أزمة رأس المال البشري تتجاوز مشكلة التمويل لإعادة إعمار أوكرانيا
لاتزال كلفة إعادة إعمار أوكرانيا تتصاعد بصورة مستمرة، حيث تشير أحدث التقديرات الرسمية إلى أنها تقترب من 588 مليار دولار.
ورغم ضخامة هذا الرقم، فإن توفير التمويل لا يمثل سوى الجزء الأقل تعقيداً من عملية إعادة الإعمار، إذ يمكن تأمين الأموال من خلال القروض أو المساعدات الدولية، أو حتى عبر مصادرة الأصول الروسية المجمدة.
أما التحدي الأكثر صعوبة، فيتمثل في تعويض الخسارة البشرية التي تعرضت لها البلاد، فبعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، فقدت أوكرانيا ملايين السكان، بمن فيهم نسبة كبيرة من الشباب المتعلمين وأصحاب المهارات والخبرات الذين يشكلون الركيزة الأساسية لأي عملية إعادة بناء وتنمية.
وتجد أوكرانيا نفسها اليوم أمام فاتورة إعادة إعمار تقدر بمئات المليارات من الدولارات، في وقت يشهد فيه عدد سكانها تراجعاً حاداً قد لا يمكن تعويضه بالكامل.
وإذا كان السؤال المطروح باستمرار هو ما إذا كانت كييف قادرة على تأمين الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار، فإن السؤال الأكثر أهمية والذي لا يحظى بالاهتمام ذاته، يتمثل في قدرة البلاد على استعادة سكانها، وإعادة بناء رأسمالها البشري.
خسائر مستمرة
وتستند هذه التقديرات إلى تقييم مشترك أعدته الحكومة الأوكرانية بالتعاون مع البنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، وهو التقييم الخامس منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.
وقد صدر التقرير في أواخر فبراير 2026، وقدّر إجمالي كلفة إعادة الإعمار والتعافي بنحو 588 مليار دولار خلال العقد المقبل، وذلك استناداً إلى حجم الأضرار المسجلة حتى نهاية عام 2025.
ويعادل هذا المبلغ نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السنوي لأوكرانيا، كما يعكس استمرار تصاعد حجم الخسائر مع مرور الوقت، فقد ارتفعت تقديرات الكلفة من نحو 349 مليار دولار في بداية الحرب إلى 524 مليار دولار قبل عام، لتصل حالياً إلى 588 مليار دولار، في مؤشر واضح على أن حجم الدمار يتزايد بوتيرة تفوق قدرة جهود الإصلاح وإعادة التأهيل.
وبلغت قيمة الأضرار المادية المباشرة وحدها أكثر من 195 مليار دولار، ويكشف توزيع هذه الخسائر عن عمق التأثير الذي خلفته الحرب، فقد تصدرت البنية التحتية للنقل قائمة القطاعات الأكثر احتياجاً لإعادة الإعمار بكلفة تقارب 96 مليار دولار، تلتها منشآت قطاع الطاقة بنحو 91 مليار دولار، ثم قطاع الإسكان الذي يحتاج إلى نحو 90 مليار دولار، بعد تعرض نحو 14% من إجمالي المساكن في البلاد للتدمير أو الأضرار، وهو ما أثر بصورة مباشرة في أكثر من ثلاثة ملايين أسرة.
إزالة الأنقاض
كما تتطلب إزالة الأنقاض ومخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة من المدن والأراضي الزراعية نحو 28 مليار دولار إضافية، وقد تحملت المناطق القريبة من خطوط المواجهة، لاسيما دونيتسك وخاركيف وخيرسون، النصيب الأكبر من الأضرار، الأمر الذي يجعل أكثر مشروعات إعادة الإعمار تعقيداً، تتركز في مناطق لايزال الوضع الأمني فيها هشاً إلى حد كبير.
وتشير التقديرات إلى أن القطاع الخاص أسهم في تغطية نحو ثلث إجمالي الكلفة، بينما سيظل الجزء الأكبر معتمداً على دعم خارجي واسع ومستدام.
وعقب اندلاع الحرب، جمدت الدول الغربية نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي، منها نحو 210 مليارات دولار موجودة في أوروبا، يتركز معظمها لدى مركز المقاصة (يوروكلير) في بلجيكا، في حين لا تتجاوز قيمة الأصول الخاضعة للسيطرة الأميركية خمسة مليارات دولار.
وقد طرح الاتحاد الأوروبي خطة للاستفادة من هذه الأصول في ضمان قرض كبير لمصلحة أوكرانيا تراوح قيمته بين 140 و165 مليار يورو.
واكتسب هذا المقترح زخماً سياسياً خلال قمة أكتوبر 2025، مع التوجه نحو إعداد تشريع خاص به خلال عام 2026، إلا أن النقاش حول قانونية هذه الخطوة وجدواها لايزال مستمراً ولم يُحسم حتى الآن.
قضية معقدة
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن روسيا يجب أن تتحمل كلفة الأضرار التي تسببت فيها الحرب، وقد أقر الكونغرس الأميركي عام 2024 تشريعاً يجيز مصادرة الأصول الروسية، كما أصدر البرلمان الأوروبي في عام 2025 قراراً غير ملزم يؤيد هذا المسار.
وفي المقابل، تحذر أطراف معارضة، تتقدمها بلجيكا وبدعم من البنك المركزي الأوروبي، من أن مصادرة احتياطيات دولة ذات سيادة قد تؤدي إلى زعزعة الثقة بالنظام المالي الدولي، وربما تدفع دولاً مثل الصين وغيرها من الدول المالكة لاحتياطيات ضخمة إلى سحب أموالها من المؤسسات المالية الأوروبية.
