الجديدة.
جيل جديد من الأسلحة
أما الأجزاء الأخرى من الخطة الألمانية، فيجري تطويرها بالتعاون مع المملكة المتحدة، في إطار مساعي البلدين إلى بناء جيل جديد من الأسلحة بعيدة المدى.
وتعمل برلين ولندن على تطوير صاروخ «كروز» فرط صوتي ضمن اتفاقية «ترينيتي هاوس» التي أبرمها البلدان العام الماضي. وتشير الوثائق إلى أن الهدف يتمثل في امتلاك قدرة أولية على استخدام هذا السلاح بحلول منتصف العقد المقبل.
وكانت الحكومتان الألمانية والبريطانية، أعلنتا بصورة علنية، أن الأسلحة الجديدة بعيدة المدى التي تعملان على تطويرها، يجب أن تكون قادرة على الوصول إلى أهداف تقع على مسافة تتجاوز 2000 كيلومتر.
ويستحوذ هذا المشروع المتقدم على الجزء الأكبر من الميزانية الألمانية المخصصة حالياً لتطوير قدرات الضربات بعيدة المدى. وتخصص إحدى الوثائق الداخلية نحو تسعة مليارات يورو لتطوير وشراء هذه الأسلحة، إضافة إلى نحو 182 مليون يورو لتغطية تكاليف إبقائها في الخدمة وتشغيلها وصيانتها.
ولا ترغب برلين في الاعتماد على نظام صاروخي أوروبي واحد وانتظار اكتماله قبل بناء قدرتها بعيدة المدى، بل تتجه إلى إنشاء ترسانة متنوعة تضم فئات عدة من الأسلحة، بحيث يؤدي كل نوع دوراً مختلفاً ضمن استراتيجية الردع الألمانية. عن «بوليتيكو»
هدف أساسي
يأتي التوسع الألماني في القدرات الصاروخية في ظل تحذيرات متزايدة من جانب القادة العسكريين الألمان، بشأن احتمال اندلاع حرب على أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحلول نهاية العقد الجاري.
وتسعى برلين، من خلال بناء هذه الترسانة الجديدة، إلى ضمان أن أي محاولة لتهديد ألمانيا أو حلفائها لن تقتصر مخاطرها على الأهداف الموجودة بالقرب من خطوط المواجهة، فالهدف الأساسي هو امتلاك القدرة على الوصول إلى البنية التحتية العسكرية المعادية على مسافات بعيدة، بما في ذلك المنشآت التي قد تكون محمية نسبياً بسبب موقعها الجغرافي، وبُعدها عن مناطق القتال المباشر.
• من المتوقع أن تبدأ ألمانيا تسلّم بعض الأسلحة في بداية 2027، بينما سيتم تطوير الأنظمة الأكثر تطوراً بالتعاون مع المملكة المتحدة.
• برلين لا ترغب في الاعتماد على نظام صاروخي أوروبي واحد، بل تتجه إلى إنشاء ترسانة متنوعة تضم فئات عدة من الأسلحة.