الكرملين ربما يسعى إلى اختبار عزيمة «الناتو». أ.ف.ب

محلل عسكري أميركي يحذر من «توغل» روسي محتمل داخل أوروبا الشرقية

حتى مع دخول حرب روسيا في أوكرانيا عامها الخامس الآن، من دون ظهور أي إشارة إلى توقفها، هناك مخاوف جديدة من أن الكرملين ربما يسعى إلى اختبار عزيمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من خلال القيام بـ«توغل» محدود داخل إحدى جاراته الغربية، وتُتاخم روسيا حدود بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وفنلندا والنرويج، بينما تعتبر فنلندا واحدة من أحدث دولتين انضمتا للحلف، حيث انضمت في عام 2023 بعد فترة طويلة من عدم الانحياز الرسمي، حسبما يرى الكاتب والصحافي الأميركي، بيتر سوشيو.

وأشار سوشيو المتخصص في الشؤون العسكرية والتكنولوجيا والسياسة، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية، إلى أن صحيفة «وول ستريت جورنال» كانت أول من نشر الأخبار الخاصة بنوايا الكرملين، مساء الخميس الماضي.

واستشهدت الصحيفة بتقارير استخباراتية أميركية جديدة تزعم أن روسيا درست سيناريوهات عدة للتصعيد ضد «الناتو»، تراوح بين شن هجوم سيبراني على دول أعضاء في الحلف، وغزو بري على نطاق محدود، وكتبت الصحيفة: «تأتي التقييمات وسط نقص في ذخيرة حيوية معينة سيحتاج إليها الجيش لمواجهة روسيا أو الصين في أي حرب مستقبلية محتملة».

وسيحدث مثل هذا الهجوم في وقت بين هذا الخريف وعام 2029، بهدف الضغط على واشنطن ودفعها إلى اتخاذ إجراء غير مستعدة له، وحتى إحداث تصدع في الحلف، ويعد التوقيت جدير بالملاحظة، فربما يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الرد من الولايات المتحدة سيكون أقل قوة خلال الإدارة الحالية، مع الوضع في الاعتبار شكوك الرئيس دونالد ترامب منذ فترة طويلة في تورط أميركا في الحرب في أوكرانيا و«الناتو» بصفة عامة.

وخلال حملة انتخابية في فبراير عام 2024 في ساوث كارولينا، أبلغ ترامب جمهور الحاضرين بأنه لن يحمي الدول التي لا تدفع نصيبها العادل من مستحقات «الناتو».

ورغم أن ترامب لم يذكر أبداً أسماء الدول المعنية، فإن قائمة أسماء هذه الدول ليست طويلة، ومن بين الدول المذكورة آنفاً التي تُتاخم حدود روسيا، فإن الدول الأكثر عرضة للخطر هي دول البلطيق: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا التي خضعت للسيطرة السوفييتية من عام 1940 إلى 1991، فعدد السكان ضئيل في الدول الثلاث، وهي أكثر عرضة من الناحية الجغرافية لهجوم من نظرائها الشماليين، وقد أظهرت المناورات الحربية مراراً أن روسيا يمكن أن تحتل أي واحدة أو كل دول البلطيق في غضون أشهر قليلة.

لقد شعرت روسيا بألم شديد لفترة طويلة بسبب فقدان دول البلطيق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأشار بوتين إلى أن الدول الصغيرة الثلاث يجب أن تنتمي حقاً إلى مجال النفوذ الروسي، مثل بيلاروسيا المجاورة، وحتى قبل تقرير «وول ستريت جورنال» الأسبوع الماضي، فقد حذرت وكالات استخباراتية من أن موسكو ربما تستخدم عمليات هجينة أو استفزازات محدودة لاختبار عزيمة «الناتو».

وعارض بوتين وشخصيات رفيعة المستوى في الكرملين التوجه الجيوسياسي للجمهوريات السوفييتية السابقة، واعتبروا توسع «الناتو» صوب دول البلطيق تهديداً أمنياً لروسيا، وربما يدعم الرئيس ترامب وحلفاؤه في واشنطن مثل هذه الحجة، وبصفة خاصة إذا ردت موسكو بالقول إنها ليست مهتمة بما يحدث في كوبا أو فنزويلا، ما يشير إلى تحول في النظام العالمي.

وتاريخياً، استخدم دبلوماسيون روس الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية كورقة مساومة، وألمحوا إلى أن موسكو ستقلص وجودها في أميركا اللاتينية إذا منحت أميركا روسيا حرية التحرك والعمل قرب أراضيها.

وهناك شعور آخر بالقلق يتمثل في أن ترامب سعى إلى السيطرة على غرينلاند، وهي جزيرة شبه متمتعة بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك، وهنا ربما يتصور المرء سيناريو مثيراً للقلق، يتمثل في أنه بعد تحرك روسي في أوروبا الشرقية، فإنه يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة الغزو كذريعة للتدخل لحماية غرينلاند، مجادلة بالقول إن «الناتو» غير قادر على حمايتها.

ولايزال السؤال هو عما إذا كانت العقول الهادئة في الكرملين ستخاطر بما يمكن أن تصبح بسهولة حرباً بمثابة نهاية العالم تبدأ باختبار عزيمة «الناتو»، وهناك أيضاً مسألة ما إذا كان المشرعون الأميركيون، الذين يشكلون فرعاً حكومياً مساوياً من الناحية النظرية، سيسمحون للإدارة المناهضة لأوروبا بالتضحية بحلفائها.

وبالطبع، لا يشمل هذا السيناريو عنصراً لا يمكن التنبؤ بأفعاله، ألا وهو ما إذا كانت الصين تختار «توحيد» تايوان مع البر الرئيس، بينما تشن روسيا هجومها على دول البلطيق، وربما تثير إيران اضطرابات إضافية في الشرق الأوسط، حيث أظهرت الحرب الإيرانية المستمرة أن الولايات المتحدة لا يمكنها الوجود في كل مكان في الوقت نفسه، وكلما كان هناك مزيد من المشكلات التي تواجهها في وقت واحد، كلما قل الاهتمام الذي يمكنها أن توليه لأي واحدة من تلك المشكلات.

• روسيا تشعر بألم شديد لفقدان دول البلطيق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

الأكثر مشاركة