أما موسكو فتعتبر هذه الخطط بمثابة استيلاء غير مشروع على ممتلكاتها، وقد لجأت إلى القضاء، حيث أصدرت إحدى المحاكم الروسية حكماً يقضي بتعويضات ضد شركة «يوروكلير» تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار.
كما ازدادت القضية تعقيداً مع بدء الحديث عن مفاوضات السلام، حيث تحولت الأصول الروسية المجمدة إلى ورقة تفاوضية، وظهرت مقترحات تقضي بتخصيص جزء منها لإعادة إعمار المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، أو حتى إعادتها بالكامل إلى موسكو، وهو ما ترفضه كييف بشكل قاطع، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمثل تخلياً عن حقوق ضحايا الحرب.
نقص العمالة
ورغم أهمية إيجاد مصادر التمويل، فإن إعادة إعمار أوكرانيا لن تعتمد على المال وحده، بل تحتاج قبل كل شيء، إلى الأيدي العاملة والمهندسين والأطباء والمعلمين ورواد الأعمال، وهي الفئات التي تعاني البلاد نقصاً حاداً فيها نتيجة استمرار الحرب.
فقد بلغ عدد اللاجئين الأوكرانيين المقيمين خارج البلاد نحو 5.6 ملايين شخص حتى مطلع عام 2026، إضافة إلى أكثر من أربعة ملايين نازح داخلي، ما يعني أن أكثر من 10 ملايين أوكراني، أي نحو خمس سكان البلاد قبل الحرب، اضطروا إلى مغادرة بلدهم.
وانعكس هذا النزوح بصورة مباشرة على سوق العمل، حيث انخفض عدد العاملين بدوام كامل من نحو سبعة ملايين موظف في عام 2021 إلى نحو 5.3 ملايين موظف بحلول أواخر عام 2025.
وأصبحت أزمة نقص العمالة التحدي الأكبر أمام الشركات الأوكرانية، خصوصاً في قطاع البناء الذي يعد المحرك الرئيس لعمليات إعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه من أكثر القطاعات تضرراً بفعل الحرب.
التراجع الديموغرافي
ويبقى التراجع الديموغرافي أحد أخطر التداعيات بعيدة المدى، ففي عام 2025 تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد بنحو ثلاثة أضعاف، بينما انخفض معدل الخصوبة إلى أقل من طفل واحد لكل امرأة، وهو مستوى يقل كثيراً عن متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ نحو 1.4 طفل لكل امرأة، ولا يقترب بأي حال من المعدل اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.
وفي الواقع، كانت أوكرانيا تعاني شيخوخة السكان والانخفاض الديموغرافي حتى قبل اندلاع الحرب عام 2022، حيث سجلت أحد أسرع معدلات التراجع السكاني في العالم، إلا أن الحرب عمقت هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة، وسرّعت جميع الاتجاهات السلبية في وقت واحد.
ويتوقع خبراء الديموغرافيا أنه في حال استمرار الأوضاع الحالية دون تغييرات جوهرية، فقد ينخفض عدد سكان أوكرانيا إلى أقل من 29 مليون نسمة بحلول عام 2041، مقارنة بأكثر من 40 مليون نسمة قبل الحرب.
كما لا يتوقع البنك المركزي الأوكراني أن تبدأ الهجرة الصافية الإيجابية إلا اعتباراً من عام 2027، وحتى ذلك الحين ستكون وتيرتها بطيئة للغاية. عن «ناشيونال سكيورتي جورنال»
مستقبل اللاجئين
لايزال مستقبل ملايين اللاجئين الأوكرانيين غامضاً، حيث لا توجد ضمانات حقيقية لعودتهم إلى بلدهم، فأغلب المقيمين في الخارج يمثلون الفئات الأكثر تعليماً وتأهيلاً، وهم العنصر الأساسي الذي يقوم عليه أي اقتصاد حديث.
ويشكل الأشخاص في سن العمل نحو ثلثي اللاجئين الأوكرانيين، بينما يزيد عدد مَن هم دون الـ35 على نصف إجمالي اللاجئين، وهم الفئة التي يُفترض أن تقود عملية إعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة. إلا أن مؤشرات العودة أصبحت أكثر تشاؤماً مع مرور الوقت.
فقد انخفضت نسبة اللاجئين الراغبين في العودة إلى أوكرانيا من 83% عام 2022 إلى 61% في عام 2024، ثم تراجعت إلى نحو 43% فقط بحلول مطلع عام 2026، كما أكد نحو 80% ممن لايزالون يفكرون في العودة، أنهم لن يتخذوا هذه الخطوة قبل انتهاء الحرب بشكل كامل، وإبرام اتفاق سلام، واستئناف حركة الطيران المدني.
وتشير الدراسات إلى أن الشباب الأقل رغبة في العودة، حيث أظهرت أبحاث، أجراها مركز الاستراتيجية الاقتصادية الأوكراني، أن الأوكرانيين دون سن الـ35 أقل ميلاً للعودة، مقارنة بالفئات العمرية الأكبر، وذلك نتيجة اندماجهم في المجتمعات المضيفة، وحصولهم على فرص عمل أفضل ومستويات دخل أعلى، إضافة إلى ترددهم في إعادة أطفالهم إلى بلد لايزال يواجه مخاطر أمنية مستمرة.
• يمكن تأمين الأموال من خلال القروض أو المساعدات الدولية، أو حتى عبر مصادرة الأصول الروسية المجمدة.
• توقعات بانخفاض عدد سكان أوكرانيا إلى أقل من 29 مليون نسمة بحلول 2041، مقارنة بأكثر من 40 مليون نسمة قبل الحرب.