رئيس الوزراء البريطاني يواجه معضلة اختيار وزير للخزانة
تُعد العلاقة بين رئيس الوزراء ووزير الخزانة هي الأهم في السياسة البريطانية. باختصار لابد أن يسود التفاهم والتناغم بينهما، وإلا فإن الحكومة لن تستمر في العمل كما ينبغي، فالتاريخ حافل بأمثلة عن حكومات أصبحت معطلة لأن «اللورد الأول للخزانة»، وهو اللقب الكامل لرئيس الوزراء ووزير الخزانة، لم يتفقا في الرأي.
وفي العقود الأخيرة، عندما وقع خلاف بين رئيس الوزراء توني بلير، وغوردون براون، الذي كان وزيراً للخزانة آنذاك، في عام 2005، حول خلافة حزب العمال، فقدت الحكومة زمام الأمور إلى حد كبير، وكان آندي بورنهام، الوريث المفترض لرئيس الوزراء كير ستارمر الذي استقال أخيراً، عضواً في الحكومة آنذاك وشهد ما حدث، وسيصر الآن على تعيين وزير خزانة يتوافق معه.
والخيار الواضح هو أكبر مؤيديه، وزير البيئة والانبعاثات الصفرية إد ميليباند، وقد أعلنت نائبة زعيم حزب العمال لوسي باول، دعمها العلني له لشغل هذا المنصب، لكن هناك معارضة كبيرة لـ«إد الأحمر»، كما تطلق عليه الصحف الشعبية، بسبب سعيه شبه «المقدس» لتحقيق أجندة الطاقة الخضراء.
وتعتقد النقابات العمالية القوية، مثل نقابة «جاي إم بي»، والنواب عن الدوائر الانتخابية الصناعية، أن ميليباند يضحي بالصناعة البريطانية على أمل تحقيق هدف «الصفر الصافي» للانبعاثات من خلال حظر التنقيب في بحر الشمال، والسماح لبريطانيا بأن تكون من بين الدول ذات أعلى أسعار للطاقة في العالم الصناعي، وهذا يمثل عائقاً كبيراً.
ويأتي بعد ذلك في قائمة المرشحين لمنصب وزير الخزانة، وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، ويمكن القول إنه مهد الطريق لـ«انقلاب» آندي بورنهام باستقالته الدرامية من حكومة ستارمر الشهر الماضي، وكان يُعتقد في البداية أنه مرشح محتمل لقيادة الحزب، لكنه قرر دعم بورنهام عندما فشل على ما يبدو في الحصول على الـ81 توقيعاً المطلوبة للمنافسة من أجل القيادة.
وهذا الافتقار إلى الشعبية داخل حزب العمال البرلماني هو العائق الرئيس أمام ستريتينغ في السباق على منصب وزير الخزانة، وهو ينتمي إلى الجناح اليميني للحزب وكان مقرباً من بيتر ماندلسون، المستشار الإعلامي السابق لحزب العمال الذي لاحقته الفضائح. وقد يكون ذلك كافياً لاستبعاده من منصب وزير الخزانة.
ويعتقد العديد من نواب حزب العمال أنه على بورنهام تعيين امرأة في منصب وزير الخزانة لتحقيق التوازن بين الجنسين في إدارته وكسر «نادي الرجال»، كما تصفه الناشطات في مجال حقوق المرأة، في حزب العمال.
وقد رُشحت شابانا محمود، وزيرة الداخلية المعروفة بصرامتها والمهندسة الرئيسة لسياسات الهجرة الأكثر تشدداً، التي ينتهجها حزب العمال، على نطاق واسع، لتولي ثاني أهم منصب في مجلس الوزراء، فهي تتمتع بالكفاءة وتحظى باحترام كبير بفضل ذكائها وثباتها، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت تنتمي إلى معسكر بورنهام، كما أنها تعمل حالياً على تطبيق سياسة حزب العمال المتعلقة بإنشاء «مسارات آمنة وقانونية» للمهاجرين المحتملين، ولذلك ليس من السهل استبدالها.
ووزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، هي واحدة من أكثر السياسيين خبرة في مجلس الوزراء، وقد شغلت منصب الأمينة العامة للخزانة من يناير 2008 إلى يونيو 2009، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب، وهي أيضاً زوجة الوزير العمالي السابق إد بولز، الذي ساعد في صياغة سياسة غوردون براون بشأن استقلالية البنك المركزي في التسعينات.
ولابد أن كوبر قيد النظر على الأقل على الرغم من أنها هي الأخرى ليست على علاقة وثيقة بشكل واضح ببورنهام، رئيس الوزراء المستقبلي.
