ألمانيا تعتزم رفع قدرتها العسكرية إلى 460 ألف جندي في حال اندلاع مواجهة واسعة. من المصدر

التجنيد الطوعي في ألمانيا يواجه اختباراً صعباً مع ضعف الإقبال

تواجه ألمانيا تحدياً متزايداً في جهودها الرامية إلى تعزيز قدرات جيشها، بعدما كشفت نتائج نظام الاستبيان الجديد الخاص بالتجنيد العسكري، عن فجوة كبيرة بين اهتمام الشباب المعلن بالخدمة العسكرية، والإقبال الفعلي على الالتحاق بالجيش.

وعلى الرغم أن نحو 96% من الرجال الذين تلقوا استمارة وزارة الدفاع استجابوا لها، فإن هذه النسبة المرتفعة لم تنعكس على معدلات التجنيد، حيث لم يتقدم سوى عدد محدود جداً لاستكمال إجراءات الالتحاق بالقوات المسلحة.

ووفقاً لبيانات وزارة الدفاع الألمانية الصادرة أخيراً، تلقى الجيش الألماني 530 طلباً فقط للتطوع في الخدمة العسكرية لعام 2026، وذلك بعد إرسال استبيانات إلى نحو 300 ألف شاب وشابة ضمن نظام التقييم الجديد (فيردينست)، الذي بدأ تطبيقه مطلع العام الجاري، بهدف استقطاب الراغبين في الخدمة العسكرية، من دون إعادة العمل بنظام التجنيد الإلزامي.

وأظهرت الأرقام أن الوزارة وزعت حتى منتصف يونيو 2026، نحو 298 ألف استبيان، شملت أكثر من 153 ألف شاب كان الرد عليها إلزامياً بالنسبة لهم، إضافة إلى نحو 145 ألف استبيان أُرسل إلى النساء على أساس المشاركة الطوعية.

ورغم أن نسبة استجابة الرجال بلغت 96%، فإن النتائج العملية جاءت أقل بكثير من التوقعات، فحتى الآن لم يخضع سوى نحو 1500 شخص للفحوص الطبية وإجراءات الاختيار، بينما لم يلتزم رسمياً بالخدمة العسكرية في عام 2026 سوى 530 شخصاً فقط.

وبينت نتائج الاستبيان أن أكثر من خُمس الشباب أبدوا اهتماماً مبدئياً بالانضمام إلى الجيش، إلا أن الأغلبية العظمى منهم لم تستكمل الإجراءات المطلوبة للالتحاق الفعلي، وهو ما أثار شكوكاً حول فاعلية النظام الجديد في تحقيق أهدافه.

تلبية الاحتياجات

وكانت الحكومة الألمانية تعول على هذا النظام باعتباره وسيلة لتحديد الشباب الراغبين في التطوع للخدمة العسكرية، وتوسيع قاعدة المرشحين للتجنيد من دون العودة إلى التجنيد الإلزامي الكامل، إلا أن النتائج الأولية تشير إلى أن الاستبيانات وحدها لا توفر قاعدة كافية من المجندين لتلبية احتياجات القوات المسلحة.

وتكتسب تلك النتائج أهمية خاصة في وقت تعمل فيه ألمانيا على تنفيذ خطة واسعة لزيادة قوام جيشها النظامي (البوندسفير) من نحو 186 ألف جندي عامل حالياً إلى 260 ألف جندي، إضافة إلى 200 ألف من قوات الاحتياط، بما يتيح رفع القدرة العسكرية إلى نحو 460 ألف جندي في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة.

ويضع وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، توسيع قوام الجيش في مقدمة أولوياته، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة والحروب والصراعات التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم، معتبراً أن تعزيز القدرات البشرية للقوات المسلحة أصبح ضرورة استراتيجية لا يمكن تأجيلها.

كما ترى الحكومة الألمانية أن هذا التوسع يمثل شرطاً أساسياً للوفاء بالتزامات البلاد داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومواكبة التحولات الأمنية التي تشهدها أوروبا، في ظل تصاعد المخاوف من البيئة الأمنية الحالية.

وكان بيستوريوس قد حذر مراراً من أن صعوبة استقطاب المجندين تمثل العقبة الكبرى أمام تنفيذ خطط ألمانيا الدفاعية، وتحقيق الأهداف العسكرية التي وضعتها الحكومة.

أسباب ضعف الإقبال

ويعزو خبراء وسياسيون معارضون لهذه السياسة ضعف الإقبال على الخدمة العسكرية إلى مجموعة من الأسباب، أبرزها تدني جاذبية الرواتب والمزايا، مقارنة بسوق العمل المدنية، وطبيعة ساعات العمل العسكرية، والصورة السلبية التي يحملها جزء من الشباب تجاه القوات المسلحة الألمانية، فضلاً عن المنافسة القوية من سوق العمل الألمانية التي توفر للخريجين فرصاً وظيفية أكثر جاذبية ورواتب أعلى.

وأوضحوا أن طول الإجراءات الإدارية وبطء اتخاذ القرارات الخاصة بالتجنيد، أسهما أيضاً في إحجام العديد من الراغبين عن استكمال مراحل الالتحاق، رغم اهتمامهم الأولي بالخدمة.

نقاش سياسي

وكانت وزارة الدفاع الألمانية تأمل أن يشكل نظام الاستبيانات خطوة مبتكرة لتوسيع قاعدة المرشحين، إلا أن نتائجه المحدودة أعادت فتح النقاش السياسي في برلين، بشأن قدرة نظام التجنيد الطوعي وحده على تلبية الاحتياجات المستقبلية للقوات المسلحة، أو ما إذا كانت البلاد ستضطر في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في تطبيق شكل من أشكال الخدمة الوطنية الإلزامية أو الانتقائية.

وفي المقابل، تبدو مؤشرات التجنيد عبر القنوات التقليدية أكثر إيجابية، حيث أعلنت وزارة الدفاع، الأسبوع الماضي، أنها تلقت منذ بداية العام 38 ألفاً و500 طلب للالتحاق بالقوات المسلحة، بزيادة تقارب 24%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، كما ارتفع عدد المجندين الجدد بنسبة 13% ليصل إلى نحو 13 ألف جندي.

ومع ذلك، يرى المسؤولون أن هذه الزيادة لاتزال دون المستوى المطلوب لتحقيق أهداف الحكومة الطموحة، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية، لاسيما المرتبطة بروسيا، وتزايد متطلبات حلف شمال الأطلسي، والحاجة إلى تعزيز الجاهزية العسكرية الألمانية. عن «بروكسل سيغنال»

صورة الجيش

 

يرى منتقدون لسياسة التجنيد الطوعي في ألمانيا أن الجيش لايزال يدفع ثمن سنوات طويلة من ضعف التمويل والإهمال السياسي، إضافة إلى الثقافة السلمية التي سادت البلاد بعد انتهاء الحرب الباردة، وهو ما أثر سلباً في صورة الجيش لدى الرأي العام، وجعل استعادة جاذبيته تتطلب إصلاحات عميقة وجهوداً طويلة الأمد، وليس مجرد حملات دعائية أو إجراءات إدارية جديدة.

• 530 متطوعاً فقط التحقوا بالجيش، رغم الاستجابة الواسعة لاستبيانات التجنيد.

• تدني جاذبية الرواتب والمزايا مقارنة بسوق العمل المدنية، وطبيعة ساعات العمل، أبرز أسباب ضعف الإقبال على الخدمة العسكرية.

الأكثر مشاركة