الصين تمتلك نفوذاً استثنائياً في مجال العناصر الأرضية النادرة الثقيلة
شكّلت هيمنة الصين على الإمدادات العالمية من المعادن الأرضية النادرة، وما يرتبط بها من ضوابط على التصدير، إحدى أدوات النفوذ «الجيو-اقتصادية» الرئيسة التي استخدمتها بكين في السنوات الأخيرة، ومنذ الموجة الثانية من العقوبات التجارية الأميركية، في أبريل 2025، شددت الصين قيودها أكثر، وأخيراً، في يونيو 2026، أضافت بكين المزيد من الشركات الأميركية إلى القائمة، وأنشأت آلية للإبلاغ عن الانتهاكات، ما زاد من استخدام هيمنتها على المعادن الأرضية النادرة، كسلاح.
وحققت الجهود الحكومية الرامية إلى التنويع بعيداً عن الصين، في آسيا وأميركا الشمالية وأوروبا، نجاحاً متواضعاً، لاسيما في ما يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة الخفيفة، لكن بكين لاتزال تمتلك نفوذاً استثنائياً، لاسيما في مجال العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وتُعدّ هذه المواد أساسية في إنتاج المغناطيسات عالية الحرارة، وتُستخدم على نطاق واسع في أنظمة الدفاع المتطورة، والمركبات الكهربائية، وتوربينات الرياح البحرية.
هيمنة صينية
من الواضح أن الصين القوة العظمى الوحيدة في هذا المجال، فهي تهيمن حالياً على المراحل الثلاث لسلسلة القيمة، حيث تُظهر إحصاءات الوكالة الدولية للطاقة أن الصين سيطرت على نحو 60% من تعدين العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، و91% من عمليات التكرير، و94% من إنتاج المغناطيس في 2024، والجدير بالذكر أن هيمنة الصين تزداد كلما انتقلت إلى المراحل النهائية من سلسلة القيمة.
وتمتلك الصين أكبر احتياطات من العناصر الأرضية النادرة في العالم، حيث تبلغ نحو 44 مليون طن متري، أي نحو 48% من الاحتياطات العالمية، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، لكن هذا ليس سوى جزء من القصة، إذ تكمن الميزة الرئيسة للصين في مراحل التكرير والإنتاج التي تحوّل العناصر الأرضية النادرة إلى مدخلات قابلة للاستخدام، وهذا نتيجة عقود من الاستثمار من المعرفة الفنية والنظام الصناعي الداعم الذي لا يمكن استبداله ببساطة، لذلك فإن إعادة بناء سلسلة توريد تنافس السلسلة الصينية ليست مسألة تتعلق بالموارد، بل بالخبرة والنظام الصناعي.
لا منافسة
لا يوجد منافس واحد يمتلك حالياً المزيج الذي تتمتع به الصين من الموارد، والقدرة على المعالجة، والخبرة التقنية، وحجم التصنيع، والطلب في مراحل الإنتاج النهائية، كما أن معظم القدرات الموجودة خارج الصين مجزأة جغرافياً.
وتواجه دول أخرى تسعى إلى تنويع سلسلة التوريد الخاصة بها بعيداً عن الهيمنة الصينية مهمة بالغة الصعوبة، إذ كيف يمكن التنافس مع لاعب يتمتع بالهيمنة عبر قطاعات فرعية متعددة، سواء في المراحل النهائية أو الأولية، وبفارق كبير، وقد تم بناء هذه الهيمنة على مدى سنوات.
الجهود المبذولة لمعالجة هذه المسألة عديدة، بدءاً من قانون المواد الخام الحيوية، الصادر عن الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى الجهود الحكومية الأميركية، بما في ذلك مشروع «فولت» متعدد الجنسيات، فضلاً عن المبادرات والسياسات الجديدة في أستراليا والهند، ومع وجود استراتيجيات مملوءة بمصطلحات، مثل «الاعتماد على الذات» و«التنويع»، فإن النية واضحة، لكن يبقى أن نرى مدى فاعلية هذه البرامج.
استراتيجيات التحوط
ينبغي على الدول الآسيوية أن تستلهم من تاريخ الحرب الباردة الحديث، وتطبق استراتيجيات التحوط، وعلى الرغم من أن «التحوط» يُفهم في الأغلب على أنه تحقيق التوازن بين قوتين سياسيتين عظميين، فإنه يمكن تطبيقه بالقدر نفسه على المجال الاقتصادي الذي تهيمن عليه قوة واحدة، وبما أن الصين هي القوة العظمى الوحيدة والواضحة في قطاع العناصر الأرضية النادرة، فيجب على جميع الدول الأخرى، سواء كانت قوى متوسطة أم غير ذلك، أن تدرك أن التنسيق هو الأساس، وينبغي أن تركز الاستجابة الفاعلة على التنويع والتعاون، عبر الكيانات التجارية والجهات الحكومية الفاعلة، في ما يتعلق بتعدين المعادن الأرضية النادرة ومعالجتها.
ولكن لا يقل عن ذلك أهميةً، وهو ما لايزال غائباً في كثير من الأحيان، التوافق في السياسات المحلية تجاه تنمية معادن الأرض النادرة، وسيكون وضع سياسات متشابهة في دول عدة في وقت واحد أمراً جيداً لمؤشرات أسهم المعادن الحيوية، لكنه لن يؤدي إلا إلى مزيد من المنافسة بين الدول التي تسعى جميعها إلى تحقيق الهدف ذاته، ومن المفارقات، وبشكل يعود بنتائج عكسية، أن جهود التنويع المستقلة قد تؤدي إلى مزيد من الاعتماد على الصين، حيث تتنافس الدول في ما بينها وتعمل على إضعاف بعضها بعضاً.
التعاون الدولي
لحسن الحظ، يتزايد وعي الدول بضرورة التعاون، ففي الآونة الأخيرة أفادت التقارير أن اليابان أعربت عن اهتمامها بالتعدين المشترك للعناصر الأرضية النادرة من الرواسب الموجودة في الهند، بعد أن وفر اتفاق أولي للتعاون بين هيئة المسح الجيولوجي الهندية والمنظمة اليابانية لأمن المعادن والطاقة، إطاراً لإجراء مسوحات جيولوجية مشتركة واستكشاف المعادن.
وبالفعل، فإن مشروع «تويوتا-تسوشو» للمعادن الأرضية النادرة في ولاية «أندرا براديش»، الذي تديره الشركة التابعة «تويوتسو ريير إيرثز إنديا»، يعالج آلاف الأطنان من أكاسيد المعادن الأرضية النادرة لتصديرها إلى اليابان.
وتُعدّ هذه الشراكة منطقية تماماً، ويُعتقد أن الهند تمتلك ثالث أكبر احتياطي من المعادن الأرضية النادرة في العالم، ومع ذلك فإن إنتاجها يُمثّل أقل من 1% من الإنتاج العالمي، ومن ناحية أخرى، تمتلك اليابان الخبرة التكنولوجية، من خلال شركات، مثل «تويوتا-تسوشو» أو «ميتسوبيشي»، لكنها لا تمتلك عملياً أي رواسب لاستكشافها في البلاد. عن «ذا دبلومات»
• الصين تسيطر على 60% من تعدين العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، و91% من عمليات التكرير، و94% من إنتاج المغناطيس في 2024.