أما الحصان الأسود في السباق فهو جون هيلي، وزير الدفاع السابق، فقد كانت استقالته قبل أسبوعين بسبب التخفيضات في ميزانية الدفاع بمثابة الطعنة القاضية في ظهر ستارمر، ما أدى إلى استقالة رئيس الوزراء في غضون أيام.
ويحظى هيلي بتقدير كبير من قبل الموظفين المدنيين بفضل كفاءته وحسه السليم، لكنه استقال لأن ستارمر لم يوفِّ بوعده بتخصيص 28 مليار جنيه إسترليني لخطة الاستثمار الدفاعي البالغة الأهمية.
وليس من الواضح ما إذا كان بورنهام، الذي لديه أولويات أخرى، سيكون مستعداً للوفاء بوعوده بشأن الإنفاق الدفاعي. ولا يرغب رئيس الوزراء المرتقب في حدوث استقالة أخرى في وقت مبكر من فترة توليه منصبه رئيساً للوزراء.
ولا توجد خيارات سهلة في السياسة، وربما يكون الخيار الأرجح هو أن يتبع بورنهام حدسه ويدعم صديقه المقرب وداعمه الرئيسي ميليباند، لكنه سيضطر إلى توضيح الأمر بشكل قاطع بأن ميليباند، بصفته وزير الخزانة، سيتعين عليه قبول خفض تكاليف الطاقة كأولوية قصوى.
وإذا كان ذلك يعني إعادة فتح بحر الشمال والسماح بتطوير حقول النفط والغاز «روزبانك» و«جاكداو» المجمدة، فسيتعين على ميليباند قبول ذلك بروح طيبة، أما إذا كانت أسواق السندات ستقبل ميليباند بالروح الطيبة نفسها، بالنظر إلى انتماءاته اليسارية ودعمه لزيادة الإنفاق العام، فهذه مسألة أخرى.
وأخيراً يمكن لبورنهام أن يترك وزيرة الخزانة الحالية راشيل ريفز في منصبها، فقد حققت نجاحاً متواضعاً وفقاً لمعايير حزب العمال، منذ أن رفعت الضرائب دون إثارة قلق أسواق السندات، وهي ستحل «مشكلة تمثيل النساء» التي يواجهها بورنهام.
لكن «راشيل من قسم المحاسبة»، كما يطلق عليها منتقدوها، ربما كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً جداً بمجموعة ستارمر الحاكمة، ويبدو أن «ملك الشمال»، كما يصف المراقبون بورنهام، يريد إجراء تغيير شامل عندما يتولى زمام السلطة أخيراً في غضون أسبوعين تقريباً.
وفي الواقع، الأمر لا يتعلق بالشخصيات، فالبريطانيون غاضبون ويشعرون بالتهميش، وهناك استياء واسع النطاق من ارتفاع تكاليف المعيشة، والهجرة غير الشرعية، وأسعار المساكن الباهظة، وقوائم الانتظار في خدمة الصحة الوطنية، وثقافة الاعتماد على الإعانات الاجتماعية.
وتزداد «بريطانيا المُنبه»، كما يُطلق على أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض، فقراً. ويبدو أن أسعار البنزين وفواتير الطاقة ومواد البقالة تتجاوز جميعها معدلات التضخم الرسمية. ويلقي الكثيرون باللوم على الهجرة الجماعية، والمستفيدين من الإعانات الاجتماعية، والسياسات البيئية مثل «الصفر الصافي».
ويبدو الناخبون البريطانيون ضائعين سياسياً إلى حد ما، فقد تفككت الولاءات الطبقية القديمة، وتسود السخرية إلى حد كبير، ويُنظر إلى السياسيين على أنهم «يعملون لمصلحتهم الشخصية»، مثل زعيم الحزب الوطني الاسكتلندي، بيتر موريل، الذي اعترف أخيراً باختلاس 400 ألف جنيه إسترليني. عن «ذي أميركن كونسرفتيف»
• الخيار الواضح أمام رئيس الوزراء لاختيار وزير للخزانة هو أكبر مؤيديه وزير البيئة والانبعاثات الصفرية إد ميليباند، لكن هناك معارضة كبيرة لـ«إد الأحمر»، كما تطلق عليه الصحف الشعبية، بسبب سعيه شبه «المقدس» لتحقيق أجندة الطاقة الخضراء.
• لابد أن يسود التفاهم والتناغم بين رئيس الوزراء ووزير الخزانة، وإلا فإن الحكومة لن تستمر في العمل كما ينبغي.
• الناخبون البريطانيون يبدون ضائعين سياسياً إلى حد ما، فقد تفككت الولاءات الطبقية القديمة، وتسود السخرية إلى حد كبير.